أحسب نفسي محظوظًا أن تشكل وجداني وعقلي في زمن حفل بقامات فكرية ودينية وإبداعية كانت لهم رؤي تنويرية، ومساحة من البوح وسقف يسمح بالتنوع والاختلاف دون أن تلاحقهم ثلاثية التكفير والتخوين والمؤامرة، وهو زمن كان الكتاب فيه الباب الملكي للمعرفة بغير منافس، فلم يكن بجواره سوى “الراديو” وعلى استحياء، أما التلفزيون فجاء متأخرًا وكانت ساعات إرساله محدودة، عبر قناتين زيدا إلى ثلاث.
قائمة تلك القامات محفورة في ذهني، مع عمر يقترب حثيثًا من الثمانية عقود، وتطول بما يملأ لا مجرد صفحات بل كتبًا، ربما لهذا وفي لحظات صفا اقتنصها تقفز أمامي أطياف من أسماء شخوص شكلوا وعيي بأقدار مختلفة، في دوائر الفكر المختلفة، أو قل استدعيها لأواجه يومي المحاصر بموجات التراجع والانحدار في دوائر الحياة حولي منذ اللحظة التي أُغادر فيها إلى الشارع بتعدد الأسباب، وحتى عودتي اللاهثة لبيتي.
وحتى هذه صارت غير آمنة بين ما تحمله قنوات التلفزيون من سيل مرعب تقذفه نشرات أخبارها في وجوهنا من أنباء حروب وكوارث لا تنتهي، ووشايات وخناقات العالم الافتراضي وكثيرها أصابته البلاهة، أو تغلفه صراعات المصالح، وقد صار كل من يملك تليفونًا محمولًا أو شاشة لاب توب، وبالكاد يفك الخط، صار كاتبًا وناقدًا ومحللًا استراتيجيًا، وزد على ذلك ظاهرة اللجان الإلكترونية، التي أتاحتها مواقع التواصل، وخلقت فرص عمل لكثيرين ممن يملكون مفاتيح التعامل مع التقنيات الرقمية، ويعانون البطالة، ويحوزون ضميرًا باردًا، وربما ميتًا.
قبل أيام اقتنصت واحدة من تلك اللحظات، فذهبت إلى مخزن الذكريات التقط منه بعض من هذه الشخصيات، التي كانت معرفتي بهم من خلال إنتاجهم الأدبي والثقافي وبعضهم شرفت بمعرفته بشكل شخصي عن قرب، سواء في فعاليات المجتمع المدني أو المناسبات الاجتماعية، أو قاعات الدرس، وكثيرهم عبر اشتباكي مع أطروحاتهم وكتبهم وأخيرًا لقاءاتهم المتلفزة وهي متاحة عبر شبكة الأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، رغم رحيل كثيرهم بالجسد.
رحت أبحث عن صورهم، ربما بفعل النوستالجيا والحنين للماضي، واستعنت بمواقع إنشاء الصور في استحضار هيئتهم كما كنت أعرفها، ونجحت في ذلك، بفضل ما اكتسبته من خبرات في التعامل مع تلك التقنيات من بناتي، اللواتي لم يبخلن عليَّ بها، جمعت بعض من تلك الصور في صورة مجمعة ووضعتها في حسابي الفيسبوكي، كانت اختياراتي تجمع بين الثقافي والسياسي والإبداعي والتاريخي واللاهوتي، كان حرصي أن تأتي تلك الاختيارات من دائرة من اقتربت منهم في الحياة على النحو الذي بينته.
لم يكن الحنين وحده وراء تلك الاختيارات لكن كنت أسعى للإجابة على سؤال يطرح في أزمنة التفكك وتضغط به موجات الفتنة الطائفية التي تحركها الأهواء ويغذيها الفقر المعرفي، وعدم قراءة التاريخ، الذي غاب عن المقررات المدرسية، سهوًا أو عمدًا، هذا السؤال هو عن التواجد القبطي في المشهد العام، الثقافي والإبداعي تحديدًا، ربما لهذا جاءت الاختيارات محصورة في شخوص قبطية، في غير إنكار لدور قامات مصرية غير قبطية في رسم خريطة الوعي والمعرفة على المستوى الشخصى أو العام.
