المقال رقم 4 من 4 في سلسلة المذاهب والطوائف اليهودية

6 – الصدوقيون

العدائية الموجودة بين ال وال في أيام العهد الجديد كانت مؤكدة لتوضح أن الجماعة الأولى نشأت من رد فعل تزمُّت الأخيرة. وأكثر من ذلك، كما نرى، أن الاثنين نشأ بسبب رغبة الجزء الأكبر المُخلِص من اليهود للحفاظ على نقاوة الديانة اليهودية، حيث تهتز بسبب الوثنيين المعاندين.

ويقول ، في أول ذكره للصدوقيين، في تاريخ [1]، يقول ببساطة إن آراؤهم عكس تلك التي للفريسيين تمامًا.

وهناك تقليد يهودي متواتر يَنْسب أصلهم واسمهم إلى صدوق تلميذ أنتيجونس (170-200 ق.م.)، الذي يُقال إنه علم أن هذه الفضيلة تفلح لعرض نفسها بلا حساب للنتائج أو أمل في ثواب في المستقبل… فكرة نبيلة! بينما بعد ذلك إعوجت إلى إنكار الثواب نفسه!!

أما أفضل الدارسين فإنهم يرفضون هذا التقليد. وهذا الصادوق غير معروف لكتَّاب ال المبكرين، ويكون من الخطأ أن ندعو اسم جماعة يهودية باسم مكتشفها. ولا زال غير محتمل أن يكون اشتقاق الاسم من صادوق رئيس الكهنة في أيام داود، وهكذا تسمى الصدوقيون بسببه “كجماعة كهنوتية”، وكلمة “صدِّيق” توضح معنى الكلمة.

ومن كلمة حسيديم انتشرت تدريجيًّا فئة من الرجال الذين أصروا أساسًا على تبني الآداب والأخلاق العامة، كما فعل الفريسيون على دقة العبادة، ومع مرور الوقت على التدقيق في كل الأمور.

والصدوقيون (أو قسم منهم) يُدعون في التلمود باسم “بوثيوس” وهو تلميذ آخر لأنتيج. وسمُّوا أيضًا باسم القارئين، وذلك من التصاقهم بالكلمة المكتوبة. ولكن هذه التسمية الأخيرة يُحتمل أن تكون أقدم من الأصل عن أيام العهد الجديد، واليهود القارئين لا زالوا موجودين بأعداد كبيرة كجماعة خاصة أساسًا في النمسا وروسيا وتركيا.
وبالإجمال، فإن أصل الصدوقيون هو مفتاح لتاريخهم.

ويرى العلماء المتخصصون إن تسميتهم تنحدر من بساطة أساسياتهم البدائية. لذا علَّم إبيكوروس [2] إن السعادة الحقيقية تكمن في الفضيلة فقط، وأصبح “الي” باحث عن السعادة المطلقة. بينما تمسَّك زينو Zeno [3] بأن ضبط النفس هو التفوق الأعظم. أما الرواقيون فقد امتهنوا الغرائز والمشاعر الإنسانية.

من هم الرواقيون؟

الرواقية: هي مذهب فلسفي يوناني أسسه الفيلسوف اليوناني زينون في أثينا في بدايات القرن الثالث قبل الميلاد. ومن أقواله: إن العالم كلٌّ عضوي، تتخلله قوة الله الفاعلة، وإن رأس الحكمة هو معرفة هذا الكل، مع التأكيد أن الإنسان لا يستطيع أن يلتمس هذه المعرفة، إلا إذا كبح جماح عواطفه، وتحرر من الانفعال.

وقد دُعيَ هؤلاء بالرواقيين أو أصحاب المظلة أو حكماء المظال، لأنهم عقدوا اجتماعاتهم في الأروقة في أثينا، حوالي عام 300 ق. م. ومن أشهر الرواقيين المتأخرين، العلامة (4 ق. م. – 65 م)، والإمبراطور (121 – 180 م). وقد انتشرت الفلسفة ال حتى أُغلقت كل مدارسها في عام 529م بأوامر من الإمبراطور جوستينيان الأول.

