ورقة عمل قُدمت إلى الحلقة النقاشية التي نظمها "مؤسسة قضايا المرأة المصرية" [1] والتي دارت حول مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، في يوم الأحد الموافق 3 مايو 2026.
نثمن تقديم مشروع القانون للبرلمان لتقنينه وسنه، توطئة لإصداره، وكان من الضروري طرحه لحوار مجتمعي يشارك فيه على الأقل المخاطبين به، فضلاً عن المؤسسات الحقوقية خاصة تلك المهتمة بشأن الأسرة المصرية.
يستند مشروع القانون دستورياً إلى المادة الثالثة من دستور 2014، ونصها:
مبادئ شرائع المصريين، من المسيحيين واليهود، المصدر الرئيسي للتشريعات المُنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية.(المادة ٣ من الدستور المصري، الصادر في ٢٠١٤ )
ويُحسب لهذا المشروع الانتقال في تنظيم شئون الأسر المصرية المسيحية من مستوى اللائحة إلى مستوى القانون. ويُحسب له التعاطي مع هذا الشأن على أرضية المواطنة وأعطاء القضاء حق الفصل النهائي فيما ينشأ من منازعات، واستند في بنوده إلى ما تقدمت به الكنائس المسيحية المصرية من نصوص، الأمر الذي يوفر مساحة أوفر من مدنية تنظيم الأحوال الشخصية للمخاطبين به.
على أنه يبقى لنا بعض الملاحظات على بعض ما ورد بمشروع القانون، نطرحها للنقاش حتى يحقق القانون ما شُرّع من أجله، وهو حماية الأسرة من الإنهيار، والحفاظ على أفرادها سواء مع استمرارها ككيان واحد، وهو الأصل في منظومة تكوين الأسرة، أو حال وقوع الطلاق، بما يحمى حقوق ويضمن التزامات أطرافها. الأمر الذي يدعم استقرار السلام المجتمعي.
والملاحظات تنحصر فيما يتعلق بطائفة الأقباط الأرثوذكس.
تسري أحكام القانون المرافق على الدعاوى التي ترفع بعد تاريخ سريانه، وتظل الدعاوى التي رفعت قبل ذلك خاضعة لأحكام القوانين واللوائح السارية وقت رفع الدعوى.
وتسري أحكام الباب السادس من القانون المرافق على مسائل الإرث والوصية الناشئة عن وقائع الوفاة اللاحقة على سريان هذا القانون.(المادة ٣ إصدار، في قرار رئيس مجلس الوزراء)
هذا يعني بقاء الأزمات العالقة بلا حل وتنتج آثارها التي كانت سبباً في اجراء التعديلات الواردة في هذا المشروع. وكان يجب أن ينص على أنه تسري أحكام هذا القانون على الدعاوى المقامة قبل صدوره والتي لم يصدر بشأنها حكماً باتاً ونهائياً وتلك التي ترفع بعد تاريخ سريانه.
أما بالنسبة لطائفتي الأقباط الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس، فلا يجوز عقد الزواج إلا لمتحدي الطائفة والملة.(مادة ١٠، الفقرة الثالثة، باب١، فصل٢: أركان الزواج وشروطه)
إذا كانت الطائفتين المذكورتان متّحدي الإعتقاد، فلماذا لا يجوز عقد الزواج بينهما؟
أيضا، المادتان 12 و 13 متناقضتين بين شرط السن 18 سنة، وبين عدم بلوغ كلاهما أو أحدهما سن الرشد ولماذا يسمح بزواج القاصر؟
يُرفق بوثيقة الزواج ملحق، يجوز للزوجين الاتفاق فيه على مسائل مثل ملكية منقولات الزوجية، ومسكن الزوجية، وكافة الحقوق المالية المستحقة، وغيرها من الأمور التي يتفق عليها الطرفان.
كما يجب على كل مقبل على الزواج، وقبل إبرام العقد، أن يقدم لمن انتوى الزواج بها وثيقة تأمين تضمن لها الحصول على مبلغ مالي أو نفقة شهرية محددة المدة حال الحكم النهائي بالتطليق أو ببطلان الزواج أو بإنحلاله مدنياً.(مادة ١٧، الفقرتان الأولى والثانية)
الأمران اضافة ايجابية، لكن فيما يتعلق بالوثيقة؛ تحتاج إلى النص على نوعية الوثيقة، وعلى التزام الزوج بأقساطها وعلى قيمة النفقة أو المبلغ المالي الشهري الذي توفره الوثيقة، وتحديد المدة التي يصرف فيها بعد الحكم النهائي.
