- موقف بولس الرسول من الناموس
- المنظور الجديد لبولس الرسول
- انتقادات المنظور الجديد لبولس الرسول
- ☑ المنظور القديم لبولس الرسول [۱]
هناك مجموعة من الباحثين الأكاديميين المعاصرين في الدراسات الكتابية يتبنُّون المنظور القديم لبولس الرسول الذي نشأ مع حركة الإصلاح البروتستانتيّ، ويأتي على رأسهم دونالد آرثر كارسون، الذي ينتقد المنظور الجديد الذي تبنَّاه إد باريش ساندرز وآخرين.
النقد الأساسيّ الذي يُقدِّمه كارسون لمنظور ساندرز الجديد حول بولس مُوجَّهٌ تحديدًا لمفهوم ”الناموسية العهدية“، وهذا النقد مُصَاغٌ بشكلٍ أساسيٍّ في العمل المكوَّن من مجلدين الذي شارك في تحريره والمساهمة في إعداده، وهو كتاب ”التبرير والناموسية المتعددة“.
يرى كارسون أن ”الناموسية العهدية“ التي يتبنَّاها ساندرز هي فئة أحادية الجانب للغاية، ولا تراعي بشكلٍ كافٍ الطبيعة ”المتعدِّدة“ لليهودية في فترة الهيكل الثاني. كما أن نموذج ساندرز هو نموذجٌ مُبسَّطٌ للغاية، وأن هناك بعض تيارات من اليهودية كانت تميل بالفعل إلى شكل من أشكال برِّ الأعمال أو الناموسية التي كان يعارضها بولس الرسول. بالتالي ”الناموسية العهدية“ لساندرز هي تبسيطٌ مُفرِطٌ يفرض هيكلًا واحدًا ومُوحَّدًا على الأدبيات اليهودية المتنوعة في فترة الهيكل الثاني.
يؤكد كارسون أن بعض الجماعات والنصوص اليهودية أظهرت بالفعل شكلًا من أشكال ”برِّ الأعمال“ يتجاوز مُجرَّد البقاء في العهد، ويتضمَّن اكتساب أو استحقاق رضا الله. كما يرى كارسون أن هناك تركير من المنظور الجديد لبولس على الجانب الاجتماعيّ بدلًا من الجانب الخلاصيّ، حيث يُقلِّل نموذج ساندرز من شأن الاهتمامات السوتيريولوچية (الخلاصية) لبولس، أيّ كيف يتمُّ خلاص/تبرير المرء، وبدلًا من ذلك، يُركِّز بشكلٍ كبيرٍ على القضية الاجتماعية لعلامات تميُّز الهوية اليهودية (كالختان ونواميس الطعام وحفظ السبت)، باعتبارها الشيء الوحيد الذي كان بولس ينتقده.
ولكن يُصرُّ كارسون على أن نقد بولس يدور بشكلٍ أساسيّ حول كيف يصبح الشخص بارًا أمام الله –وهي قضية خلاصية أساسية– وليست مُجرَّد قضية فرعية بين المجموعات العرقية. ويُؤيِّد كارسون الرؤية التقليدية القائلة بأن ”أعمال الناموس“ عند بولس الرسول تُشِير، جزئيًا على الأقل، إلى الجهود البشرية لاكتساب أو الحفاظ على مكانةالبرِّ أمام الله، وأنها ليست مُجرَّد ”علامات حدود“ تفصل اليهود عن الأمم، كما اقترح بعض مُؤيِّدي المنظور الجديد لبولس مثل چيمس دَن الذي بنى على أساس ساندرز [1]، [2].
