امبارح وحوالي الساعة الخامسة والنصف عصرًا، رن رقم معرفهوش على الموبايل، رديت:
– ألو..
– ألو.. مستر مايكل سلام ونعمة..
– سلام ونعمة.. مين معايا ؟!
– أنا أبونا فلان من الكنيسة الفلانية، عامل إيه وإيه أخبارك؟!
– نشكر ربنا في نعمة كبيرة يا أبي.. خير أقدر أساعد في إيه؟!
– بص هدخل في الموضوع على طول، أنا بكلمك بخصوص البوستات الأخيرة بتاعتك، وسيدنا عاوز يقابلك.
اتخضيت وقمت وقفت وأنا ماسك الموبايل، وقلبي فضل يدق جامد جدًا.. ارتبكت جدًا وفضلت ساكت، لدرجة أن أبونا نفسه قال:
– أستاذ مايكل، حضرتك معايا ؟!
– اه.. اه يا قدس أبونا، سيدنا عاوزني أنا؟ سيدنا اللي هو سيدنا بتاعنا احنا ده؟!
ضحك أبونا وهو بيقول:
– اه سيدنا بتاعنا احنا اللي عاوزك بخصوص أخر بوستات أنت منزلها، عاوزك تروح له المطرانية النهاردة.
اتخضيت تاني وقلبي بقى يدق بصوت غالبًا أبونا نفسه سامعه من خلال الموبايل:
– النهاردة؟ ازاي؟! أمتى أصلًا دي الساعة دلوقتي عدت 5:30٠ م؟
– اه يا أستاذ مايكل.. هيستناك الساعة 11.00 مساءًا في المطرانية، وأنت داخل هتبلغ الأمن تحت باسمك وهما هيكون عندهم معلومة بميعاد حضرتك، حضرتك هتدخل وهتلاقي حد في انتظارك يطلعك لحد سيدنا.
– ثواني بس يا أبي، 11.00 م ده مش متأخر ؟! أقصد ده ميعاد مناسب يعني؟! أنا بالنسبة لي عادي.. لكن أقصد سيدنا عادي؟!
– اه يا أستاذ مايكل، سيدنا في كتير من مواعيده بتبقى متأخرة علشان يكون خلص خدمة والمقابلات الرسمية.
– تمام.. حاضر بإذن ربنا أكون موجود في الميعاد.
– سلام..
– سلام..
قفلت الخط ، بس ولا قلبي بطل خبط ولا عقلي بطل تفكير..
ياترى سيدنا عاوزني ليه؟! هل هيزعق ويتخانق معايا؟! هل هيقول كلام صعب؟! بس أنا مش هسمح بده.. أنا ساعتها همشي مش هستنى..
طب خلاص بقى أروح ليه من البداية، هيبقى مشوار وتضييع وقت وقلة قيمة.. بلاش أروح..
استنى بس.. اهدا متسبقش الأحداث.. مش يمكن عاوز يناقشك في اللي أنت كاتبه، وساعتها فرصة تكلمه عن الرسايل اللي جت لك من ناس موجوعة منه ومن قراره، وتسمع منه ويسمع منك أب وابنه.. مش يمكن !!
كانت الساعة الحادية عشر إلا ربع عندما وصلت إلى دار المطرانية وفعلًا كما قال لي أبونا في التليفون كان لديهم علم بقدومي، ودخلت واصطحبني أحد الخدام للداخل، ثم صعدنا بالأسانسير وأدخلني وقال لي: سيدنا بيقولك انتظر دقائق قليلة وهينزلك، حضرتك قهوتك ايه؟!
دقائق ووجدت أحد الخدام يقدم لي فنجان القهوة ومعه قطعتان من الجاتوه وزجاجة مياه معدنية.
دقائق ووجدت سيدنا في المواجهة مباشرة، لسه جاي أعمل ميطانية زي ما قالولي لقيته بيشدني وبياخذني بالحضن..
وأنا في حضنه، استغربت جدًا، لأني مسمعتش إنه عمل كده مع حد قبل كده.. اطمنت بصراحة وأتوترت في نفس الوقت.. بصوا بصراحة كانت مشاعر متلخبطة.
