الطاعة خير من الذبيحة.(سفر صموئيل اﻷول ١٥ : ٢٢)
ابن الطاعة تحل عليه البركة.(قول شائع ومأثور)
هل تعني عبارة “الطاعة خير من الذبيحة” أن الكتاب المقدس يدعو إلى الطاعة العمياء؟ وهل يربط القول الرهباني الشائع: “ابن الطاعة تحل عليه البركة” بين البركة وإلغاء العقل؟ أم أن المقصود هو الطاعة الحكيمة المسؤولة
– ماهو أصلًا مفهوم الطاعة الحكيمة المسؤولة؟!
– متى ينبغي أن نقول لا ؟
في هذه السطور القليلة سأستعرض معك رأيي حول صفة روحية جميلة اقتناها الابن نفسه “أطاع حتى الموت.. موت الصليب”.
لنتفق في البداية أن الطاعة قضية من أكثر القضايا تعقيدًا في الأخلاق المسيحية، لأن عبارة “الطاعة خير من الذبيحة” كثيرًا ما تُستخدم خارج سياقها لتبرير الطاعة المطلقة، بينما النص نفسه لا يقول ذلك.
الآية وردت في سفر صموئيل الأول ١٥: ٢٢، عندما واجه صموئيل النبي الملك شاول بعد أن لم ينفذ ما أُمر به بالكامل، ثم حاول تعويض ذلك بتقديم ذبائح. فقال له: هل مسرة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب؟ هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة
. لاحظ أن المشكلة لم تكن أن شاول فكّر أو سأل، بل أنه استبدل ما أمره الله به بما ظن أنه أفضل، ثم غلّف عصيانه بغطاء ديني.
إذن الآية لا تتحدث عن إلغاء العقل، بل عن عدم استبدال إرادة الله باجتهاد شخصي متكبر. هل يطلب الكتاب المقدس الطاعة العمياء؟
إذا قصدنا بالطاعة العمياء:
- أن يطيع الإنسان أي سلطة دون تفكير؟
- أو أن يتوقف عن استخدام ضميره؟
- أو أن ينفذ أمرًا شريرًا لمجرد أن شخصًا صاحب سلطة طلبه؟
فالجواب القاطع والأكيد هو: لا. بل نجد أمثلة كثيرة على العكس:
- القابلتان شِفْرَة وفوعة رفضتا أمر فرعون بقتل الأطفال.
- دانيال رفض أن يتوقف عن الصلاة رغم أمر الملك.
- بطرس الرسول ويوحنا الرسول قالا للمجمع:
ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس
.
إذن الكتاب نفسه يعلم أن هناك لحظات تصبح فيها الطاعة للسلطة خطأ أخلاقيًا.
ما هي الطاعة الحكيمة المسؤولة؟
يمكن تلخيصها في أربعة مبادئ:
1. الطاعة تنبع من الثقة لا من إلغاء العقل.
الكتاب المقدس يقدم الطاعة لله باعتبارها ثمرة علاقة وثقة، لا مجرد خضوع قهري. لذلك أعطى الله الإنسان عقلًا وضميرًا، ولم يطلب منه أن يعطلهما
2. الطاعة لها حدود أخلاقية.
فإذا تعارض أمر البشر مع الحق والعدل، يصبح الرفض هو الطاعة الحقيقية لله.
3. الطاعة لا تلغي المسؤولية الشخصية.
عبارة “أنا كنت بنفذ أوامر” ليست عذرًا أخلاقيًا. هذا المبدأ أصبح واضحًا أيضًا في القانون الدولي بعد محاكمات نورمبرغ، حيث أعتُبر تنفيذ الأوامر غير كافٍ لتبرئة الإنسان من الجرائم.
4. الطاعة لا تمنع الحوار أو السؤال.
في الكتاب المقدس نجد أشخاصًا كثيرين سألوا الله وجادلوا معه باحترام، مثل إبراهيم وموسى وحبقوق.
متى ينبغي أن نقول “لا”؟ أعتقد أن هناك عدة حالات واضحة:
- عندما يُطلب منك أن تخطئ ، فالضمير ليس عدوًا للطاعة، بل أحد وسائل تمييزها.
- عندما يُطلب منك أن تؤذي إنسانًا بريئًا.
- عندما يُطلب منك أن تكذب أو تغش أو تزوّر.
- عندما تُستغل الطاعة لإلغاء شخصيتك أو ضميرك.
- عندما يستخدم شخص سلطته لإجبارك على ما يتعارض مع الحق.
لكن حتى عندما نقول “لا”، لا يلزم أن تكون “لا” مليئة بالكراهية أو التمرد. فالكتاب يعلمنا أن نرفض الشر دون أن نفقد المحبة أو الاحترام، وفي المقابل، قد نقول “نعم” حتى لو كان الأمر صعبًا عندما يكون المطلوب صالحًا وعادلًا، حتى لو لم يعجبنا أو كلفنا تضحية.
من زاوية علم النفس
علم النفس يميز بين نوعين من الطاعة:
- الطاعة الناضجة: تقوم على الاقتناع وتحمل المسؤولية.
- الطاعة الخاضعة: تقوم على الخوف أو التبعية أو الرغبة في إرضاء السلطة.
وتشير تجارب ستانلي ميلجرام [1] إلى أن البشر قد يرتكبون أفعالًا مؤذية عندما يتخلون عن مسؤوليتهم الأخلاقية بدعوى “كنت أنفذ الأوامر”. لذلك فإن الضمير والتفكير النقدي ليسا عدوين للطاعة، بل حارسان لها.
وفي رأيي، يمكن صياغة المبدأ المسيحي بهذه العبارة:
الطاعة المسيحية ليست أن تتوقف عن التفكير، بل أن تستخدم عقلك وضميرك بكل أمانة، ثم عندما يتضح لك الحق، تلتزم به حتى لو كان ذلك مكلفًا.
وربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل أنا شخص مطيع؟
بل: لمن أطيع؟ ولماذا أطيع؟ وهل ما أفعله نابع من ضمير حي، أم من خوف ورغبة في إرضاء الآخرين؟
فليست كل طاعة فضيلة، وليست كل معارضة خطية؛ فالفضيلة الحقيقية هي أن يظل الضمير خاضعًا للحق قبل أن يخضع لأي سلطة.