ويتماشى موقف كريج آلان إيفانز مع التفسير القديم المحافظ لنظرة بولس للناموس، ولكنه يُشارِك ويستخدم جزئيًا جوانب من المنظور الجديد لبولس، خاصةً فيما يتعلَّق بـ”أعمال الناموس“. يُعرَف إيفانز باستخدامه لمخطوطات البحر الميت لتفسير لغة بولس، وهي طريقةٌ ترتبط غالبًا بالمنظور الجديد لبولس. حيث يُجادِل إيفانز بأن عبارة ”أعمال الناموس“، خاصةً في رسالتي رومية وغلاطية، تُشِير في المقام الأول إلى نواميس الطهارة وعلامات الهوية المنظورة التي ميَّزت اليهود عن الأمم.
يُشِير إيفانز إلى نص قمران 4QMMT ليقترح أن الجدل كان يدور حول ممارسات مثل الختان ونواميس الطعام وحفظ السبت. يساعد هذا المنظور الجديد في تفسير لماذا ينتقد بولس هذه الممارسات تحديدًا ويُسمِّيها ”أعمال الناموس“ التي يجب على الأمم التخلي عنها، لأنها كانت العناصر التي تمنع الشركة وتدل على الهوية اليهودية.
وبينما يُقرُّ إيفانز بتركيز المنظور الجديد على العلامات الاجتماعية، فإنه لا يزال يُصرُّ على أن قضية بولس النهائية هي الخلاص. كان المعلِّمون المتهودون يعتبرون هذه العلامات ضروريةً للخلاص النهائيّ والعضوية في العهد، ولهذا السبب يُهاجِمها بولس بشدةٍ؛ لأنه كان يجري استخدامها لكسب الحظوة والمكانة بدلًا من قبولها بالنعمة عن طريق الإيمان.
وهكذا، يُؤكِّد إيفانز الرأي التقليديّ بأن العهد الموسويّ بأكمله قد انتهى أجله، ولم يعد مُلزِمًا للمسيحيين، سواء اليهود أو الأمم، كنظام للارتباط بالله. لأن موت المسيح وقيامته يُحقِّقان مطالب الشريعة، ويُنهِيان وظيفتها كعهدٍ مؤقتٍ. فالمسيح هو المركز الجديد لعهد الله مع البشرية. كما يرى إيفانز أن قيود المرسوم الرسوليّ على المتحوِّلين من الأمم [3] لم تكن تتطلب منهم تبني شريعة موسى، بل أمرتهم بالالتزام بمعايير الطهارة الأخلاقية المستمدة من الشريعة [4]، مما يسمح لهم بالشركة في المائدة والحياة الأخلاقية جنبًا إلى جنب مع المؤمنين اليهود. وهذه هي المحظورات الأربعة التي حدَّدها يعقوب في أعمال الرسل [5].
ويُميِّز إيفانز، مثله مثل مُعظم الباحثين المحافظين، بين الجوانب الطقسية والمدنية للشريعة وجوهرها الأخلاقيّ. فالشريعة، بمعنى المشيئة الأخلاقية الأبدية لله (على سبيل المثال، الوصايا ضد القتل والسرقة ووصية المحبة)، تظلُّ مُقدَّسةً وصالحةً [6]. وهكذا يتمُّ تحقيق المتطلبات الأخلاقية للشريعة في رومية [7] الآن من قِبَل المؤمنين الذين يقودهم الروح القدس. حيث يُوفِّر الروح القدس القوة والميل الداخليّ الذي لم يستطع الناموس توفيره بمفرده بسبب الجسد (البشرية). [8]
يتميَّز عرض جرانت روبرت أوزبورن لوجهة نظر بولس حول الناموس الموسويّ بأنه إنجيليّ ومتوازن، حيث يدمج وجهات النظر التقليدية مع تحليل دقيق للمنظور الجديد حول بولس. ويتناول أوزبورن هذا الموضوع بشكلٍ أساسيّ في تفسيراته لرسالتي رومية وغلاطية، وفي كتابه النظاميّ الرئيسيّ عن الهرمنيوطيقا أو علم التفسير والتأويل ”اللولب الهرمنيوطيقيّ أو التأويليّ“.
