هل ده شخص مناسب أحكي واتكلم وأفضفض معاه؟ ولا لأ؟!
تعالوا نتفق إن الإنسان عمومًا كائن اجتماعي يميل للحكي والفضفضة والكلام.. وأنت فرحان بتكون عاوز كل الناس تشاركك فرحك ويتنططوا معاك، وأنت زعلان أو متضايق أو متألم، عاوز تحكي عن ألمك واللي زعلك واللي ظلمك. ساعات المهتمين بدراسة علم النفس بيشوفوا أن الفضفضة والحكي أحد طرق الشفاء، ويرى بعضهم إنها نفسها طريق الشفاء.
بس السؤال المهم، هل ينفع أحكي أي حاجة لأي حد؟! هل ينفع أخد برأي ومشورة أي حد؟! هل اللي مشورته نجحت معايا في موضوع أو أمر ما، ده ضروري أو شرط إن كل آرائه ومشوراته تنفع في كل المواضيع؟!
الإجابة العاقلة والبسيطة والمباشرة: قطعًا لأ..
في مرة من كام سنة دُعيت لإلقاء كلمة في إحدى الكنائس، وكان الموضوع اللي بتكلم فيه يخص تعامل الأهل مع أبنائهم المراهقين، وأنا يفترض إني شخص غريب وغير معروف للشعب في الكنيسة دي، لأني في وقتها كنت بخدم في كنيسة ثانية.
بعد انتهاء الكلمة، التفّ حولي بعض الأمهات ليتساءلوا في كل المشاكل والموضوعات وكأني أبو العريف اللي يعرف في كل حاجة، بل تطرقت الأسئلة إلى موضوعات وأسئلة شخصية ومشورات زوجية خاصة جدًا، وهما حتى معندهمش أي وسيلة يعرفوا أصلًا أنا متزوج ولا لأ، غير من الدبلة اللي لابسها في إيدي.
مفيش حاجة في الدنيا تخليك تثق في إنسان في كل موضوعات الحياة ثقة عمياء.. إلا الحماقة.
صدقني حتى التخصص مش دليل كافٍ على صلاحية المشورة، خصوصًا في الزمن اللي إحنا عايشين فيه. كم من الناس المدعين والمخادعين، تلاقي واحد قرأ كتاب أو اتنين أو حتى عشرة، يدعي إنه خبير في المشورة النفسية والزوجية والمراهقين والأطفال والعجائز، ومش بعيد يضيف كمان في الـ title بتاعه إنه خبير في الطبخ والملوخية والأحوال الجوية.
واحد يحضر كورس ولا اتنين، هدفهم الأساسي إنه يكون فاهم نفسه هو ويتعامل مع ضعفاته وسلوكياته وإدماناته الشخصية بشكل سليم، يخلص الكورس ولا الاتنين ويسمي نفسه معالج نفسي وخبير استراتيجي في حروب الذات اللوذعية، ويقرف اللي جابونا بشهادات مضروبة من أماكن مشبوهة، والناس تصدّق، ومحدش يدور ولا يتحقق، وندخل نحكي له أدق وأخص تفاصيل حياتنا، ويطلع في الأخر إنسان غير أمين ويستغل ده عاجلًا أو آجلًا ضدنا.
وحتى لو كان إنسان أمين وابن ناس وطيب وبيحب يساعد الغير، ممكن مشورته تودّي في داهية.
قصص كثيرة لا يسعني حكيها. مشاكل كثيرة دخل ناس يحلوها، فلم تُحل، بل تفاقمت وتعقدت بشكل صعب نتيجة مشورة حمقاء من شخص غير مؤهل للتعامل مع الموقف أو المشكلة.
مهم جدًا وأنت بتحكي أو بتاخد رأي حد تسأل نفسك شوية أسئلة:
١- هل الشخص ده أمين ولا هيتاجر بيّ في المستقبل ويبتزني ماديًا أو معنويًا؟
وبصراحة دي نقطة منقدرش نحكم عليها بنسبة ١٠٠٪، لأن ناس كثيرة اعتادت ارتداء أقنعة البراءة والقداسة في العلن، وفي غرفهم المغلقة تظهر ذئابهم الخاطفة. وحتى لو هما كويسين، الزمن والظروف مش مضمونين.
٢- هل الموضوع اللي أنا عاوز أسأل فيه واقع في مجال ودائرة خبرته أو تخصصه؟
يعني لو رايح تسأل دكتور عيون عن ألم عمودك الفقري تبقى غلطان وبتهرج، ولو رايح تسأل في سوبر ماركت عن دواء القلب تبقى أحمق.
٣- هل الشخص اللي أنا رايح أخد مشورته عنده ما يؤهله فعلًا للكلام في الموضوع ده؟
طبعًا من الحكمة إننا نبص على ثمرة حياته وخبرته العملية، لكن ده مش المعيار الوحيد. لأن في ناس فشلت في أمور معينة واتعلمت من فشلها، وفي ناس نجحت بالصدفة ومش عارفة تشرح حتى سبب نجاحها.
٤- سؤال مهم تسأله لنفسك وإنت بتاخد مشورة حد: هل أنا متشاف لهذا الشخص كإنسان أم مجرد سلعة؟
هيقعد معايا علشان يستفاد بشوية معلومات وأسرار أو حتى فلوس الجلسة، ولا أنا مهم بالنسبة له وعاوز الخير ليّ؟
في مقولة منسوبة للقديس الأنبا أنطونيوس بيقول فيها: “لا تتحدث بجميع أفكارك إلا للذين لهم قوة على خلاص نفسك”، يعني ناس يهمهم خيرك فعلًا، ولهم تأثير حقيقي في الموضوع اللي بتتكلم فيه.
٥- هل مشوراته السابقة كان لها تأثير إيجابي أم سلبي على حياتي؟
بمعنى إنك لو خدت رأي حد في موضوع ما مرة واتنين وثلاثة، ومحصلش تأثير إيجابي رغم إنك نفذت كل مشورته، بل بالعكس كان لمشوراته تأثير سلبي عليك وعلى حياتك، فمن الحماقة إنك تكمل وتفضل تاخد رأيه.
في النهاية..
مش كل شخص تحبه ينفع تستشيره..
ومش كل شخص ينفع تستشيره ينفع تحكي له كل حاجة..
ومش كل شخص كلامه يعجبك يبقى مؤتمن على أسرارك.
اختار جيدًا من يسمعك..
لأن بعض الكلمات لما تخرج من فمك لا تعود أبدًا، وبعض المشورات ثمنها قد يكون سنوات من عمرك.