من اﻷنماط التي تكررت معنا في مصر أكثر من مرة هو وقوع حدث يبدو جيدًا في بدايته ثم يتحول ليُظهر أسوأ ما في مجتمعنا، فخلال كأس العالم 2026 المُنظم في أمريكا وكندا والمكسيك، قدم منتخب مصر مباريات جيدة، وﻷول مرة نكسب ونحرز أهداف كثيرة وكنا أقرب لتحقيق الفوز على اﻷرجنتين -خسرت النهائي أمام إسبانيا- في مباراة دور الـ16، ولكن تحول فوز مصر بهدفين إلى هزيمة بـ3 أهداف في أخر 10 دقائق من المباراة، وليس هذا أسوأ ما في القصة، فقبل المباراة بدأ جدل بسبب رفع مدرب المنتخب لعلم فلسطين، وقبلها عاد التساؤل القديم حول عدم وجود لاعبين مسيحيين في منتخب مصر أو اﻷندية الكبرى، وتحول اﻻلتفاف حول المنتخب إلى حالة من الجدل والصراع.

سؤال لماذا لا يوجد لاعبين مسيحيين في المنتخب باستثناء 3 أو 4 لاعبين عبر تاريخ مصر أشهرهم ؟ لم يثر انقسامًا حادًا مثلما أثار رفع علم فلسطين بعد انتصار مصر في مبارة أستراليا بدور الـ32 من كأس العالم، انقسامًا حادًا وشيوع حالة من التخوين على مواقع التواصل اﻻجتماعي بسبب هذا الموقف.

فاالتفاف حول منتخب مصر، تحول إلى صراع بين الفريق الذي يضع فلسطين في مقدمة أولوياته ويعتبر الموقف منها هو معيار الوطنية بالنسبة ﻷي شخص، بينما هاجم جانب آخر تصرف حسام حسن “العفوي” عقب مباراة أستراليا، جزء منهم مسيحيين وجزء منهم من تيار “كيميت”/ ، الذين يضعون مصر ومصالحها قبل أي شيء. وهنا اشتد الصدام لدرجة أن البعض وصف الرافضين بـ”الصهاينة”، والبعض اﻵخر استخدم لغة اﻹخوان حول متظاهري اﻻتحادية في 5 و6 ديسمبر 2012 بأن غالبيتهم “أقباط”، بأن غالبية “الكميتيين” من المسيحيين وكأنها سُبة أن يكون أولوية المسيحيين، مصر ومصالحها.

وفي خضم هذا الصدام ظهرت أصوات لمسيحيين تدعو لتشجيع منتخب اﻷرجنتين أمام مصر، وتم تحويل منتخب اﻷرجنتين قبل المباراة لداعم إسرائيل، ووصف ليونيل ميسي الذي ليس له ناقة ولا جمل في كل ما يدور على السوشيال ميديا بين المصريين بـ”ال”، وتحولت المباراة لصراع ديني وسياسي، وانقلب اﻻلتفاف حول منتخب مصر من المصريين إلى نزاع ديني، ومكايدات رخيصة بين مختلف المنقسمون، وخفتت الهوية الرئيسية وصعدت الهويات الفرعية للصدام.

خسرنا المباراة ولم نخرج فقط من المونديال لنقيم التجربة بشكل عقلاني، بل انتشرت نظريات المؤامرة في تحليلات الناس، وتحول اﻷمر وكأنها خسارة في الحرب، وصارت هناك ردود فعل عنيفة، فمثلًا ليونيل ميسي وكرستيانو رونالدو يتمتعون بشعبية عابرة لفكرة تشجيع الفرق والمنتخبات وفي كل دول العالم هناك من هو متيم بهم خصوصا الأطفال، فنجد طبيبة تعلن عن عدم تعاطفها مع طفل جاء لها العيادة بسبب محبته لميسي، وغيرها من المواقف التي ظهر فيها العنف وتصرفات غوغائية.

خلال المونديال أثير التساؤل حول عدم تواجد لاعبين مسيحيين في المنتخب واﻷندية، حيث يوجد أرث قديم من رفض اﻷطفال بسبب دياناتهم من قبل القائمين على اختيار اﻷطفال باختبارات الناشئين بمختلف اﻷندية، حتى جاءت واقعة الطفل بنادي اﻻتحاد السكندري مع المدرب أحمد ساري، وانتشرت قصة رفض الطفل التي روتها والدته على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم لتؤكد تلك الصورة القديمة، لكن هذه المرة كان التصرف مختلف من قبل الدولة ممثلة في وزارة الشباب والرياضة.

فبينما بحثت إدارة نادي اﻻتحاد عن الطفل لتقديم اﻻعتذار له وإعلان قبوله بالنادي وأن اﻷمر غير مقصود، وظهر منشور من المدرب أحمد ساري عبر حسابه على فيسبوك لتوضيح موقفه، مسحه فيما بعد، أعلنت وازرة الشباب والرياضة أنها حققت في الموضوع وثبت ممارسة التمييز من قبل المدرب تجاه الطفل، وأرجعت اﻷمر لنادي اﻻتحاد لتوقيع العقوبة على المدرب وتحويل الأمر إلى النيابة العامة، وتم إيقاف المدرب 6 أشهر.