ومن وجهة نظر الرواقيين فإن الفلسفة هي ممارسة الفضيلة، والفضيلة بأعلى أشكالها هي المنفعة، وتكون مبنية على مُثُل المنطق، والمادية الأحادية، والأخلاق الطبيعية. وتشكل هذه المُثُل الثلاثة فضيلة ضرورية “لعيش حياة عقلانية،” نظرًا لأنها جميعها أجزاء من اللوغُس أو الخطاب الفلسفي، الذي يتضمن حوار العقل مع نفسه.

وتعلم الرواقية تنمية ضبط النفس كوسيلة للتغلب على المشاعر المؤذية؛ وترى أن الإنسان حاضر الذهن وغير المتحيز يمكنه أن يفهم المنطق الكلي الذي هو اللوغُوس. ويتضمن الجانب الأساسي للرواقية تحسين الرفاهية الأخلاقية والمعنوية للفرد، فتقول: تتكون الفضيلة من إرادة متناغمة مع الطبيعة.

أثر الرواقية على الصدوقيين

وهكذا بدأ الصدوقيون بالالتزام الأول بالأخلاق، وانتهوا إلى المذهب الأخلاقي التعقلي المطلق، بينما بسبب رفضهم ما أُضيف على التعاليم الشفهية للقانون الموسوي، ساروا إلى إنكار أي تعاليم مُدَرَّسة حرفيًا أو تنظيميًا دون أن يكونوا هم القائمين عليها، كمثل تلك التي للحياة بعد الموت (أي الحياة الأبدية). ومن الممكن أيضًا إن “الشك” في فكرة المجازاة في الحياة الأبدية، كان مبالغٌ فيها. وعدم الإيمان في الحياة الأبدية أدى إلى الاستنتاج أنه لا يوجد “لا ملائكة ولا أرواح”، بينما من الصعب أن نرى كيف توافقت هذه العقيدة مع الترجمة الحرفية للأسفار الخمسة.

ومن المعقول أنه “بالملائكة” عزم الصدوقيون على تحرير الروح البشرية [4]. وقد كانت الفلسفة الأخلاقية للصدوقيين تقوم على الإيمان بالحرية المطلقة لإرادة الإنسان. وهنا أيضًا كانوا في صدام مع الفريسيين الذين تمسكوا بنظرية التأثير الإلهي التي تعمل دائمًا على خلاص النفس.

ويقول يوسيفوس: ينسب الفريسيون كل الأشياء إلى القدر وإلى الله. [5] كما تبالغ هذه النظرية في فكرة القضاء والقدر، والحكم بحرية الإنسان، مما يدفع إلى نزع فكرة العناية الإلهية كلها، وإلى هذا الحدّ يبدو إن كثير من الصدوقيين قد سقطوا.

ويبدو إن آراء الصدوقيون كانت سائدة أساسًا أو جزئيًّا بين الطبقات العليا من الشعب اليهودي. ويظهر ذلك من كلام يوسيفوس حين يقول: إنهم غير قادرين على إقناع أحد إلا الأغنياء فقط؛ ولكن الجموع كانت في صف الفريسيين. [6]

وفي أيام التلاميذ كان رئيس الكهنة الأعظم وجماعته كانوا من جماعة الصدوقيين [7]. وقد اعترف رئيس ربع (والي الجليل وشرق الأردن)، بقبول عقائدهم، بينما ضميره أثبت كثير من التعفن حين خاف أن يكون –في يسوع– قد قام من الأموات [8].

الصدوقيون، كأكثر الجماعات غنىً في الأمة، أصبحت مسلِّمة بالأمور السائدة للأشياء؛ وحين فقدت كثير من الغيرة والحماس وحرارة الإيمان الأول، أصبحوا بكل سهولة متعاونين مع الحكومة الحالية. ويوحنا المعمدان أدرج الصدوقيون مع الفريسيين “كجيل” أو أولاد “الأفاعي” [9]، جيل سام وخطير.

