قبل البدء في قراءة هذا المقال أود أن أؤكد أن الهدف ليس الدفاع عن شخص ولا اتهام آخر، ولا التحيز لأب دون الآخر، ولا نزع القداسة عن أي شخص ولكن لا ننسي ولا ننكر إنسانيتهم الضعيفة. فإيماني الشخصي أن كل هؤلاء الآباء خدموا الكنيسة، كل بحسب قناعاته وإمكاناته.
ولكن الهدف أن تستفيد الكنيسة كمؤسسة ونستفيد نحن كأعضاء فيها من الماضي لحاضرنا ومستقبلنا. تستفيد الكنيسة من كل إنتاج وخدمات أبنائها ولا نصنع محاكم تفتيش تحرق الكتب ومن كتبوها الأحياء منهم والأموات. وفي حالة الخطأ (و هو وارد دائمًا) توجد طريقة أخلاقية وروحية وقانونية لتصحيح الخطأ.
عندما عجز قضاة محاكم التفتيش الخروج من معضلة لماذا لم يحاكم الأب متى المسكين مجمعيًا ويدان لو كان هرطوقيًا، وفي نفس الوقت وبرغم عدم إدانته كهرطوقي فإنه لم يسلم من الإتهامات والتشكيك ومصادرة كتبه. ولكن بسبب هذا التناقض في المواقف وعدم الاحتكام إلى القانون الكنسي، أدى هذا إلى انتشار فكر أبونا متى بل والاتجاه الآبائي بشكل عام.
كيف يواجه أحفاد حنان وقيافا هذه المشكلة؟
لجأوا لأسلوب غير أخلاقي في تشويه السمعة (مش عايز أقول أسلوب منحط علشان مغلطش)… دا كان عامل مشاكل مع ٣ بطاركة.. دا مش مطيع.. ذاته عالية.. دا كان متكبر arrogant.. ال Ego بتاعته عالية… دا مش مسكين ولا حاجة… الخ.
مشكلة مع البابا يوساب
لما تسأل أي واحد من قضاة الظلمة: ما مشكلة أبونا متى مع البابا يوساب؟
تلاقيه مش عارف يرد ومش عارف يقول حاجة..
أنا أقول لك يا سيدي…
عين البابا يوساب أبونا متى وكيل البطريرك في الإسكندرية سنة ١٩٥٤ وهو عنده ٣٤ سنة تقريبًا، فقام أبونا متى كراجل نشيط ومتعلم ومثقف ومنظم وعنده رؤية عمل مرتبات للكهنة وحصر للممتلكات والأوقاف وحل مشاكل الشعب في الإسكندرية.
هل الكهنة اللي في الإسكندرية فرحوا؟ على الاقل بقي عندهم مرتبات تجنبهم مد إيديهم للناس؟
-لأ طبعا مفرحوش ولا حاجة، هو أنت ساذج يا ابني؟
دول راحوا اشتكوه للبابا.
البابا يوساب طبعا فاهم إنهم اشتكوه بسبب الغيرة وعدم الرغبة في التغيير والتطوير. فاستدعاه البابا من الإسكندرية وأنهى وكالته للبطريركية.
مين اللي زعل؟
أيوك برافو عليك..
الشعب.. الشعب زعل أنه فقد أب و اعي بيفهم.
فكلموا البابا فرجعه الإسكندرية تاني.
مين مش طايقه ولازم يتخلصوا منه؟
برافو عليك.. ابتديت تفهمني
(الآباء) الكهنة في الإسكندرية .
فالبابا يوساب استدعاه تاني، فالشعب حب يرجعه تاني… والبابا كان هيرجعه، لكن أبونا متى كإنسان يحترم نفسه رفض يرجع الإسكندرية.
طيب أنت كإنسان عنده عقل، هل ترى ده خلاف مع البابا يوساب؟ هل فيه تهمة؟ هل فيه مجلس إكليريكي؟ هل فيه عقوبة؟
هسيب لك الإجابة والتقييم.