جلسنا سويًا إلى جوار بعض، وابتدا بصوته الرخيم المعتاد:
– طبعًا أنت فاهم كويس إن معنديش حساب على الفيسبوك، بس مفيش حاجة مش بعرفها، حتى دبة النملة بتوصلني.. المهم أنت زيك زي كل الناس مش فاهم حاجة وبتتكلم من فراغ، وكان من باب أولى بدل ما تكتب وتنشر، تيجي وتتكلم معايا.. ما علينا مش مهم.. المهم محدش فاهم إني عاوز أنهض بالمستوى الثقافي للإيبارشية، خدام كتير المفروض إنها تعلم الأطفال، هما نفسهم عندهم مشكلة في قراءة الكتاب المقدس بشكل سليم، معلوماتهم أقل من بسيطة وأحيانا كمان معلومات غلط، إزاي استأمنهم على تعليم وتسليم أطفال.
– حاللني يا سيدنا، طبعًا نيافتك معاك حق وأعلم وأدرى مني، إني أغلب مناطق الإيبارشية مناطق بسيطة وسكانها بسطاء، ومش لازم تكون كل الخدمات تعليمية، بعد إذن نيافتك طبعا، الناس بتحس بانتمائها وارتباطها بالمكان لما يكون ليهم دور فيه، لما يحسوا إنهم جزء منه، جزء له فايدة تخدم المكان، لما أنا أجي أرفض فئة معينة لأي سبب حتى لو كان سبب بديهي ومقنع، بطريقة غير مباشرة بقول لفئة عريضة أنا مش عاوزكم، أنتم مش معانا، أنتم ملكمش لازمة ، فبالتالي هو كمان بيحس بعدم الانتماء والغربة مش عن الخدمة، لكن غربة عن الكنيسة ككل، وساعات كمان غربة عن الله.
– كويس ، برافو عليك بتعرف تتكلم، لكن مش بتعرف تفكر، لما بقبلهم في إعداد خدام وأخرجهم وأديهم الشهادة، بيرفضوا يتوزعوا في أي خدمات غير تعليمية، يعني تيجي توزعهم على خدمة مرضى أو افتقاد أو أي خدمة بسيطة، يرفض ويثور ويقول أنا لازم أنزل خدمة مدارس أحد، هنا بتبقى المشكلة بشهادة مني، يعني أنا اللي عملت المشكلة في نفسي.
– طب إيه رأيك يا سيدنا، بدل ما نرفضهم، نعمل لائحة قبول، في القبول نقبل الجميع، الكنائس أصلًا طول الوقت عندها عجز في عدد الخدام، ويكون من شروط اللائحة إن توزيع الخدمة طبقا لمتطلبات واحتياجات كل خدمة على أن تكون الخدمات التي بها تعليم تستلزم الحد الأدني من التعليم لكل منطقة وباقي الخدمات التي تخلو من التسليم والتعليم للجميع، وبكده يبقى مرفضتش شباب لسه في بداية حياتهم ولا حسستهم إنهم مش مقبولين.
فجأة رن المنبه، كانت الساعة 6:30 ص، وزعلت إنه كان حلم! وزعلت أكتر لما افتكرت أخر رسالة قريتها امبارح، كان مكتوب فيها متتعبش نفسك محدش هيعبرك ولا فيه حاجة هتتغير، هيقولوا: خليهم يتسلوا واحنا برضه هنعمل اللي في دماغنا وشايفينه، دع الكلاب تعوي والقافلة تسير.
ضحكت لما عرفت إن احنا الكلاب وهما القافلة، مش مهم..
المهم كان أحلى حاجة القهوة والجاتوه والحضن.. والأحلى من كل دول مش إن سيدنا وافقني في الحلم.. لأن ده محصلش حتى في الحلم.. لكن الأحلى إنه استمع لي وكان بيتناقش بود وحب..
“ليت من نختلف معهم يجلسون معنا إلى طاولة واحدة”.
