كثرت في الآونة الأخيرة حالات الميلاد في عائلات منتشرة بيننا، وبذلك عاد النقاش حول مدة بقاء الأم الوالدة في بيتها، دون النقاش عن سبب هذا البقاء وعدم ذهابها إلى الكنيسة أو التناول من الأسرار المقدسة. لذلك رأيت أن أوضح بعض النقاط بحثت عنها في كتابات الأولين، فلم أجد لها إجابات.
يقول النص الإنجيلي:
وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: «كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: إِذَا حَبِلَتِ امْرَأَةٌ وَوَلَدَتْ ذَكَرًا، تَكُونُ نَجِسَةً سَبْعَةَ أَيَّامٍ. كَمَا فِي أَيَّامِ طَمْثِ عِلَّتِهَا تَكُونُ نَجِسَةً. وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ يُخْتَنُ لَحْمُ غُرْلَتِهِ. ثُمَّ تُقِيمُ ثَلاَثَةً وَثَلاَثِينَ يَوْمًا فِي دَمِ تَطْهِيرِهَا. كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّسٍ لاَ تَمَسَّ، وَإِلَى الْمَقْدِسِ لاَ تَجِئْ حَتَّى تَكْمُلَ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا. وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى، تَكُونُ نَجِسَةً أُسْبُوعَيْنِ كَمَا فِي طَمْثِهَا. ثُمَّ تُقِيمُ سِتَّةً وَسِتِّينَ يَوْمًا فِي دَمِ تَطْهِيرِهَا. وَمَتَى كَمُلَتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا لأَجْلِ ابْنٍ أَوِ ابْنَةٍ، تَأْتِي بِخَرُوفٍ حَوْلِيٍّ مُحْرَقَةً، وَفَرْخِ حَمَامَةٍ أَوْ يَمَامَةٍ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، إِلَى الْكَاهِنِ، فَيُقَدِّمُهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ وَيُكَفِّرُ عَنْهَا، فَتَطْهُرُ مِنْ يَنْبُوعِ دَمِهَا. هذِهِ شَرِيعَةُ الَّتِي تَلِدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. وَإِنْ لَمْ تَنَلْ يَدُهَا كِفَايَةً لِشَاةٍ تَأْخُذُ يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ، الْوَاحِدَ مُحْرَقَةً، وَالآخَرَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، فَيُكَفِّرُ عَنْهَا الْكَاهِنُ فَتَطْهُرُ».(سفر اللاويين 12: 1-8)
قول الرب لا غبار عليه، هو حقٌّ كل الحق. لذلك لا اعتراض عليه، ولكن ينبغي توضيحه.
ففي التقليد اليهودي كل ما يؤدي إلى فقدان الحياة أو ما يشبه هذا المسبب، يعتبر ذلك فيه ما يلوِّث الإنسان بما يسمى “النجاسة.” لذلك تحاشى اليهود عامة هذه الأمور، وهي وجهة نظرهم نتيجة كثرة ما عانوه في تاريخهم الطويل. ونلفت النظر هنا بالمقارنة إلى تاريخ الأقباط وما عانوه من استشهاد الشهداء واحتفاظهم بدماءهم بكرامة ونبلٍ؛ أمرٌ ينبغي أن نقدره جيدًا.
نعود إلى نص سفر اللاويين، وقد فهمنا الدعوة إلى البعد عن كل ما هو مقدَّس في فترة سبعة أيام في حالة ولادة الابن الذكر، ثم تليها ثلاثة وثلاثون يومًا أخرى تكملة لما يسمى “فترة تطهير” المرأة (ما مجموعه أربعون يومًا). وفي حالة الابنة تكون الفترة الأولى أسبوعين، ثم خمسة وستون يومًا لتكملة فترة “التطهير” (ما مجموعه ثمانون يومًا). وهنا جاء السؤال: “لماذا؟”
وهنا أتوجه إلى السائل وأقول: يا عزيزي، عُد إلى ما حدث أصلًا، حتى تدرك ما يستدعي كل ذلك!