ربما تحمل الصورة المجمعة ـ على محدوديتها ـ رسالة للأجيال الواعدة التي لم تعاصر شخوصها، تكشف عن التعدد والتنوع والخصب الذي كان لعصر تلك القامات، ولعلها تعيد الثقة لشباب الأقباط في الدور الفاعل لهم هم أيضًا بما يحملونه من منظومة قيم ومبادئ تلزمهم بالخروج من وضعية الإنكفاء على الذات إلى براح الوطن يدعمون خروجه من أزماته وبناء مستقبله، كشريك فاعل مع بقية مكوناته، كما فعلت تلك القامات، وتحمل بالتوازي رسالة لشباب المسلمين أن نظرائهم الأقباط شركاء في بناء الوطن ومعًا يستطيعون القفز على حصار التفكيك، ومجابهة التيارات الظلامية التي تلعب على الانتماء الديني كمدخل لبث الفرقة وتفتيت وطن عصي على الانقسام.
في أقل من ساعة من النشر توالت التعليقات، ولم تنقطع حتي لحظة كتابة هذه السطور، سواء تعليقًا مباشرًا على الصورة المجمعة، أو في مواقع وحسابات أخرى، أو عبر الرسائل على الخاص، وهي تعليقات في مجملها يمكن أن تعطينا تصورًا تقريبيًا عن خريطة المشهد الفكري المعاش، بعضها ذكرني بالعديد من رموز وقامات أخرى التي يجب ذكرها، وقد أفدت منها وأضفت بعضها إلى الصورة المجمعة، ولم أوردها كلها ـ على أهميتها ـ فهي تحتاج إلى جدارية وربما لا تكفيها، فقط أردت أن أجمع طيف منها، بشكل رمزي، يشير إلى التنوع والغنى الذي تحتشد به قائمة القامات الفكرية المصرية القبطية.
بعض التعليقات لم تدرك أهمية التنوع، الذي في بعضه يصل إلى التضاد، فراحت تتحفظ على بعض الأسماء من منطلقات أيديولوجية؛ سياسية ودينية، وبعضها أشهر مدفعية التكفير والهرطقة والتشكيك في وجه بعض شخوص الصورة، لتكشف عن قصور في الفصل بين ما هو آراء شخصية وبين ما هو آراء موضوعية، واكتفت بتبني منهج “العنعنات”، وفي جل الأحوال لم يقرأ أحد مطلقي تلك المدفعية سطرًا واحدًا لأي من تلك الرموز، وفي جسارة ينصبون أنفسهم قضاة وجلادين ومنفذي أحكام.
في لحظة ذهبت إلى التفكير في تقديم تعريفات موجزة عن كل اسم، لكنني فضلت ألا أفعل ذلك، فقط أعيد طرح أسماء شخوص الصورة المجمعة ولمن هو مهتم بمعرفة المزيد عنها أن يستعين بشبكة المعلومات الرقمية ففيها تفاصيل عديدة ومتنوعة عنهم.
ضمت الصورة أربعة عشر شخصية هم بترتيب موقعهم فيها، الدكتور مراد وهبة، الأستاذ سلامة موسى، الدكتور غالي شكري، الدكتور نصحي عبد الشهيد، الدكتور وليم سليمان قلادة، الأستاذ حبيب جرجس، الدكتور إيزاك فانوس، الدكتور لويس عوض، الأستاذة إيريس حبيب المصري، الدكتور يونان لبيب رزق، الدكتور عزيز سوريال، الدكتور ميلاد حنا، الدكتور سليمان نسيم، الدكتور جورج حبيب بباوي.
يجمعهم بجوار تخصاصتهم العلمية إسهاماتهم الموثقة في دعم الوطن وترسيخ المواطنة، التي ترجموها في بعض إصداراتهم، بأقدار متفاوتة، وفي امتلاكهم قدرة طرح رؤاهم والدفاع عنها، التي نملك أن نتفق معها أو نختلف، دون ان نتصادم، في إعلاء لقيمة الحوار وبناء الثقة.
صدر للكاتب:
كتاب: الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل ١٩٩٨
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية ٢٠١٦
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٩
كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟ ٢٠٢٦
