يرصد ديفيد دي سيلفا الانتقادات الموجَّهة لوجهة النظر الجديدة، حيث يرى أن وجهة النظر الجديدة عن بولس لم تُستقبَل بالكثير من الترحيب والدعم والموافقة. حقًا، فإن البعض نظروا إليها كطريقٍ غير نافذٍ في دراسة بولس، مُضلِّلةً الكثيرين عن الطريق السليم للحق العريق عن بولس. بعض التحذيرات الأساسية التي أثارها بعض الدارسين تستحق الاعتبار.
أولًا: إن وصف إد باريش ساندرز لليهودية المتنوعة في القرن الأول بأنها ”تسميةٌ موروثةٌ على أساس العهد“، مع تشديدها على النعمة بدل القيام بأعمالٍ صالحةٍ للحصول على التبرير، دخل أتون النار. فهناك أمثلة صاعقة لعقيدةٍ عن اكتساب التبرير (أي التبرئة في القضاء) بواسطة القيام بأعمالٍ صالحةٍ، حيث يكسب الإنسان مكافأةً أبديةً أو عقابًا أبديًا، إمَّا بطاعة ناموس الله أو بعصيانه. حيث يؤكد عزرا الرابع صراحةً، كما كان يعرف ساندرز أصلًا، على أن الحصول على ”مخزن من الأعمال“ مع الله سيحصل مكافأةً [1].
عندما يقول عزرا بأن الله سيُظهِر بره وجوده بإظهار الرحمة لأولئك الذين ليس لديهم مخزنٌ من الأعمال الصالحة [2]، يُصحِّح الله قوله بحقٍ [3]. وهناك نصٌ من قمران الذي يدَّعي صراحةً أن القيام بأعمال الناموس، كما هو مُبيَّن من قِبَل كاتب هذا النص يقود إلى التبرير أمام الله ”في نهاية الزمان“ [4]: ”سيُحسَب لك ذلك برًا عندما تقوم بما هو صوابٌ وخيرٌ أمامه [أمام الله]“. [5] علاوة على ذلك، يعلن [6] أن ”العالم سيُدان بالنعمة، ورغم ذلك فإن الكل هو بحسب فيض الأعمال“. لهذا يزعم النقاد أنه لن يكون كافيًا ببساطةٍ وصف اليهودية بكل تنوعها بكونها ”الناموس العهديّ“. [7]
ثانيًا: هناك الكثير من الدارسين الذين ينظرون بحذرٍ إلى ميل بعض مناصري وجهة النظر الجديدة لاعتبار عقيدة ”التبرير بالإيمان“ ليست كعنصر جوهريّ من لاهوت بولس، بل كحجةٍ طوَّرها بولس ليشرح سؤالاً مُحدَّدًا حول كيف يُقبَل الأمم سواسيةً كاليهود أمام الله. رغم حقيقة كون موضوع ”التبرير بالإيمان“ ومفرداته تظهر في الواجهة فقط في غلاطية ورومية، حيث يُطرَح السؤال حول كيف ينبغي تعريف شعب الله الجديد، يُشِير پيتر ستولماخر إلى أن عقيدة بولس عن التبرير تنبثق من الاعتراف المسيحيّ المبكر عن موت يسوع كموتٍ ”لأجل خطايانا“ [8]، وهو تفسيرٌ مبنيٌّ على [9]، حيث حمل المسيا خطية كثيرين ويُبرِّر كثيرين [10]. [11]
بل هناك مشكلة ذات أهمية أكثر تبرز من وجهة النظر الجديدة حول التبرير، على أية حالٍ، حيث يُفهَم ”التبرير بالإيمان“ بأنه قضيةٌ ذات دلالة ومغزى فقط للأمم، وليست لليهود أيضًا. يميل هذا الخط المتطرف من المحاججة لتتمَّ متابعته دعمًا للاهوت العهدين، الذي بموجبه لا يحتاج اليهود إلى الإنجيل، بل يحتاجون فقط ليكونوا أمناءً للتوراة. نظرةٌ كهذه تُعتبر تطوُّرًا مفهومًا خلال محاولة الدارسين لتقويض العداء للسامية بكل أشكالها، ولكنها بالتأكيد نظرةٌ لا تُعبِّر أبدًا عن لاهوت بولس [12].
ثالثًا: وبارتباطٍ وثيقٍ مع النقدين الأول والثاني، أظهر العديد من الدارسين ردة فعل ضد اقتراح چيمس دوجلاس جرانت دان بأن ”أعمال الناموس“ تُشِير بالتحديد إلى ”علامات الحدود“ التي تفصل اليهود عن الأمم (مثل: الختان، السبت، قواعد الطعام الحلال والحرام).
