- الكنيسة من الحلم إلى الصدام
- مبادرات اﻹصلاح والعمل اﻷهلي
- تيارات الإصلاح: الأمل والقلق
- إشكالية التعليم الكنسي المعاصر
- في إشكالية التعليم
- إشكالية التعليم: أزمة جيل ومسؤولية كنيسة
- ☑ الرهبنة.. إشكاليات تدبيرية
جاءت الرهبنة، والقرن الثالث الميلادي يلملم أوراقه، بمبادرة شخصية من شاب مصري منحدر من صعيد مصر الأوسط، في اختيار البعد عن المدينة والعيش منفردًا بالقرب من النيل، تاركًا خلفه ممتلكانه وأهله، في تلبية حرفية لدعوة المسيح التي وجهها لشاب مثله حين سأله عما يفعل ليرث الحياة الأبدية، فأشار عليه أن يذهب ويبيع كل ما يملك ويتبعه، لكن ذاك الشاب لم يستطع ومضى حزينًا، ليأتي هذا الشاب المصري الصعيدي، أنطونيوس، بعد ثلاثة قرون، ويحسب هذه الدعوة موجهة له، فيقوم لتوه وينفذها، يترك قريته وقد باع كل ما يملك، وقصد مكانًا منعزلًا قرب نيل قريته، لكنه يكتشف افتقاره للتفرغ للعبادة كما أرادها، فينتقل إلى عمق الصحراء، بحثًا عن سكينة وهدوء لم يتوفرا له على ضفاف النهر، وفيها يختار لحياته نسقًا جديدًا يقوم على العزلة والنسك والبتولية وعدم الاقتناء.
يتفاجئ بعد سنوات قليلة، وقد عرف البعض بسيرته، بطيف من الشباب يقصدونه ويقتدون به ويحذون حذوه. فتتشكل إرهاصات الرهبنة، تمضي الأيام وتشهد الصحراء مزيدًا من المؤسسين يؤازرون أنطونيوس ويطورون منظومة الرهبنة، من التواجد الفردي أو الرهبنة التوحدية إلى المنشوبيات وهي تجمع رهبان للمعيشة بالقرب من بعضهم البعض ثم إلى حياة الشركة داخل أسوار تجمعهم فيما يعرف بالأديرة، تستقر فيها النذور الأربعة ويحولون الصحراء إلى سماء، لغتها الصلاة ورباطها الفقر الاختياري والزهد، وزادها من عمل يدين الرهبان.
لم تكن الرهبنة دعوة كنسية مؤسسية بل كانت اختيارًا حرًا لأناس تحرك قلبهم نحو محبة المسيح ورأوا في نسقها ما يشبع خيارهم، وحين يأتي القرن السادس تشهد الكنيسة صراعات لاهوتية عاتية انتهت إلى انقسامها عقب مجمع خلقيدونية 451 م، لم تقف هذه الصراعات عند أبواب قاعات البحث والحوار بل انتقلت إلى الشارع وتتحول إلى اشتباكات وأعمال شغب، طالت الكنيسة المصرية وطالت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية التي دعمت موقف كنيستها، ودافعت عنه، بالمخالفة لما انحازت إليه الدولة، التي تبنت رؤية ذاك المجمع، فراحت تتعقب الكنيسة لقبول مقرراته. وطالت الاستهدافات مدرسة الإسكندرية اللاهوتية.
لم يكن أمام علماء مدرسة الإسكندرية وقد أضحت مخطوطاتهم وكتبهم محل خطر، إلا أن يحملونها قاصدين الاختباء في الصحراء البعيدة، ووجدوا في الأديرة ملاذًا آمنًا، وبالأكثر دير الأنبا مقار، وهناك واصلوا دورهم التعليمي سواء في تعليم الرهبان أو نسخ ما يحملون.
