- العلمانيون والكنيسة: من الشراكة للتهميش والصراع
- رحلة الفصول اﻷربعة
- ما فقدناه وما لم ندرك أننا فقدناه
- ☑ مفهوم السلطة وفشل محاولات اﻹصلاح
المشكلة ليست في العلمانيين ولا في الإكليروس, بل في مفهوم السلطة نفسه، لأن الجذر الحقيقي الذي نتكلم عنه طوال السلسلة ليس حبيب جرجس، ولا مدارس الأحد، ولا حتى البابا شنودة.
الجذر هو: من يملك حق المبادرة؟ ومن يملك حق التفكير؟ ومن يملك حق التأثير؟
البداية: لماذا فشلت كل محاولات الإصلاح؟
بعد نشر الحلقات السابقة قد يتصور البعض أن الحل بسيط: فلنعطِ العلمانيين مناصب أكثر، فلنسمح لهم بالكلام أكثر، فلننشىء مجالس إدارية كنسية جديدة. لكن المشكلة أعمق من ذلك. لأن الأزمة ليست أزمة هيكلة أو حتى إعادة هيكلة، الأزمة أزمة فكر. وأي إصلاح لا يقترب من هذه الحقيقة سيبقى مجرد إعادة ترتيب للأثاث داخل الغرفة نفسها.
الكنيسة ليست شركة
واحدة من أخطر الأفكار التي تسللت إلى وعينا الكنسي خلال العقود الأخيرة هي أن الكنيسة هرم إداري. في القمة قيادة، ثم مستويات متدرجة من السلطة، ثم منفذون في الأسفل، ثم فئة الشعب أو المستفيدون. هذا النموذج قد ينجح في الجيش، وقد ينجح في الشركات. لكنه لا يصنع نهضة روحية.
الكنيسة عبر تاريخها لم تتقدم لأن الجميع كانوا ينتظرون الأوامر، بل لأن الروح القدس كان يعمل في أشخاص رأوا احتياجًا وتحركوا. هكذا بدأت مدارس الأحد، وهكذا بدأت حركات التعليم وهكذا بدأت أغلب محطات التجديد الكبرى في تاريخ الكنيسة.
عندما تصبح الطاعة أهم من الحقيقة
تكونت مع الوقت ثقافة غير معلنة تقول: الطاعة فضيلة مطلقة “ابن الطاعة تحل عليه البركة”، والاختلاف خطر، والسؤال مشكلة، والنقد قلة احترام. لكن المشكلة أن التاريخ الكنسي نفسه لا يقول ذلك. لو كان الآباء عبر التاريخ يفكرون بهذه الطريقة لما انعقد مجمع واحد، ولما كُتبت مناظرة واحدة، ولما وُلد فكر لاهوتي واحد.
الحقيقة لم تتقدم بالطاعة وحدها، بل بالحوار، والجدل، والبحث، والاختبار. الطاعة فضيلة عظيمة، لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تصبح البديل عن التفكير، وعندما يصبح الولاء أهم من الحقيقة.
ما الذي يحتاجه الإكليروس؟
قد يبدو غريبًا أن أقول هذا بعد ثلاث حلقات من الحديث عن تراجع دور العلمانيين. لكن الحقيقة أن الإكليروس أنفسهم ضحايا هذا الوضع أيضًا. لأنهم أصبحوا مطالبين بأن يكونوا: رعاة، وإداريين، ومخططين، ومراجعين ، ومتحدثين رسميين، ومشرفين على كل شيء. وهذا حمل لم يطلبه الإنجيل منهم أصلًا.
كلما زادت المركزية زاد العبء على القيادة، وكلما زاد العبء قلت القدرة على الرعاية الحقيقية، وكلما تمركزت السلطة أكثر، أصبحت المؤسسة أكثر هشاشة واعتمادًا على عدد محدود من الأشخاص.
ما الذي يحتاجه العلمانيون؟
الصدق أولًا
كثير من العلمانيين يشتكون من المركزية، لكن بعضهم في الحقيقة لا يريد الشراكة، بل يريد السلطة. يريد أن يصبح نسخة أخرى من الإكليروس، أو كتعبير أدق الوجه الآخر أو البديل للإكليروس وهذا لن يحل شيئًا.
الكنيسة لا تحتاج إلى إكليروس علماني بديل، بل تحتاج إلى علمانيين أقوياء، علمانيين لا يعتبرون أنفسهم مشروع كهنة مؤجلين، ولا رهبانًا لم تحن الفرصة بعد. بل أصحاب دعوة حقيقية داخل العالم.
عندما تتحول الرتبة إلى الحلم (أو إلى وعد كاذب) في زمن حبيب جرجس كان يمكن للإنسان أن يحلم أن يكون معلمًا عظيمًا، أو مؤرخًا عظيمًا، أو مفكرًا عظيمًا، أو خادمًا عظيمًا.
أما اليوم فأصبح السؤال مختلفًا عند كثيرين: كيف أصل إلى موقع أعلى؟ كيف أصبح كاهنًا؟ كيف أصبح راهبًا لكي أصير يومًا ما أسقفًا؟ كيف أحصل على رتبة لها سلطان؟
شيئًا فشيئًا انتقل مركز الجاذبية من الرسالة إلى الموقع، ومن الدعوة إلى المكانة، ومن الخدمة إلى السلطة. ولعل أخطر ما حدث أننا لم نعد ننتج فقط كهنة ورهبانًا بكثرة، بل توقفنا عن إنتاج نماذج علمانية ذات قيمة أو ذات رأي مؤثر يشعر الشباب أن بإمكانهم الاقتداء بها.
