- العلمانيون والكنيسة: من الشراكة للتهميش والصراع
- رحلة الفصول اﻷربعة
- ☑ ما فقدناه وما لم ندرك أننا فقدناه
في الحلقتين السابقتين حاولنا أن نتتبع رحلة طويلة بدأت بشراكة حقيقية بين الإكليروس والعلمانيين في مشروع النهضة الكنسية، ثم مرت بمراحل من المركزية والمأسسة حتى وصلنا إلى واقع مختلف تمامًا.
لكن السؤال الآن ليس: من المخطئ؟
السؤال الأهم هو: ماذا كانت النتيجة؟
ماذا خسرنا خلال هذه الرحلة؟
وهل خسرنا أشياء لم ندرك أصلًا أننا فقدناها؟
عدد الخدام
قد يعترض البعض قائلًا: “كيف تتحدثون عن تهميش العلمانيين بينما الكنيسة اليوم تضم عشرات الآلاف من الخدام؟”
والحقيقة أن المشكلة ليست في عدد الخدام. الخدام أكثر من أي وقت مضى، والأنشطة أكثر من أي وقت مضى، والمؤتمرات أكثر من أي وقت مضى.
لكن السؤال ليس: كم عدد من يخدمون؟
السؤال هو: كم عدد من يفكرون؟
كم عدد من يملكون مساحة حقيقية للمبادرة؟
كم عدد من يستطيعون أن يروا احتياجًا جديدًا ويصنعوا له حلًا دون انتظار موافقة من عدة مستويات إدارية؟
المشكلة ليست في اختفاء العلماني.
المشكلة في اختفاء العلماني المستقل.
التنوع الفكري
في عصر النهضة الأولى كان يمكن أن تجد داخل الكنيسة: معلمًا، ومؤرخاً، وأستاذ جامعة، وطبيبًا، وكاتبًا، وباحثًا. وكان لكل واحد منهم صوته وزاويته ورؤيته. لم يكن الجميع نسخة واحدة من بعضهم البعض.
كان هذا مصدر قوة لا ضعف. أما اليوم فقد أصبح المجال أضيق بكثير. ليس لأن الناس أقل ذكاء. بل لأن المؤسسة بطبيعتها تميل إلى تفضيل الأصوات المتشابهة معها. ومع الوقت يصبح الاختلاف عبئًا. ويصبح التنوع الفكري خطرًا يجب احتوائه بدلًا من اعتباره ثروة يجب الاستفادة منها.
فقدان المبادرة
أسس حبيب جرجس مدارس الأحد لأنه رأى احتياجًا. لم ينتظر تكليفًا ، ولم ينتظر قرارًا، ولم ينتظر لجنة، رأى مشكلة وتحرك. هذا هو جوهر النهضة.
أما اليوم فقد تعلم كثيرون أن الطريق الآمن ليس المبادرة بل التنفيذ. ليس التفكير بل التطبيق. ليس الاكتشاف بل الالتزام بما هو موجود بالفعل. وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة هو أن يتحول أبناؤها من مبادرين إلى منفذين.
القدرة على النقد الذاتي
كل مؤسسة تحتاج إلى أصوات تحبها بما يكفي لكي تنتقدها. لكن عندما يصبح الاختلاف مرادفًا للعصيان، والسؤال مرادفًا للتمرد، والنقد مرادفًا للهجوم، يتعلم الناس الصمت. ليس لأنهم اقتنعوا. بل لأنهم أدركوا أن الكلام له ثمن.
ومع الوقت تختفي المناقشات الحقيقية، ويحل محلها الإجماع الشكلي، الجميع يوافقون، والجميع يصفقون. لكن الجميع لا يفكرون بالضرورة بالطريقة نفسها.
الولاء على حساب الكفاءة
وهنا نقترب من أحد أكثر الجروح حساسية. المشكلة ليست أن كل من في مواقع المسؤولية غير أكفاء. هذا غير صحيح. لكن المشكلة أن الولاء أصبح في أحيان كثيرة أكثر أمانًا من الكفاءة.
