المقال رقم 2 من 2 في سلسلة العلمانيون والكنيسة

في الحلقة السابقة اتكلمنا عن إن الخدام العلمانيون، لم ينتظروا إذنًا ليتحركوا، كانوا نموذجًا، قدموا أنفسهم لخدمة الله بعدما أكلتهم غيرة خدمة بيت الرب فقالوا مع النبي “هأنذا .. أرسلني”.

الآن: كيف تغيرت القصة؟
في هذه الحلقة: الفصول الأربعة للتحول نناقش:
– متى بدأت الدولة تفضل “صوتًا واحدًا”؟
– متى اختفى العلماني المستقل؟
– كيف تحولت الشراكة إلى تهميش؟

البدايات الخافتة للتحول (1950-1960)

لكن شيئًا ما بدأ يتغير.

لنكن صريحين: التغيير لم يحدث فجأة، ولم يكن نتيجة قرار واحد أو شخص واحد. إنه أشبه برحيل المد- لا تلاحظه كل يوم، لكن عندما تلتفت للخلف بعد سنوات تدرك أن الساحل قد تغير.

بدأت الإشارات الأولى تظهر في الخمسينيات والستينيات، وهي فترة حساسة على المستوى السياسي. كانت مصر تشهد تحولات كبرى: انتقال السلطة، إعادة تشكيل المؤسسات، محاولات توحيد الهوية الوطنية. في هذا السياق، بدأت الدولة تُعيد النظر في كيفية تعاملها مع الأقليات الدينية.

في البداية، كان التعامل مع المسيحيين الأقباط يتم عبر آليات متعددة: عبر الأحزاب والنقابات والجمعيات المدنية والشخصيات العامة، تمامًا كما يحدث مع غيرهم من المواطنين. كان الطبيب القبطي يُمثل نفسه عبر نقابة الأطباء. والمحامي كان له صوت عبر نقابة المحامين. والمعلم كان للمعلمين نقابتهم. كانت هناك قنوات متشعبة، حتى وإن لم تكن دائمًا منصفة.

لكن مع الوقت، لاحظت الدولة أن التعامل مع مؤسسة دينية واحدة أسهل بكثير من التعامل مع أفراد متفرقين. ومن جهتها، بدأت الكنيسة تشعر أن موقعها يقوى عندما تتحدث باسم الجميع. لم تكن هناك مؤامرة. كانت مجرد حسابات طبيعية جدًا.

السبعينيات والثمانينيات- الانتقال المسيطر

لكن السبعينيات جاءت بتسريع.

في 1973، بعد حرب أكتوبر مباشرة، حدث تحول جوهري في سياسة الدولة تجاه الأقباط. لم تكن سياسة معادية، بل كانت سياسة تعريف- أي تحديد من تتحدث معه الدولة نيابة عن كل المسيحيين.

أصبح البطريرك هو الممثل الرسمي للأقباط في الملفات الحساسة. ليس فقط في الشؤون الروحية، بل في:
• ملفات الأحوال الشخصية والأحوال المدنية.
• الأزمات الطائفية والقضايا الأمنية.
• حتى القضايا السياسية والاجتماعية العامة.

مع كل مرة تُفتح فيها أزمة طائفية، كانت الدولة تطلب من البطريرك أن يتحدث باسم الجميع. ومع كل تحدي سياسي، كانت هناك ضغوط  -صريحة وغير صريحة-  على الكنيسة لتتخذ مواقف.

وبينما كانت هذه تقوية ظاهرية للموقع الكنسي الرسمي، كانت في الحقيقة تتطلب تمركز السلطة. لم يعد بإمكان المعلم المستقل أو الكاتب العلماني أن يكون له موقف مختلف عن “موقف الكنيسة”. والموقف الواحد يتطلب صوتًا واحدًا. والصوت الواحد يجب أن يأتي من المركز.

في هذه الفترة، بدأنا نلاحظ أن الشخصيات المؤثرة على مستوى الكنيسة كلها -تلك التي كانت تشكل الفكر الكنسي والتوجه التربوي- بدأت تختفي أو تُهمش.

تشعر وكأنه طرد جماعي غير رسمي للعلماني ذو الرأي حتى ولو كان دون عمد. لم تكن هناك قرارات رسمية. لكن الفرص بدأت تتقلص. والمنابر بدأت تُحتكر. والصوت بدأ يُعاد توجيهه نحو الأعلى.

المأسسة والإكليروسية (1980-2000)

في الثمانينيات والتسعينيات، تأسست الحركة نحو ما يمكن أن نسميه “الية”-  أي السيطرة المتزايدة للإكليروس على كل جوانب الحياة الكنسية، واختفاء أو تقليص أو تهميش لدور العلماني خارج سلطان الإكليروس.

حدثت عدة أشياء متوازية:

أولاً: تم إعادة تنظيم نفسها. ما كان منصة للخدام والمعلمين العلمانيين المستقلين أصبح الآن جزءًا من جهاز مركزي يُشرف عليه الإكليروس أنفسهم بشكل مباشر. لم يعد الخادم العلماني هو من يقرر منهج التعليم؛ بل بدأ ينفذ ما يُقرره من هم أعلى في الهرم.