يُصرُّ هؤلاء الدارسون بالأحرى على أننا ينبغي أن نستمر بالنظر إلى هجوم بولس على ”أعمال الناموس“ كهجومٍ على الإنجاز البشريّ بشكلٍ عامٍ، ضد كل محاولات تُبيِّن برنا الذاتيّ من خلال قياس ما يصل إلى مجموعةٍ من التوقعات التي يمكن للأفراد أن يتباهوا بها. ولكي نكون عادلين، فإن چيمس دَن يعتبر أعمال الناموس بأنها تتضمَّن وصايا التوراة ذات الدلالة الأخلاقية، ولكنه يرى بولس يُعبِّر عن ردة فعل على التوراة كالناموس اليهوديّ مُقابل المقياس الذي يُوفِّره الله الآن بالروح لكلٍّ من اليهود والأمم. يعتقد چيمس دَن أيضًا أن الفهم الأوسع لفشل كل المحاولات البشرية لتحقيق البرِّ أمام الله بالقوة البشرية يُمثِّل نتاجًا وتطبيقًا مستمرين لنقد بولس للاستمرار بأعمال الناموس والافتخار بالامتياز العرقيّ. لكن هذا ليس قصد بولس الأصليّ. [13]
يستعرض رايموند بروان الخلاف الأكاديميّ الحاد بين المنظورين القديم والجديد لبولس الرسول، حيث يُلاحِظ براون أنه في أعقاب ثورة الإصلاح الدينيّ كان التفسير البارز هو أن اليهودية على أيام بولس كانت يهوديةً ناموسيةً، تُصرُّ على أن الناس لا يتبرَّرون إلا إذا عملوا الأعمال التي يطلبها الناموس الموسويّ. وقد استُخدِمَ شجب بولس لهذه النوعية من اليهودية لدحض كاثوليكية رومانية حرفية تقول إن الإنسان يمكنه أن يخلص بالأعمال الحسنة التي يعملها أو عُمِلَت نيابةً عنه.
يحتج الكاثوليك بسرعةٍ قائلين إنه على الرغم من أن عملية الغفران ربما تكون قد شُوهِدت في الممارسة الشعبية والكرازة إبان القرن السادس عشر، إلا أنه في الفكر اللاهوتيّ الكاثوليكيّ السليم، يكون التبرير هو عطيةٌ مجانيةٌ من لدن الله، ولا يمكن الحصول عليه بأعمالٍ صالحةٍ. على الرغم من ذلك، فإن كلا الجانبين يفترض أن اليهود على أيام بولس اعتقدوا أن التبرير يمكن أن يتأتى بأعمالٍ صالحةٍ، ولذلك فإن تحدي المسيحيين لصحة هذا الفكر جاء بشكلٍ بطيء جدًا.
وجاءت الحساسية الحديثة تجاه هذا الموضوع من جوانب عديدة:
(أ) وعي متزايد بأن موضوعات الإصلاح كثيرًا ما تتحوَّل إلى فهم بولس،
(ب) إدراك أن بولس في مرات كثيرة كان يجادل، ليس ضد الفكر اليهوديّ، بل ضد فكر اليهود المسيحيين (المتهودين)، وعلى سبيل المثال، فكر الذين يقولون إن المتجدِّدين الأمميين إلى اليهودية لا يمكن أن يتبرَّروا بالمسيح إلا إذا قبلوا الختان،
(جـ) طلب توضيح أكثر دقةً لما قاله بولس عن الأعمال والناموس،
(د) احتجاج من باحثين من اليهود وخبراء مسيحيين في اليهودية إنه ليس لدى اليهود فكر لاهوتيّ بسيط عن استحقاق الخلاص بالأعمال.
وهاتان النقطتان الأخيرتان في حاجةٍ إلى مُناقشةٍ. [14]
ويستطرد براون في نفس السياق وفيما يتعلَّق بالنقطة (جـ) تُوضِّح رسالة روما موقف بولس تجاه الناموس، فبولس يُؤيِّد الناموس [15]، ويعتبره مُقدَّسًا [16]، وأنه قد تمَّ [17]، كما يُصرُّ على الوصايا [18]. وبرغم ذلك، لن يُبرَّر أيّ إنسان في نظر الله بأعمال الناموس [19]، ثم إن الناموس يُنشئ غضبًا [20]، وكان سببًا في زيادة الخطية [21].