وتحتاج الفقرة الأخيرة من هذه المادة إلى صياغة أكثر وضوحاً. والتي جاء نصها: ولا تقبل الدعوى المقامة أمام محكمة الأسرة بالنسبة لأي من الآثار المترتبة على الفقرة الأولى من هذه المادة، إذا كان أي من الطرفين قد لجأ بشأنها إلى إدارة التنفيذ المختصة بمحكمة الأسرة، ما لم تكن الظروف التي تم فيها الاتفاق قد تغيرت.
يتعين على المحكمة في دعاوى الخطبة والتطليفق وبطلان الزواج أن تطلب رأي الرئاسة الدينية المختصة في النزاع كتابة، وذلك بموجب قرار موضح به سبب الدعوى، ويتعين على الرئاسة الدينية إبداء الرأى في الأجل الذي تحدده المحكمة، على ألا تزيد مدته على خمسة وأربعين يوماً.
وفي حالة ما إذا انتهت المحكمة إلى رأي مخالف لما ابدته الرئاسة الدينية، فيتعين عليها تسبيب ذلك.(مادة ٢٤)
يحتاج النص إلى إضافة: عرض رأى الرئاسة الدينية على طرفي الدعوى ومنحهما الحق في قبوله أو الرد عليه
.
يُمنع زواج الرجل بأي من الآتي ذكرهن:
٣ – أخت الزوجة وأصواها وفروعها …..(مادة ٣٠)
وهو بند يخالف مصلحة الأبناء، فالخالة في واقع الحال أكثر حنوا على بنات اختها المتوفاة، وكانت الكنيسة تجيز الزواج من أخت الزوجة، حتي وقت قريب. وانعكس هذا ايجابياً على استقرار الحياة الزوجية.
في الباب الأول، الفصل الخامس، الفرع الرابع: انتهاء الزواج بالنسبة لكافة الطوائف ـ عدا الطائفة الكاثوليكية. (مادة 44؛ و مادة 48):
نظراً لتطابق الآثار المترتبة عليهما (التطليق والانحلال المدني للزواج) يكون من الأدق دمجهما معاً في مادة واحدة. واضافة ما أغفلته المادتان من اسباب وردت في لائحة 38، ذلك لأنها تنتج نفس آثار ما ورد من الأسباب المذكورة فيهما، وتلك الأسباب هي نصاً في مواد تلك اللائحة:
المادة 50 :
يجوز لكل من الزوجين أن يطلب التطليق بسبب زنا الزوج الآخر.المادة 51:
اذا خرج أحد الزوجين عن الدين المسيحي وأنقطع الأمل من رجوعه إليه جاز الطلاق بناء على طلب الزوج الآخر.المادة 52 :
إذا غاب أحد الزوجين خمس سنوات متوالية بحيث لا يعلم مقره ولا تعلم حياته من وفاته وصدر حكم بإثبات غيبته جاز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق.المادة 53 :
الحكم على أحد الزوجين بعقوبة الأشغال الشاقة أو السجن أو الحبس لمدة سبع سنوات فأكثر يسوغ للزوج الآخر طلب الطلاق.المادة 54 :
إذا أصيب أحد الزوجين بجنون مطبق أو بمرض معدٍ يخشى منه على سلامة الآخر يجوز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق إذا كان قد مضى ثلاث سنوات على الجنون أو المرض وثبت أنه غير قابل للشفاء.