الشخص المطيع لا يسبب إزعاجًا. أما الشخص المبدع فغالبًا يطرح أسئلة. والأسئلة تزعج المؤسسات. ومع الوقت تبدأ المؤسسة في مكافأة من يكررون الخطاب السائد أكثر من أولئك الذين يحاولون تطويره أو مراجعته. فتصبح الطاعة فضيلة مطلقة، بينما تصبح الشخصية المستقلة موضع شك دائم.
أصبحت الرتبة طريقًا للتأثير
ربما تكون هذه واحدة من أخطر النتائج التي لا نتحدث عنها كثيرًا. في عصر النهضة الأولى لم يكن حبيب جرجس في حاجة إلى أن يصبح كاهنًا حتى يكون مؤثرًا. ولم تكن إيريس حبيب المصري في حاجة إلى رتبة كنسية حتى تكتب تاريخ الكنيسة. ولم يكن الأكاديمي أو الباحث أو المعلم يشعر أن سقفه محدود لأنه علماني.
أما اليوم فقد ترسخ في أذهان كثيرين تصور مختلف. تصور يقول إن التأثير الحقيقي يمر عبر الإكليروس. إذا كنت شابًا موهوبًا وتريد أن يكون لك تأثير واسع، فالكهنوت يبدو الطريق الأقصر. وإذا لم تكن راغبًا في الزواج، فالرهبنة تبدو الطريق الطبيعي إلى مساحة أكبر من التأثير.
وهكذا بدأت رسالة غير معلنة تتشكل: “إذا أردت أن يكون لك سلطة التأثير، فالتحق بالإكليروس”.
النزيف الصامت
وهنا بدأ نزيف لم ينتبه إليه كثيرون. بدلا من أن يبقى أفضل المعلمين معلمين، وأفضل الباحثين باحثين، وأفضل المفكرين مفكرين. أصبح كثيرون يشعرون أن أقصى ما يمكن أن يصلوا إليه كعلمانيين أقل مما يمكن أن يحصلوا عليه إذا انتقلوا إلى الإكليروس. فبدأت المواهب تتجه نحو الكهنوت والرهبنة ليس فقط بدافع الدعوة الروحية، بل أحيانًا لأنهما أصبحا الطريق الأكثر وضوحًا للتأثير والاعتراف والمكانة.
والمفارقة أن هذا أضر بالطرفين معًا. أضر بالعلمانيين لأنهم فقدوا نماذج النجاح الكبرى داخل المجال العلماني. وأضر بالإكليروس لأن بعض الناس صاروا يرون الكهنوت أو الرهبنة باعتبارهما مسارًا للنفوذ والتأثير أكثر من كونهما دعوة للخدمة والتضحية.
الرتبة مصدر الشرعية
في عصر النهضة الأولى كانت الفكرة الجيدة تكتسب وزنها من قوتها. أما اليوم فكثيرًا ما تكتسب وزنها من صاحبها. من قالها؟ ما رتبته؟ هل لديه تفويض؟ هل يتحدث باسم جهة رسمية؟
وهكذا يتحول السؤال من: “هل الفكرة صحيحة؟” إلى: “من الذي قالها؟” وحين تصل أي مؤسسة إلى هذه المرحلة تبدأ الأفكار في فقدان قيمتها الذاتية.
السؤال المؤلم: ماذا لو ظهر حبيب جرجس اليوم؟ هل كنا سنصنع منه حبيب جرجس؟ هل كنا سنمنحه مساحة ليعلم ويكتب ويؤثر ويبني مشروعًا تربويًا على مستوى الكنيسة كلها؟ أم كنا سنطلب منه أن ينتظر؟ أن يحصل على موافقات؟ أن يتحرك داخل حدود مرسومة سلفًا؟ أن يتوقف كلما تجاوز الخطوط غير المكتوبة؟
لا أعرف الإجابة. لكنني أعرف شيئًا واحدًا: نهضة القرن العشرين لم يصنعها أناس انتظروا الإذن. بل أناس رأوا احتياجًا وتحركوا. ولهذا ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس: كيف نمجد الماضي؟ بل: “هل ما زالت الكنيسة قادرة على إنتاج حبيب جرجس جديد؟”
سأترك الحاضر يشهد.. والمستقبل يُجيب.