ويُفرِّق بعض الدارسين بين فهمين مختلفين للناموس، أو جزئين مختلفين منه، حيث إن الوصايا الأخلاقية (ضد عبادة الأوثان والسلوك الجنسيّ الخاطئ) فهذة مُلزِمةٌ للجميع، ومنهم المسيحيون الأمميون، ولكن ليس المتطلبات الخاصة بالعبادة (كالختان والأعياد الدينية). [22]
ثم يستعرض براون رأي ساندرز في كتابه الذي صدر سنة 1991، وكيف كان أكثر مرونةً. فقد رفض بولس نواحي من الناموس كانت ضد إرساليته، وهي النواحي التي تفصل بين اليهود والأمميين من شعب الله الذين دُعوا في المسيح. وهذا التقييم يعترف أن ردة فعل بولس بالنسبة للناموس جاءت وليدة اختباره رأفة الله وشفقته في المسيح، وليس من النظريات التي يضعها الدارسون.
وإذا رجعنا إلى نقطة (د) كيف نرى العلاقة بين ملاحظات بولس على ما نعرفه عن الموقف اليهوديّ تجاه التبرير/البرِّ بواسطة أعمال الناموس؟ لقد قدَّم ساندرز في كتابه ”بولس واليهودية الفلسطينية“ توضيحًا مُتعاطفًا للموقف اليهوديّ جديرًا بالاهتمام. لقد اختار الله بإرادته إسرائيل التي دخلت في عهدٍ أن تعيش كشعب الله، وهذه النعمة لا يمكن اكتسابها، ثم إن حفظ الناموس قدَّم بالأحرى طريقةً مُعطَاةً من الله للعيش في إطار هذا العهد، ولذلك لا يجب على المرء أن يتكلَّم عن أعمال برِّ، بل حفظ عهد البرِّ (ويُعرَف أيضًا بالناموسية العهدية).
ويُجادِل ساندرز بالقول إن هذا الوضع يمكن تبريره من كتاباتٍ يهوديةٍ، وإنْ لم تكن عامةً. [23]
ويستعرض براون اعتراضات باحثين آخرين على المنظور الجديد لبولس الذي قدَّمه ساندرز قائلين إنه إذا كان هذا الرأي الذي كان سائدًا بشكلٍ عامٍ في اليهودية، فما كان لبولس أن يرى تناقضًا حادًا بينه وبين مفهومه بأن الله في رأفته جعل البرَّ متاحًا عن طريق الإيمان بالمسيح. [24]
وأخيرًا، يُعلِّق براون على الجدل الحاد ويقول إنه إذا كانت اعتراضات بولس على برِّ الناموس أكثر واقعيةً، ألا يمكن أن يكون بولس قد أسأ الفهم، أو أنه في حماسته الجديدة للمسيح، أن يكون حتى من الناحية الجدلية قد بالغ في دور الأعمال في وصفه للمفهوم اليهوديّ عن البرِّ؟ وعلى سبيل المثال، فإن ريزينين في كتابه يجد عدم تناغم في وجهات نظر بولس، ويدَّعي أنه شوَّه الصورة اليهودية.
على الرغم من ذلك، فهل إعادة تركيب الفكر اليهوديّ من القرن العشرين على أساس الفكر اليهوديّ في القرن الأول بناءً على قراءة وثائق قديمة تكون أفضل من شهادة شاهدٍ واعٍ مثل بولس، الذي عاش كيهوديّ محافظ في ذلك القرن. وعلى أيّ حال، فإنه عند مُناقشة القرن الأول وبولس، يحتاج المرء إلى أن يسأل ما إذا كانت حقائق العلاقة بين الناموس والبرِّ الناجم عن حفظ العهد كانت مفهومةً على المستوى الشعبيّ (وكذلك أيضًا هل كان الفكر اللاهوتيّ الكاثوليكيّ الدقيق عن الغفران دائمًا مفهومًا على المستوى الشعبيّ).
وتوجد أقوال مُبكرة لمعلِّمي اليهود تُعرِّف في الواقع العهد والناموس (أو على الأصح، التوراة). وهذه الأمور التي من قبيل الختان، والناموس، والأطعمة، وحفظ السبت، أصبحت خطوطًا واضحةً للتمييز بين اليهود والوثنيين. وعلى ذلك، فإن حفظ أعمال الناموس أصبحت بسهولةٍ موضع فخر وفُهِمَت على المستوى الشعبيّ على أنها التي تجعل الشخص اليهوديّ مُستقيمًا أمام الله.
وعندما كان يكتب عن فكر اليهود – بمعزلٍ عن فكر خصومه من اليهود المسيحيين – استطاع بولس أن يحتجَّ على هذا المفهوم الناموسيّ لعهد الله مع إسرائيل، وليس لأنه أسأ الفهم، بل لأنه اعتقد، وعن صواب، أن هذا هو رأي الكثيرين من اليهود. [25]
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]