ثم ظهر ماجد سامي صاحب نادي وادي دجلة، ليثير الجدل بعدما أشار إلى أن أسماء الأطفال المسيحيين التي توضح هويتهم الدينية قد تكون سببًا في إبعادهم، وهذا من وجهة نظري مبرر واهٍ، ﻷنه يطلب من الضحية التي يقع عليها فعل التمييز أن تقدم تنازلات بدلًا من مواجهة الجاني مرتكب التمييز، متناسيًا أن بعض اﻷشخاص يسألون الشخص صاحب الاسم المشترك الذي لا يُظهر هوية دينية حتى اسمه الرابع أو الخامس لمعرفة هويته الدينية، ويتناسى أن هناك بطاقة رقم قومي وشهادة ميلاد يظهر فيها ديانة الشخص، ودعواته هي عكس التصرف السليم من وزارة الشباب والرياضة بالتحقيق وإعلان النتيجة بشفافية ضد فعل التمييز، وتوقيع العقاب، ونتمنى أن تكون هذه اﻹجراءات هي التصرف الطبيعي في أي موقف ليس فيما يخص التمييز بل وأي شبهة فساد.


يرى البعض أن التمييز تجاه المسيحيين في مجال كرة القدم ممنهج، وأنا أرى أنه لا يوجد عمل منظم تقف خلفه المنظومة ﻻستبعاد المسيحيين، بل هي في وجهة نظري هي ممارسات فردية ناتجة عن ثقافة عامة شائعة، وسأوضح ما أقصد، فمجال كرة القدم والرياضة عمومًا، يرتبط بسوء اﻹدارة ووجود “الشللية” المسيطرة ليس فقط على إدارة اﻷندية بل “الشلل” تكون عابرة للإعلام والصحافة، واﻻتحادات المختلفة، وكل “شلة” تنارع اﻷخرى لتحتل مساحتها.

وإذا نظرنا إلى غالبية لاعبي كرة القدم، سنجد أن كثير منهم لم يكمل تعليمه أو نال قسط قليل من التعليم باستثاء أسماء قليلة نالت قدر جيد من التعليم والثقافة وتتحدث بأكثر من لغة، في المقابل غالبية اللاعبين رغم الموهبة إلا أن الـ”mentality” أو العقلية التي تحدث عنها سابقًا وتم الهجوم عليه بسبب اﻹشارة لها لا توازي الموهبة، فتنتهي مسيرة لاعب مبكرا بسبب عقليته غير اﻻحترافية، ونفس هذا الشخص الذي قد يكون خرج من بيئة لم يتعلم فيها جيدًا، ويسودها خطاب ديني متشدد في القرى واﻷحياء المختلفة على أطراف القاهرة، بعدما يعتزل اللعب، يتحول إلى مدرب، سواء في النادي الذي كان يلعب به أو بتأسيس أكاديميات كرة ﻻكتشاف اﻷطفال والناشئين، فماذا ننتظر منه؟

وهنا الخطورة فالتمييز لا يمارسه نادي بعينه أو اتحاد معين أو تنظيم مثل اﻹخوان، حاول اختراق أندية كرة القدم وحقق النجاح في ذلك، بل تحول اﻷمر إلى ثقافة عامة تمارس هذا التمييز والتشدد الديني بمنهى اﻷريحية، وتحرم اﻷندية من ﻻعب موهوب وبالتبعية منتخب مصر، ﻷنه مسيحي، حتى أن كثير من المسيحيين بدلًا من مواجهة التمييز استسلموا، ولم يحاولوا الحصول على حقوق أبنائهم مثل والدة مكاري، بل من البداية يبعدون أطفالهم عن كرة القدم للاهتمام بمجالات أخرى أو رياضات أخرى فردية.

لذا حل مشكلة التمييز في كرة القدم لا يعتمد على تغيير ومواجهة التشدد فقط، بل باﻷساس يتطلب من الدولة أن تواجه الفساد اﻹداري، وتضع خطة لتطوير الرياضة عمومًا، وكرة القدم بشكل خاص، باﻻعتماد على الكفاءات والدارسين للإدارة الرياضية والتحليل الفني بشكل أكاديمي، بدلًا من اﻻعتماد على لاعبين سابقين قد يكون كل مؤهلاتهم أنهم لعبوا كرة القدم، وبعضهم لم يحصل على دراسات أكاديمية بل مر للمناصب بسبب الشعبية أو العلاقات -أي اﻻنتماء لشلة-، فإذا وضُعت خطة بشكل علمي وتم وضع الكفاءات في مكانها دون النظر إلى انتماءات ﻷندية أو دينية أو لشلة، ستختفي قصة التمييز الديني وبالعمل والتخطيط تتطور الكرة المصرية، وقد يأتي يوم وتكون مصر منافس حقيقي على كأس العالم.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 5 حسب تقييمات 3 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

پيتر مجدي
[ + مقالات ]

باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- ، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "" () لشبونة 2022.