ثانيًا: انتقال مركز الثقل من الحركات المحلية والمبادرات الفردية إلى المؤسسة الكنسية المركزية. أصبح القرار الكنسي أكثر مركزية. وأصبحت المنابر التعليمية والكرازية أكثر ارتباطًا بالمؤسسة الرسمية. لم يعد بإمكان مفكر علماني أن ينشر رؤيته الكنسية إلا من خلال قنوات رسمية ومعتمدة إلا ويعتبر خارجًا عن طوع أمه الكنيسة وعليه أن يتحمل أما المحاكمات والحرم أو التهميش والاغتيال المعنوي

ثالثًا: بدأ يُفهم أن “الخدمة الحقيقية” تتطلب رتبة رسمية. هذا لم يُقل بهذه الصراحة، لكن كان يُفهم ضمنيًا. إذا كنت تريد أن يكون لك تأثير حقيقي، فعليك أن تصبح كاهنًا أو تأخذ رتبة كنسية رسمية. الخدمة العلمانية أصبحت “مساعدة”، وليست قيادة، فبدأ الجميع يسع نحو الرهبنة والكهنوت، بل وأحيانًا صار الكهنوت هبة ومكافأة على الولاء والطاعة، يُصرح في العلن أن لا أحد يأخذ هذه الكرامة بنفسه، ولكن في الحقيقة -أحيانًا- كان الكهنوت علامة من الرضا من شخص أكبر في السلطة يمنح مكافأة لشخص آخر ليضمه من فريق العلمانيين (العاديين) إلى فريق أرفع شأنًا وأكثر قداسة هو فريق الإكليروس.. بالطبع لا أحد يستطيع أن يصرح بهذه الفكرة علانية ولكنها واضحة جلية للأعمى قبل البصير.

رابعًا: تحول في طبيعة السلطة الكنسية نفسها. في الأولى، كان تأثير الأسقف أو الكاهن مرتبطًا بشخصيته وفكره وقدرته على جذب الناس. لكن مع الوقت، أصبح التأثير أكثر ارتباطًا بالموقع الرسمي والسلطة المؤسسية. شخص بلا رتبة، مهما كان ذكيًا أو مؤثرًا، أصبح صوته أضعف من كاهن عادي يتحدث باسم المؤسسة.

في هذه الفترة، تراجع ظهور الشخصيات العلمانية المؤثرة على مستوى الكنيسة كلها. لم تختفِ الخدمة العلمانية نفسها- الناس يزالون يخدمون. لكن الخدمة أصبحت “محلية” و”نمطية”. لا مجال لرؤى جديدة. لا فرصة لمبادرات مستقلة. كل شيء يمر عبر القنوات الرسمية.

العقدين الأخيرين – الإضفاء الرسمي والاختزال

في العقدين الأخيرين، تجمدت هذه الديناميكية تقريبًا.

أصبحت الكنيسة، في نظر كثيرين -الشعب والدولة على حد سواء- ليست فقط مؤسسة روحية، بل مؤسسة تمثيلية. المتحدث الرسمي للأقباط. الممثل الشرعي في كل مفاوضات.

وهذا له ثمن حقيقي جدًا.

لأنه عندما تصبح الكنيسة مسؤولة عن كل شيء -عن كل صوت، عن كل موقف، عن كل رؤية- تصبح مُطالبة بالتحكم في كل شيء. والتحكم يتطلب مركزية. والمركزية تتطلب خط سلطة واحد. وخط السلطة الواحد يعني: الإكليروس.

في هذه الحقبة، أصبح من النادر جدًا أن ترى شخصًا علمانيًا يشكل الفكر الكنسي بشكل مستقل. وإن حدث، فعادة ما يكون عبر قنوات رسمية، بموافقة من أعلى، وفي إطار تم رسمه مسبقًا.

الكاتب العلماني، المفكر العلماني، الأكاديمي العلماني- كل هؤلاء أصبح لديهم خيار:
• إما أن تنضموا للنظام الرسمي وتقبلوا حدوده. (ويوم نرضى عنكم نرقيكم للإنضمام للإكليروس)
• أو تعملوا بشكل مستقل، خارج المؤسسة الكنسية تمامًا، مما يعني فقدان المنصة والجاهزية.

كثيرون اختاروا الخروج. وبعضهم استسلموا. والبعض أًتهموا بل وحوكموا والقليل استمروا في مقاومة صامتة، حتى لا يبتعدوا عن حضن الكنيسة الأم. على أمل بلا رجاء أن تعود الكنيسة من مؤسسة إلى سفينة تسع لكل المسافرين.

في الحلقة المقبلة سنتكلم عن النتيجة، عما فقدناه وعما لم ندرك أننا فقدناه، هل تحتاج الكنيسة اليوم إلى عودة إحياء دور العلماني؟ هل يستطيع الإكليروس أن يتخلى بعض الشئ عن أدوار هي في الأصل للعلماني؟ أم سيصر على أن كل الأشياء لابد أن تحدث من خلال عباءته وإذنه لأنه ولي الأمر وصاحب السلطان.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ العلمانيون والكنيسة[الجزء السابق] 🠼 العلمانيون والكنيسة: من الشراكة للتهميش والصراع
مايكل جميل
[ + مقالات ]