والصدوقيون كمثل الفريسيين حاولوا أن يوقعوا ربنا يسوع المسيح في فخٍ من التساؤلات الخبيثة [10]، ويسوع حذر تلاميذه من خمير الفريسيين والصدوقيين، أي التعاليم المضرة للإثنين [11]. وعامة، أينما يظهر الإنسان صاحب التدين الظاهري، فالإنسان المتدين الشكاك أو المرتاب لا يكون بعيدًا.

المعاداة للرب يسوع

و بالإجمال، حتى الآن، كان الصدوقيون أقل بروزًا عن الفريسيين في معاداتهم لربنا يسوع المسيح، ولا يبدو إنهم كمثل الفريسيين، قد دبروا مشاورات ضد حياته [12]. ولكن حنان وقيافا كانوا من جماعة الصدوقيين، أي من الطبقة الأرستقراطية الكهنوتية. كما أن القديس لم يذكرهم ولا مرة واحدة. وربما هم أنفسهم لم يهتموا بمسألة المسيا (أي مجيء المسيح المخلص)، إذ كانوا حاملين لآرائهم هذه. وربما أيضًا كانت بدرب من الغطرسة أكثر منها بالغضب مما اعتبروه من دعاوى تعاليم الرب. ولكن عند استعلان القيامة أثيروا إلى حد الغضب، وتبعًا لذلك رأينا اضطهادهم الوحيد المعروف ضد الرسل الذين بشروا بأن يسوع المسيح قد قام [13].

هذه الحقيقة تعتبر مثال صارخ “للتطابق غير المدبر” بين سفر الأعمال وتاريخ الإنجيل.

ويمكن أن يضاف أنه لم تصل إلينا أي كتابات للصدوقيين، وبعد خراب أورشليم وحرق هيكل أورشليم، لم يُسمع عنهم قط، لأنهم كانوا كهنة الهيكل، وحتى القرن السابع نُسيَ أصلهم. (العالم Ginsburg).

هوامش ومصادر:
  1. Ant. XIII, 10, 6. [🡁]
  2. إبيكوروس / أبيقور: (341-270 BC) هو فيلسوف يوناني، أسس المدرسة الإبيقورية، ومن مبادئها أن أفضل ما يعيش به الإنسان هو السلام الداخلي والعيش بأسلوب بسيط وحياة فيها الفضيلة الخالية من المخاوف المادية. [🡁]
  3. الفيلسوف زينون: (335-263 BC) هو أحد الفلاسفة اليونانيين. اعتمد في فلسفته على أهمية المنطق والمعرفة. قليل من كتاباته وصل إلينا، ولكنها أثرت تأثيرًا بالغًا في تطور الفكر الفلسفي والأخلاقي في الثقافة اليونانية والرومانية، في ذلك الزمان [🡁]
  4. سفر أعمال الرسل 12: 15، قارن مع إنجيل متى 14: 26، إنجيل لوقا 24: 37 [🡁]
  5. Wars, ii, 8, 14. [🡁]
  6. Ant. xiii, 10, 6 [🡁]
  7. سفر أعمال الرسل 4: 1؛ 5: 17 [🡁]
  8. إنجيل مرقس 6: 14-16 [🡁]
  9. إنجيل متى 3: 7 [🡁]
  10. إنجيل متى 16: 1 و22: 23 [🡁]
  11. إنجيل متى 16: 6 و11 [🡁]
  12. انظر إنجيل يوحنا 7: 32 و11: 47 [🡁]
  13. سفر أعمال الرسل 4: 1-3 [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ المذاهب والطوائف اليهودية[الجزء السابق] 🠼 المذاهب والطوائف اليهودية [٣]
برتي المقاري
راهب في دير القديس الأنبا مقار الكبير   [ + مقالات ]