لقد تكوَّن داخل الأم جنين نابض، ذو جسدٍ كامل، يتغذى من دم الأم وينمو يومًا بعد يوم، وقد نتج عن ذلك إنه اكتمل وصار قادرًا على أن يتنفس ويتحرك في أيامه الأولى، وظهرت عليه العلامات الحيوية في كل أجهزته. لذلك، فمن الطبيعي جدًا أن يحتاج هذا الكائن الذي تكوَّن داخل الأم أن يخرج إلى الكون الذي خُلق فيه، لكي يتنفس الهواء الطبيعي الذي هيأه الله تبارك اسمه لكل كائن حيٍّ.
وعملية الميلاد في حدِّ ذاتها، هي خروج كائن حي من كائن حي آخر أكبر منه. فمن الطبيعي في كل ذلك أن يكون انبثاق الكائن الضعيف من الكائن الأكبر له متطلباته لكي يكون هذا الانبثاق صحيحًا ومحافظًا على أعضائه بغير عطب أو ضرر.
وقد هيأ الله أن يكون هذا الميلاد مصحوبًا بتكوُّن مواد طبيعية حيوية تساعد الأم على سهولة هذا الميلاد؛ بالتالي فتلك المواد بعد أن تؤدي دورها، يكون من الطبيعي أن يغتسل هذا المولود أو المولودة لكي يأخذ دوره أو دورها في الحياة: طفلًا كاملًا يبدأ في النمو والرقي يومًا بعد يوم.
لذا فكانت هذه المرحلة التي تصل إلى 9 شهور، هي إعداد مرتب من الله لكي يكون هذا الطفل مهيئًا للحياة في هذا الكون بسلام.
تكريم الأم التي ولدت الأنثى:
نعود إلى الأم التي ولدت جنينها فأصبح طفلاً ذكرًا أو أنثى.
ففي حالة ميلاد الطفل الذكر:
سبعة أيام تبقى فيها الأم مشغولة بالطفل، ثم 33 يومًا تكمل أيام تطهيرها. والحاصل هو 40 يومًا من الانعزال المنزلي.
وفي حالة ميلاد الطفل الأنثى:
أسبوعان تبقى فيها الأم مشغولة بابنتها، ثم 65 يومًا تكمل أيام تطهيرها. والحاصل هو 80 يومًا من الانعزال المنزلي.
والسؤال هنا هو: لماذا 40 يومًا للذكر، و80 يومًا للأنثى؟
أولًا: بحثتُ في كل المصادر والشروحات القديمة والحديثة، ولكن لم أجد نصًا واحدًا يُشيد بالجهد الذي تتحمله الأم في فترة الحمل. لذلك ففترة الانعزال الكلي عن كل ما هو مقدس هي لهدف ينبغي أن نحسبه على أنه تقدير من الرب الإله لتلك المرأة التي تعبت 9 شهور كاملة في حملها، لذلك يكرِّمها الرب الإله لكي تكون “هي” من يُحجُّ إليها، لأنها مستحقة هذا التكريم، لكي يتقرب كل من له صلة بها، فينال من تكريم الرب الإله لها. لأني أحسب أن انعزالها عن الخدمة والصلاة في أماكن العبادة، هو لأجل إتاحة الفرصة الأكثر للمحيطين بالأم الوالدة لكي تبجَّل من المحيطين بها، إذ قد ينالها من الأقارب ما يزيح عنها ثقل آلامها التي تكبدتها طوال التسعة أشهر الخاصة بالحمل.
لذلك، تظل الأم الوالدة مهتمة بطفلها: 40 يومًا في حالة المولود الذكر، و80 يومًا في حالة المولود الأنثى؛ ولماذا (80)؟ ذلك لأن تلك الطفلة المولودة حديثًا سوف تأتي في سنوات عمرها القادم بنسلٍ جديد يعمّر الأرض، فكان تقدير الرب الإله للأم مضاعفًا، لتقديره الجم لما أفرزته تلك الأم للبشرية.
فمبارك هو الرب الإله الذي يبارك خليقته ويعطيها التقدير اللائق بها.
ملحوظة:
راجع تفاسير الآباء جميعًا على سفر اللاويين، الإصحاح 12.