كانت الكنيسة قبلًا تختار أساقفتها من علماء المدرسة، وعندما احتموا بالأديرة استمرت الكنيسة في منهجها في الاختيار منهم، الذي امتد لتلاميذهم من الرهبان، لتشهد الأديرة دورًا جديدًا لها. وكان من الطبيعي أن تتأثر الكنيسة ـ خارج نطاق الأديرة ـ بأنساق حياة مدبريها من الرهبان، وهو الأمر الذي انعكس على ممارساتها التي تسلل إليها بعدًا نسكيًا في الطقوس والعبادة والأصوام.
ما أن يحل القرن الحادي عشر حتى يصيب الأديرة ما أصاب الحياة خارجها، جراء الانقطاع المعرفي والتضييق على الناس والكنيسة ليدخلا نفقًا مظلمًا، أمتد حتى مطلع القرن التاسع عشر، لتشهد الكنيسة إرهاصات صحوة تتلمس طريقًا لوصل ما انقطع، بحسب ما تناولناه قبلًا هنا في هذه الأطروحة، وفي النصف الثاني من القرن العشرين تشهد الأديرة سلسلة من الوافدين الجدد طالبي الرهبنة، من شباب واعٍ من خريجي الجامعات، اختلفت مشاربهم واتفقوا على إقامة الكنيسة من عثرتها.
انعكس هذا بالضرورة على الحياة داخل الأديرة، تنظيمًا وإعمارًا وإحياءً للتقاليد الرهبانية، والتواصل مع فكر الآباء عبر قراءة مخزونها من المخطوطات والكتب التي تحتشد بها أقبيتها، اللافت أن دير الأنبا مقار، الذي استقبل قبل قرون علماء مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، كان الأبرز في هذا التوجه، بجوار الأديرة العامرة الأخرى، سواء في وادي النطرون أو تلال البحر الأحمر.
جذبت سيرة الرواد الجدد عشرات وربما مئات من الشباب للرهبنة، وإن تباينت دوافعهم، فكثيرهم وجد فيها بعثًا لصورة الآباء الذين تركوا العالم حبًا في المسيح وسعيًا للالتصاق والاقتداء به، يخايلهم ما وقر في ذهنهم عنهم في دروس مدارس الأحد، وقد جسدوا العفة والطهارة وإنكار الذات والنسك، وبعضهم انتبه للأديرة كملاذ من متاعب تلاحقهم وفشل في التحقق وسط الناس، وبعضهم ذهب ليدفن في رمال الصحراء إخفاقات اجتماعية ونفسية، وقليلهم ـ وقتها ـ ذهب على أمل أن يعرف طريقه للدرجات الكهنوتية.
كان من الطبيعي وقد توافرت للأديرة مختلف التخصصات العلمية، أن يتطور مفهوم “عمل اليدين”، وهو الأسلوب الذي استقر في الأديرة ويعني أن يقوم الرهبان بالعمل بجوار العبادة، أعمالًا توفر لهم مصدرًا ماليًا يغطى احتياجاتهم البسيطة من مأكل وملبس وما يحتاجه الدير، كانت أعمالهم بالضرورة بسيطة، فلما صار بالأديرة الوافدون الجدد تطورت معهم طبيعة ونوعية أعمال الرهبان، فبدأوا في استصلاح وزراعة أراضي الدير، واستتبعها إقامة المشروعات ذات الصلة، التصنيع الزراعي ومزارع الثروة الحيوانية والدواجن، ومعها استقدمت الأديرة عديد من الأيدي العاملة من الشباب الباحثين عن عمل، وعرفت الأديرة الطريق إلى الأسواق، والتصدير، ومنافذ التوزيع. ويتوفر للأديرة مصادر تمويل تحقق لها وفرة دعمت التوسع العمراني بها في بناء كاتدرائيات كبيرة داخلها، وبعضها عمل على دعم مئات من الأسر الفقيرة خارجها.