طبعا مش عايز أقول لك إن اللي شايفين إن أبونا متى المسكين (الوحش) اختلف مع البابا يوساب علشان أنه رفض يرجع الإسكندرية تاني مرة، بيتعموا تمامًا عن المقالات اللي كتبها الشاب نظير جيد الثائر في مجلة مدارس الأحد، مهاجمًا الفساد في الدار البطريركية، لدرجة أنه قاد مظاهرات ضد الفساد في إدارة البابا يوساب.
مشكلة مع البابا كيرلس السادس
كثيرين لا يعرفون أن أبونا متى كان تلميذ لأبونا مينا المتوحد (البابا كيرلس) أيام الطاحونة. وكان أبونا مينا المتوحد عايز يرهبنه معاه في الطاحونة، لكن أبونا متى المسكين كان عايز يترهبن في دير ودير فقير علشان يعيش حياة الرهبنة الحقيقية، فاترهبن في دير الأنبا صموئيل المعترف سنة ١٩٤٨ وهو عنده ٢٩ سنة، وأعاد تعميره وإصلاحه على قد ما قدر، لكن الدير لم يكن يملك أبسط مقومات الحياة من أكل ومياه نظيفة أو علاج، ولذلك مرض أبونا متى ولم يكن هناك علاج، فترك دير الأنبا صموئيل وذهب لدير السريان.
وهناك اشتهر أبونا متى كأول راهب جامعي، وأصدر باكورة أعماله كتاب حياة الصلاة سنة ١٩٥٢ وهو عنده ٣٣ سنة، إصدار دير السريان، وهو في أغلبه ترجمة كتابات وأقوال الآباء، وذاع صيته ليس على مستوى الدير فقط بل على مستوى الكنيسة كلها برغم صغر سنه. وهذا لم يعجب كبار الدير، فإذا كان الرسل تشاجروا على من يكون الأول بينهم، فلا تتعجب يا صديقي أن يضطهده رئيس الدير والربيتة، وهنا لا نتهمهم بالشر ولا ننزع عنهم قداستهم في المسيح، لكن لا ننزع عنهم إنسانيتهم وضعفهم أيضًا.
مما اضطر أبونا متى المسكين وتلاميذه إلى ترك دير السريان والانتقال إلى دير الأنبا صموئيل تاني.
تخيل مين راح مع أبونا متى يا مؤمن؟
حوالي ١٢ راهب منهم أبونا أنطونيوس السرياني.
اللي هو مين بقي؟
أيوة هو البابا شنودة لاحقا.
واحد يقول طيب هل ينفع أبونا متى يكسر الطاعة الرهبانية ويترك الدير؟
هل تعلم يا صديقي أن أبونا مينا المتوحد ترك دير البرموس لأن الدير قرر طرد بعض الرهبان ليلة عيد القيامة، وذهب إلى مصر القديمة ثم إلى الطاحونة ولم يعد إلى البراموس أبدا؟
أنا عايزك بس يكون عندك مساواة في المعايير، يا إما كله صح يا إما كله غلط. لكن أنت للأسف بتشوف اللي عمله أبونا مينا المتوحد حلو واللي عمله أبونا متى المسكين وحش مع أنه نفس الفعل، عايزين شوية اتساق مع النفس فقط، مش أكتر من كده.
ولكن لصعوبة العيشة في الأنبا صموئيل، تركهم أبونا أنطونيوس السرياني ورجع السريان تاني.
في عام ١٩٦٠ كان المجمع المقدس أصدر قرار بعودة جميع الرهبان الذين يعيشون ويخدمون في العالم إلى أديرتهم خوفا على خلاصهم.
هنا عاد أبونا متى المسكين وتلاميذه فجر سبت لعازر سنة ١٩٦٠ إلى ديره الأصلي السريان، ولكن للأسف تجددت المشاكل مع رئيس الدي ، الأنبا ثاوفيلوس.