أخطر نتيجة قد نصل إليها :
عندما يقتنع الجميع أن التأثير الحقيقي لا يأتي إلا من خلال الإكليروس -فقط- يحدث أمرًا خطيرًا جدًا. يبدأ أفضل الشباب في مغادرة مواقعهم الطبيعية. المعلم الناجح يرى أن سقفه الحقيقي في الكهنوت، والخادم المؤثر يرى أن نفوذه الحقيقي في الرهبنة، والباحث اللامع يشعر أن مكانته ستزداد إذا ارتدى فراجية سوداء. وهكذا تخسر الكنيسة مرتين.
المرة الأولى حين تخسر علمانيًا كان يمكن أن يكون له تأثير أعظم في مكانه، والثانية حين تحصل -أحيانًا- على كاهن أو راهب لم يكن التكريس دعوته الحقيقية أصلًا.
ماذا لو توقفنا عن معاملة الكهنوت كترقية؟
هذا سؤال مؤلم. لكن يجب أن يُطرح. إذا كان أكثر طريق للتأثير هو الكهنوت فسيأتي للكهنوت أناس يبحثون عن التأثير. وإذا كان أكثر طريق للمكانة هو الرهبنة فستأتي للرهبنة أحيانًا دوافع ليست رهبانية. لن نحمي الكهنوت بتعظيمه اجتماعيًا. بل بحمايته من أن يتحول إلى مسار للنفوذ. فالكهنوت دعوة، والرهبنة دعوة، وليستا مكافأة، وليستا ترقية، وليستا طريقًا مختصرًا السلطة والنفوذ.
ماذا نحتاج عمليًا؟
ليس شعارات.. بل خطوات واضحة.
أولًا: إعادة الاعتبار للمفكر العلماني
ليس كضيف على المنصة، بل كجزء من صناعة الفكر الكنسي. فالكنيسة احتاجت إلى المفكرين والمؤرخين والباحثين في نهضتها الأولى، ولا تزال تحتاج إليهم اليوم.
ثانيًا: استقلال أكبر للمبادرات التعليمية والثقافية والخدمية
لا كل شيء يحتاج إدارة مركزية، ولا كل فكرة تحتاج إذنًا مسبقًا، ولا كل مبادرة تحتاج أن تولد داخل المؤسسة الرسمية، المبادرات لا تزدهر بالأوامر.. بل بالثقة.
ثالثًا: قبول الاختلاف داخل حدود الإيمان
ليس كل اختلاف تهديدًا، وليس كل ناقد عدوًا ، وليس كل سؤال تمردًا. فالكنيسة التي لا تسمح بالنقاش واختلاف الرأي تخسر قدرتها على التصحيح الذاتي.
رابعًا: إعادة تعريف النجاح الكنسي
يجب أن يستطيع الشاب أن يحلم بأن يكون: مؤرخًا قبطيًا كبيرًا، أو باحثًا لاهوتيًا، أو كاتبًا، أو معلمًا، أو عالمًا. دون أن يشعر أن هذه مجرد محطة مؤقتة قبل الرهبنة أو الكهنوت أو سُلمة للوصول إليهما.
خامسًا: إعادة توزيع الأدوار لا إعادة توزيع السلطة
فالهدف ليس أن يأخذ العلمانيون سلطة الإكليروس، ولا أن يتنازل الإكليروس عن مسؤولياتهم الروحية.. بل أن يعود كل طرف إلى مجاله الطبيعي. فيتفرغ الإكليروس أكثر للرعاية والتعليم والعبادة. ويتحمل العلمانيون مسؤوليات أكبر في الفكر والثقافة والتربية والخدمة العامة. فالكنيسة لا تحتاج إلى صراع على السلطة.. بل إلى شراكة وتحرير المواهب من احتكار السلطة.
العودة إلى حبيب جرجس
بعد أربع حلقات اكتشفت أن السؤال لم يكن عن حبيب جرجس أصلًا. السؤال كان عن كينونتنا نحن. حبيب جرجس ظهر بالفعل، وأدى دوره، ورحل. ولكن السؤال الحقيقي فهو:
لو أرسل الله اليوم عشرة من طراز حبيب جرجس.. هل سنعرف كيف نستفيد منهم؟ أم سنحاربهم ونكفرهم ونهرطقهم ونتهمهم بالكبرياء الداخلي والمشاكل النفسية ونهمشهم ونضيّق عليهم الخناق حتى يصمتوا أو يرحلوا؟
ختامًا..
لا أعتقد أن الكنيسة تحتاج إلى ثورة، ولا أعتقد أنها تحتاج إلى صراع جديد بين العلمانيين والإكليروس، ولكنها تحتاج إلى شيء أهم بكثير. تحتاج أن تستعيد ثقتها في أبنائها. أن تؤمن أن الروح القدس لا يعمل فقط من أعلى إلى أسفل. بل يعمل أيضًا في الكل: في المعلم والباحث والكاتب والطبيب والمهندس وفي الخادم البسيط .. كما يعمل في الأسقف والكاهن والراهب. لأن نهضة الكنيسة لم تبدأ يوم امتلك أحد السلطة.. بل بدأت حين تخلى أحدهم عن السلطة لأفراد رأى أحدهم احتياجًا وتحرك.
حبيب جرجس لم يبدأ برتبة، ولم يبدأ بتفويض، ولم يبدأ بسلطة. بل بدأ بفكرة.
إذًا السؤال الذي يجب أن نتسأله اليوم ليس: هل نملك حبيب جرجس جديدًا؟
بل: هل ما زلنا نملك البيئة التي تسمح له أن يظهر؟