يتمثَّل موقف أوزبورن في أن الناموس أُلغِيَ كنظامٍ عهديّ، لكن جوهره الأخلاقيّ يظلُّ صالحًا للمسيحيّ، ويتحقَّق من خلال الروح القدس. كما يتمسَّك أوزبورن بقوةٍ بمبدأ حركة الإصلاح الكلاسيكيّ القائل بأن الناموس، في مجمله، لم يعد الوسيلة التي يُعلَن بها برُّ أيّ شخص أمام الله، فدور الناموس لغرض التبرير قد انتهى. ويرى أوزبورن في تفسيره لرسالة غلاطية أن حجة بولس في رسالة غلاطية هي صراعٌ أساسيٌّ ضد أيّ محاولة لاستبدال الصليب بـ”محاولات لكسب البرِّ عن طريق الأعمال“ [9].
لقد دشَّن يسوع عصرًا عهديًا جديدًا، جاعلاً العهد القديم باليًا كوسيلة للخلاص. يتفق أوزبورن مع المنظور الجديد على أن ”أعمال الناموس“ بالفعل عملت كعلامات للتمييز مثل الختان ونواميس الطعام وحفظ السبت، إلا أنه يُصرُّ على أنها ليست مُجرَّد علامات تمييز. بل لقد كانت الوسيلة التي سعى بها اليهود إلى تتميم الشريعة وتأمين وضعهم العهديّ، وهكذا ينتقد بولس فكرة أن أيّ جهد بشريّ – طقسيّ أو أخلاقيّ – يمكن أن يستحق الخلاص.
يُفسِّر أوزبورون في تعليقه على [10] أن المسيح هو غاية الناموس بمعنى أنه النهاية والغاية والذروة للناموس، خاصةً في قدرته على إحداث البرِّ [11].
وهكذا يرى أوزبورن أن زوال العهد الموسويّ لا يؤدي إلى مناهضة الناموس لأن المطالب الأخلاقية للناموس يتمُّ استيعابها وتحقيقها الآن بواسطة الروح القدس. فالحياة المسيحية تعمل تحت ”ناموس المسيح“، وهو في الأساس ”ناموس المحبة“ [12].
هذا الناموس الجديد هو تحقيق للمعايير الأخلاقية الخاصة بالعهد القديم. ويُفسِّر أوزبورن رومية [13] بأن بولس يُعلِّم أن ”المتطلبات العادلة للناموس“ يتمُّ تتميمها في أولئك الذين يسلكون حسب الروح. حيث يُوضِّح أوزبورن ذلك صراحةً ويقول إن المبادئ الأخلاقية للناموس باقيةٌ، على الرغم من أن مصدر القوة للطاعة قد تغيَّر من تدوين خارجيّ إلى الروح القدس الداخليّ [14].
ويُقدِّم أوزبورن إطارًا لكيفية تطبيق المسيحيّ لناموس العهد القديم، الذي يدعم قراءته لبولس في عمله النظاميّ ”اللولب التأويليّ“. حيث يُقسِّم أوزبورن ناموس موسى إلى ثلاث فئات: مدنيّ، وطقسيّ، وأخلاقيّ. لكنه يُؤكِّد أن بولس وكُتَّاب العهد الجديد يعاملون الناموس على أنه عهد مُوحَّد قد انتهى. ولكن المبادئ الأخلاقية للناموس (الملخَّصة في الوصايا العشر ووصايا محبة الله والقريب) قد تمَّ نقلها إلى العهد الجديد. أمَّا الجوانب المدنية والطقسية فقد تمَّ تحقيقها وإنهاؤها في المسيح [15].
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]
![المنظور القديم لبولس الرسول [۱] أنطون جرجس](https://tabcm.net/media/2021/12/%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%86-%D8%AC%D8%B1%D8%AC%D8%B3-1-150x150.jpg)