ولذلك تركوا الدير للمرة الثانية وتوجهوا إلى بيت التكريس في حلوان، اللي أسسه أبونا متى المسكين للتكريس البتولي للعلمانيين لخدمة الكرازة، ليكون اتجاه موازي للرهبنة التعبدية في الاديرة وذلك في انتظار أوامر البابا كيرلس.
وطلب أبونا متى المسكين والرهبان الذين معه إيجاد حل لمشكلتهم مع رئاسة دير السريان، ولكن البابا كيرلس قال لهم خليكم في بيت التكريس لحد لما ألاقي لكم حل.
بعد كده المجمع المقدس حرم وجرد كل الرهبان اللي مرجعوش أديرتهم، قرار عام بدون تسميات، لأنه يشمل رهبان كثيرين من أديرة مختلفة فقرر أبونا متى الرحيل مع تلاميذه إلى وادي الريان، واللي ميعرفش وادي الريان، هي منطقة صحراوية جنوب الفيوم، كان بها حياة رهبانية قديمة واندثرت، يعني تقدر تقول توحد تام في مغاير في الصحراء، كان عندهم عين مياه كلها أملاح وكان بعض الناس بيبعتوا لهم أكل كل كام شهر، يعني مكانوش عايشين في العالم، ولا بيخدموا في العالم، ولا مختلطين بالعلمانيين اللي هو أساس المشكلة اللي خلت المجمع المقدس يطلب عودة الرهبان لأديرتهم.
ولكن لوجود خلافات ومشاكل وعدم وفاق بين رئيس دير السريان الأنبا ثاوفيلوس وأبونا متى، فقد نشر إعلان مدفوع في جريدة الأهرام أنه تم حرمان وتجريد الأب القمص متى المسكين والرهبان الذين معه وكانوا ٩ أو ١٠ ذكرهم بالاسم، مع أن قرار المجمع المقدس كان عام ولم يذكر أحدا باسمه.
يعني الحرمان لأسباب إدارية مش لاهوتية ولا أخطاء في التعليم ولا حاجة.
الغريب الذي يدعو للتساؤل، أن أبونا عبد المسيح المناهري كان أيضا راهب مقاري، وكان يعيش في قرية المناهرة، ولم يتم تطبيق القرار عليه، ولم يتم وقفه أو تجريده أو حتى عقابه.
الشيء المدهش أن أبونا متى والرهبان الذين معهم كانوا جماعة رهبانية أعترف بها بعض أساقفة الكنيسة مثل الأنبا بنيامين أسقف المنوفية المتنيح، الذي كان يرسم بنفسه الرهبان الجدد، فكيف يرسم رهبان ويضمهم لجماعة محرومة؟
الشيء الأكثر دهشة، أن قداسة البابا كيرلس طلب منه سنة ١٩٦٦ ثلاثة رهبان يعمروا دير الأنبا صموئيل المعترف، فتم ذلك . فكيف يطلب البابا من أبونا متى المحروم ٣ رهبان محرومين يعمروا دير؟
حاجة تاني تدعو للتعجب، أن البابا كيرلس عندما دعاة سنة ١٩٦٩ ليحل المشكلة، كان يخاطبه بـ(أبونا متى)، فكيف يخاطب شخص محروم ومجرد من الكهنوت بصفته الكهنوتية.
الغريب بقي أن اللي بينتقد أبونا متى على موقفه مع البابا كيرلس، بيصيبه العمى عن التوتر الشديد بين البابا كيرلس والأنبا شنودة أسقف التعليم وتلاميذه اللذين هاجموا البابا كيرلس وعملوا مظاهرات ضده، بل وأهانوه، مما اضطر البابا كيرلس إلى إعادة الأنبا شنودة إلى الدير ومنعه من التدريس في الإكليريكية وممارسة الشعائر الدينية.
أما علاقة البابا شنودة مع أبونا متى المسكين نخليها المقال القادم.