ويجوز أيضاً للزوجة أن تطلب الطلاق لإصابة زوجها بمرض العنة إذا مضى على إصابته به ثلاث سنوات وثبت أنه غير قابل للشفاء وكانت الزوجة في سن يخشى فيه عليها من الفتنة.المادة 55 :
إذا اعتدى أحد الزوجين على حياة الآخر أو اعتاد إيذاءه إيذاءً جسيما يعرض صحته للخطر جاز للزوج المجني عليه أن يطلب الطلاق.المادة 56 :
إذا ساء سلوك أحد الزوجين وفسد أخلاقه وانغمس في حمأة الرذيلة ولم يجد في إصلاحه توبيخ الرئيس الديني ونصائحه فللزوج الآخر أن يطلب الطلاق.المادة 57 :
يجوز أيضاً طلب الطلاق إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر أو أخل بواجباته نحوه إخلالاً جسيماً مما أدى إلى استحكام النفور بينهما وانتهى الأمر بافتراقهما عن بعضهما واستمرت الفرقة ثلاث سنوات متوالية.المادة 58 :
كذلك يجوز الطلاق إذا ترهبن الزوجان أو ترهبن أحدهما برضاء الآخر.(لائحة ١٩٣٨، باب٢، فصل١ : في أسباب التطليق)
وقد وردت هذه الأسباب بأقدار مختلفة وصيغ متنوعة في المشروع محل الطرح عند بقية الطوائف المسيحية. وهي أسباب في تقديري جاءت مستوعبة لمنهج السيد المسيح في معالجة الإشكاليات الكبري، فيما يمكن توصيفه بمنهج “تجفيف المنابع”، وهو ما يطرحه علينا الفصل الخامس من إنجيل متى، والذي اورد فيه ما قاله السيد المسيح عن الطلاق، ويطرح فيه عديد من القضايا: بدأها بالقول (سمعتم انه قيل… أما أنا فأقول …) وقدم علاجاً لكل قضية لعل ابرزهما القتل والزنا.
ففي الأولى اشار إلى معالجة الغضب فلا تصل الأمور الى القتل، وفي الثانية اشار الى معالجة شهوة النظر فلا يذهب إلى الزنا. وهو عين قناعات لائحة 38، فيما ذهبت إليه من أسباب تبيح حال توافرها إقرار الطلاق، فماذا نتوقع مع استحالة العشرة أو الغياب وانقطاع الأمل في العثور على المختفي لسنوات هذا عددها، أو في سوء سلوك وفساد اخلاق أحد الطرفين رغم محاولات اصلاحه المتعددة، أو اصابته بجنون لا يرجى شفائه.
وهي أسباب تقود الطرف المتضرر للوقوع في واحدة من أربع نتائج، إما اتجاهه للزنا الفعلي أو قتله للطرف الأخر أو الانتحار أو الخروج من الدين بجملته، ألا يذكرنا هذا بقول السيد المسيح معنفاً: وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا.
والمشابهة هنا التمسك بقراءة منفردة لظاهر نص حتى لو انتج انهياراً وخراباً للأسرة.
وفيما يترتب على الحصول على حكم بالتطليق، لم يتناول القانون حق من حصل على هذا الحكم في إقرار الكنيسة له بزواج كنسي ثان، وهي واحدة من الاشكاليات القائمة والتي تقف وراء كثير من الأزمات سواء على المستوى الشخصىي للمطلقين أو فيما يتعلق بالسلام الاجتماعي.
الباب الثالث: فيما يجب على الولد لوالديه، وما يجب له عليهما، الفصل الخامس: “الاستزارة“:
استحداث هذا الفصل يعد إضافة ايجابية لصالح الصغير.
الباب السادس: “الإرث”
يحسب لهذا الباب ضبط توزيع الأنصبة بين الورثة على القواعد المسيحية المستقرة في مساواة الذكر بالأنثي.
الباب السابع: “العقوبات”
لا تتناسب الغرامات المادية مع التضخم الذي اصاب قيمة العملة لذلك يجب مضاعفة قيمها الواردة بهذا الباب على الأقل ثلاثة أضعاف.
ما أغفله مشروع القانون
من اللافت إغفال مشروع القانون قضية “التبني” رغم أن التبني في المسيحية مبني على محور عقيدتها، تأسيساً على ايمانها بتبني الله للإنسان، وقيل في تبرير الإغفال أن التبني مخالفاً للنظام العام، وهو قول غير صحيح، ويأتي مخالفاً لنص دستوري صريح بحسب المادة الثالثة من الدستور.
وكان يمكن معالجة هذا التوجس بالنص على أن: أحكام باب التبني تسري حصراً على المصريين المسيحيين، ولا يدخل في نطاقها الأطفال مجهولي النسب والديانة، وينحصر في الأطفال الثابت ديانتهم المسيحية بكافة طرق الإثبات.
صدر للكاتب:
كتاب: الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل ١٩٩٨
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية ٢٠١٦
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٩
كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟ ٢٠٢٦