مع تطور وسائل المواصلات ورصف الطرق المؤدية للأديرة بدأت رحلات الكنائس لزيارة الأديرة تشكل معلمًا جديدًا في الأديرة استتبعها إقامة أماكن لاستقبال الزوار، ومعها منافذ توزيع داخلها لمنتجاتها وللهدايا التقليدية الدينية.
بين تواجد العمالة وكثافة توافد الزوار ارتبكت منظومة الرهبنة في كثير من الأديرة وقد زاحمت التزامات الرهبان والتدقيق فيها، ومعها تتوارى التلمذة كنسق رهباني، ربما بسبب قلة الآباء الشيوخ قياسًا على عدد الرهبان المتزايد، ومع خفوتها تعاني الأديرة من متاعب عديدة، بين الرهبان الصغار وشيوخهم، وتفاقمت مع رسامة أسقف لكل دير، ومعه اختفى تنوع المدارس الرهباية وتم قولبتها في نسق أحادي سلطوي، يكرس ما يراه أسقف الدير، وهو أمر يحتاج لفحص وتقييم، والعودة لنظام تولي راهب بدون رتبة الأسقفية إدارة شؤون الدير، فيسهل تغييره حال وجود متاعب جراء أسلوب إدارته وفقًا لقوانين الرهبنة. وكان من نتائج ربط الأديرة بالسياسة التدبيرية الكنسية أن اقتحمت الرسامات الكهنوتية الأديرة وصار كل راهب ينتظر دوره في الرسامة الكهنوتية وفق قائمة انتظار، ونتج عن هذا عديد من الإشكاليات، منها حق الكاهن الراهب في تلقي الاعترافات وسعيه للخدمة في الكنائس خارج ديره، وما يترتب على ذلك من متاعب يئن منها الدير والكنيسة معًا.
خارج الأديرة تتوسع الكنيسة في تقسيم الإيبارشيات، ورسامة أسقف لكل إيبارشية، مع التوسع في رسامة أساقفة عموم (بدون إيبارشيات وبدون مهام تدبيرية محددة)، فضلًا عن أساقفة المهجر، وكان من الطبيعي أن يتم اختيارهم من رهبان الأديرة، لم ينتبه أحد لما آل إليه وضعية الرهبان مع غياب التلمذة، وترتب عليه غياب التسليم، وافتقارهم ـ في كثيرهم ـ لمعرفة الفكر الآبائي، وانتقالهم بغير مرحلة انتقالية من الدير للخدمة خارجه وما يتطلبه من تأهيل فكري ونفسي وروحي وإداري، بعد غلق مدرسة الرهبان بحلوان التي كانت تؤدي هذه المهمة، ولعل هذا يفسر تفاقم الأزمات في إيبارشيات عديدة وبالأكثر في إيبارشيات الخارج، كندا وأستراليا وعدد من الولايات الأمريكية على سبيل المثال.
وثمة ظاهرة استبانت بعد انفضاض القبضة الحديدية برحيل قداسة البابا شنودة الثالث وهي المصادمات بين الأساقفة وبعضهم، وبينهم والبابا تواضروس، ووجدت طريقها للإعلان عبر وسائل ومواقع العالم الافتراضي، وما يلوح في الأفق من بوادر انفصالية في بعض إيبارشيات المهجر. وهنا تحتاج الكنيسة إلى قراءة واقعها بتبصر ومسؤولية، بعيدًا عن الشخصنة والانحيازات الضيقة، والعمل الجاد على وضع رؤي لتفكيك أزماتها تبدأ بالإقرار بوجودها ودراسة مسبباتها والتباحث حول الحلول الممكنة، والبداية بإعادة النظر في هيكلية منظومة الرهبنة قياسًا على قواعدها المؤسِسة ونذورها الأساسية وطبيعة التغيرات الجيلية وفك الارتباط القسري بينها وبين الكهنوت.
صدر للكاتب:
كتاب: الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل ١٩٩٨
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية ٢٠١٦
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٩
كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟ ٢٠٢٦
