5 – الفريسيون
على عكس “الخليط” الذي تكلمنا عنه، بين الفريسيون والصدوقيون والأسينيون، فقد نمت أخوية توصف باسم “الانشقاقيين” وبالعبرية: بيروشيم؛ وهذا يترجم في اليونانية باسم “فريسيين،” وهو الاسم الذي أشاروا هم إليه (chaberim أو “المنضمين” أو “الموحَّدين”)؛ ولا نستطيع أن نحدد متى وأين اتخذت الجماعة شكلها.
أما كلمة “فريسي” فلم توجد في العهد القديم أو الأبوكريفا، بينما وجودها ظهر مبكرًا عند يوسيفوس في حوليات يوناثان رئيس الكهنة (144 ق.م.) [1] وجون هيركانوس (109 ق.م.)، حينما كان نفوذ الجماعة قوي وله تبجيل كثير.
وقد وضع الفريسيون نقطتين هامتين ذوو أهمية عظمى وعلى كل منهم ضمان مطلوب كشرط للدخول إلى الجماعة: أحدهما الالتزام بدفع كل العشور قبل استعمال أو بيع أية سلعة، ولا يسمح أن يؤكل أي شيء قبل فرض العشور التي لم يكن ورائها أي شك.
أما النقطة الأخرى فتتعلق بالاحتراس من كل النجاسات، مع الانتباه إلى عدة قوانين موضوعة، معظمها بسيط وسطحي. ويشير ربنا يسوع إلى هاتين الصفتين اللتين للفريسية في إنجيل معلمنا متى البشير 23: 23 و25.
ولكن النقطة الأساسية والرئيسة في الأهمية، فترجع إلى انتباه الفريسيين إلى “القانون الشفهي،” وهو سلسلة من التفسيرات والإيضاحات للنبوات الروحية المسلَّمة من معلم إلى معلم (راباي Rabbi)، مكونة بذلك نظامًا محكم ودقيق يمتد إلى كل تفاصيل العبادة والحياة. وهكذا، فقد نسجت “تقاليد الشيوخ” بكل دقة وحنكة حول كلمة الرب، أي التوراة، أي كلمات العهد القديم.
وفي حين يقصدون حماية التوراة، أو إلى تقليل المخاطرة بكسره، أصبحت هذه التقاليد في تزايدها، تزيد التباعد عن أصل وغرض معناها وبذلك أصبحت ثقلاً على النفس. بالتالي فقد حلَّت الشكلية محل الديانة الروحية، بالتالي “الانفصالية” لهذا التآخي، كما يتضح ذلك من شكل ثيابهم الطويلة ذات الطرز المتنوعة وعصائبهم العريضة، وصلواتهم الطويلة التي يتلونها في المجامع، أو في الطرق، وفي ساعات النهار. وكذلك بالإفتاء بتعاليمهم وعدم الثبات في حياتهم. كل هذا أثبت أن تقواهم هي إلى حدٍّ كبير مبنية على التصنع.
مخيف جدًا الاتهام الذي قدمه ربنا يسوع المسيح على الفريسيين، كما كتب في متى 23، ومرقس 7، ولوقا 11. وقد كانوا العقبة الرئيسية في قبول المسيح وإنجيله. كان من المستحيل لهم أن يقبلوا روحانية تعاليمه أو ينزلوا إلى وداعة من تبعوه. كانت روحهم ذات كفاءة ذاتية وكبرياء.
وحينما بشر يوحنا المعمدان في البرية بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، تنحى العدد الكبير من الفريسيين [2]، ولكن ليس كلهم [3]، بل كانوا يشكرون الله إنهم ليسوا “مثل باقي الناس” [4]. ولكن بينما يغالون في تقدير أنفسهم إلى السماء، أصبحوا حقاً “أبناء الهاوية” [5].
وبلا شك فقد كان هناك جانب آخر للشخصية الفريسية: فقد كانوا يؤمنون ببعض التعاليم العظيمة مثل القيامة والحياة الأبدية. وذلك كان بصلابة غير معهودة بين الشعب ككل؛ بينما تدقيقهم على بعض الملاحظات الروحية، فقد كانت ذات نفع ضروري لمجابهة الانحلال السائد في ذلك الوقت. وقد اعتبر القديس بولس الرسول هذا كامتياز أمام معلمي اليهودية: “كفريسي ابن فريسي” [6].
وكمثل اليسوعيين في الكنيسة الرومانية، فقد أثبت الفريسيين عظم كفاءات نظام ديانتهم، وإن كان (مثلهم) وجدوها ناقصة.
وواضح أنه كان هناك تطرف في تصرفاتهم، فالأفضل والأردأ من بين الشعب كانوا من الفريسيين! ولكن في أفضلهم كان هناك تعصب وضيق أفق وهذا ظهر منه رد الفعل الحتمي في الأردأ.
وسياسيًا، كان الفريسيون هم الجزء الهام والمحافظ بدقة على انعزال واستقلال الشعب اليهودي، أمام كل المحاولات لدفعهم للولاء للحكم الروماني.
وقد اعتبروا أنفسهم حماة القانون الإلهي، وأنهم الورثة الشرعيون، واثقين ضمنًا أن الله هو الذي اختارهم ليكونوا الشعب المختار، وإنه سيحفظهم ويحوط حولهم وحول ذويهم من كل الأخطار الخارجية التي هزت كيان الأمة في ذلك الوقت.
وقد كانوا مدركين بشدة بالاقتناع أنه ما داموا هم مخلصين إلى ربهم، فليس هناك قوة أرضية، مهما كانت هائلة، تستطيع أن تقترب لتغتصب ورثته المختارين.
وهكذا، عند جلوس هيرودس السادس على العرش، رفض آلاف من الفريسيين أن يعطوه عهد الولاء، ولكن “أُخضعوا بيد قوية”، وهكذا إلى حد تجرؤهم كانوا دائمًا مضادين للقانون الروماني. وعلى هذا الحال، اختلفوا ما بين إنهم مناصرين لخدام الصدوقيين، ومضادين للهيرودسيين الرومانيين.
وعند اتحاد هؤلاء الثلاثة في عداوتهم للمسيح، يظهر كيف يكشف الخطأ المتعدد الأشكال في معاداتهم للحق.
وعامة، فإن عدد الفريسيين كان صغيرًا بالنسبة لسلطانهم العظيم بين الشعب. وبعد خراب أورشليم اختفوا كجماعة مميزة، ولكن تعاليمهم وروحهم أعطت وزنًا لليهودية الحديثة.
رأي التلمود الألماني في الفريسيين
التلمود يتهكم على النسخ العديدة من التقسيمات وتحت التقسيمات التي عملها معلمي الفريسية، ويميز سبع درجات من الفريسيين، واحدة فقط هم المستحقين لهذا الاسم. هؤلاء هم:
- هؤلاء الذين يعملون إرادة الله بدوافع أرضية.
- هؤلاء الذين يعملون قليلًا أو يقولون “انتظر قليلًا، فإن لديَّ عمل واحد جيد لأتممه.
- هؤلاء الذين يطرقون بوجوههم في الحائط حتى لا يروا امرأة.
- قديسين في الخدمة.
- هؤلاء الذين يتوسلون إليك لتذكر لهم مهام إضافية ليكملوها.
- الأتقياء بسبب خوفهم من الله.
- الفريسي الحقيقي الوحيد هو “الذي يعمل إرادة الله أبيه السماوي لأنه يحبه.”
![المذاهب والطوائف اليهودية [٣] برتي المقاري](https://tabcm.net/media/2024/04/%D8%A8%D8%B1%D8%AA%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A2-150x150.webp)