المقال رقم 2 من 2 في سلسلة المذاهب والطوائف اليهودية

4 – النذيريون Nazirites

ينبغي أن يُقال أولًا إن ال (من نَذَرَ بالعبرية)، لم يُكوِّنوا لهم جماعة أو طائفة خاصة بهم، بل كانت نذورهم والتزاماتهم شخصية بحتة، تخصهم هم أنفسهم فقط، وهي باختصار: [الإقلاع عن الشراب المسكر، وحتى عن نتاج الكرمة بكل صوره، وترك الشعر لينمو، وألا يقترب من الموتى]. وهذه القوانين مذكورة في سفر العدد الإصحاح السادس (1-31).

ويظن البعض، وهم غير متيقنين من ذلك، أن هذا المسلك أخذه اليهود عن المصريين. وأساس عهد النذر هو التكريس لله، والتفرُّد الخارجي والمؤقت يؤكدان الإلتزام طويل الأمد.

وما يصاحب النذير من رموز كانت بسيطة للغاية، لا تتطلب عزلة أو توحدًا طقسيًا، ولا تتعارض بأية طريقة مع مهام الحياة اليومية. وكان طول الشعر هو العلامة الوحيدة المميزة للنذير. وأيام النذر كان يمكن أن تطول أو تقصر حسب رغبة النذير.

الكتَّاب اليهود يخبرون أن المدة العادية كانت 30 يومًا. ولكن النذور كانت أحيانًا تمتد إلى 60 أو 100 يوم، أو حتى إلى مدد أطول [1].

وعند انقضاء النذر، يقدم النذير نفسه أمام الهيكل ومعه مجموعة كاملة من الذبائح، ويتقدم ومعه أيضًا خصلات من شعره التي سبق حرقها في نار المحرقة. ومعنى هذه المراسيم مزدوج، من جهة التحرر من الرباطات الخاصة التي كان مرتبطًا بها؛ ولكن من الجهة الأخرى النذر بحياة الطهارة والقداسة التي كانت ترمز إليها كل الذبائح.

وتبعًا لنذر هؤلاء هناك تكريس سري للحياة كلها لله؛ وكان ذلك ملائم خاصة للشباب، وكما تشرح التفاصيل المذكورة في الكتب عن هذا الموضوع، فهناك تلميحات أن هذه الفترة من الحياة هي المختارة عادة للنذر. [2]. كان نذرها [3] أنقى من الثلج وأكثر بياضًا من اللبن وأجسامهم أشد حمرة من المرجان. جَرَزَهم كالياقوت الأزرق. وتوجد مشابهة مدهشة بين رموز المنذورين وبين التكريس لرؤساء الكهنة [4].

المنتذر أو المنفرد إذًا ينبه للمثال الأعظم للحياة المقدسة، أي تكريس نفسي كهنوتي لله. والكُتَّاب اليهود يفرقون بين نذير الأيام ونذير الحياة. والنوع الأخير كانوا يكَرَسون من الطفولة، لسبب خاص، وهو للامتثال لحياة طويلة الأمد للعهد النذري [5].

هكذا كان شمشون، الوحيد المذكور في الكتاب المقدس كنذير صريح [6]، وكذلك صموئيل [7]، و [8]. يعقوب أخو الرب يُعرَف بحسب التقليد كنذير. أما إن كان هذا النوع من النذر هو المتعارف عليه قبل أو بعد هذا الزمان فلا يمكننا أن نستنتج حسب تدبير الكتاب المقدس.

العالم Ewald يفترض أن أفراد طائفة النذير (نذير الحياة)، كانوا كثيرين في الأيام الأولى فقط، وأنهم تزايدوا في فترات الحماس الديني والسياسي. المراجع في الكتاب المقدس والأبوكريفا تشير إلى نذير الأيام [9].

وفي تاريخ نقرأ عن 4 أشخاص من هذه الطائفة، حيث شارك هو نفسه في الطقوس النذرية [10]. بينما النذير في كنخريا [11] فكانت قطعًا لنوع آخر.

ويبدو أنه من غير المهم أن نذكر إن كلمة نذير Nazirite والأخرى ناصري Nazarene، ليس لهما علاقة ببعضهما. لأن الحرف z في الاثنين يختلف أصلًا في العبرية (زاين وتصاديه). يسوع الناصري لم يكن نذير كما يشير هو نفسه بالنسبة إلى سابقه يوحنا [12].

الفريسيون والصدوقيون والأسينيون

عصر السبي اليهودي، كما يكتب العالم إيمانويل دويتش، كان واحدًا من أكثر الفترات سرية وخطورة في تاريخ البشرية. وما نعرفه عن هذا الزمن إن كثير من السوقة (البلطجية) المتهورة الخشنة الملحدة، قد عادوا بل تغيروا إلى حزمة من الرجال ذوي التقوى (مثل طبقة الإنجليز The Puritans).

وهناك نتيجة واحدة لهذا الإنعاش في الإيمان الإسرائيلي، وهو الوقوف الصامد والمنظم ضد محاولات الحكام الوثنيين المتتابعين لنزع الجنسية الإسرائيلية وإعادة عبادة الأصنام للأمة.

وحقًا إن البعض في البلاد الشمالية لم يستطيعوا مقاومة الفتنة، بالتالي تحت سلطان أنطيوخوس ملك سوريا (175 ق م – 164 ق م)، قدم ياسون الكاهن الأعظم تقاليد عبادة الأصنام إلى أورشليم وأرسل تقدمات إلى هيركوليس إلهة صور (Tyre).

هذه الفترة كانت فترة مَذَلة للشعب، ولكن قلب الأمة كان مستقيمًا والمحاربات الشريفة لل أمام الطاغية معروفة لكل قراء التاريخ اليهودي.

كان هناك بين هذه الجماعات خصام مطوَّل، مقابل تآخيًا تحت اسم الأسيديين Assideans، وهم مفسرون بعبارة “رجال إسرائيل الأشداء”، وهم معتمدين على تكريس حياتهم بكل تقوى على ال؛ [13] وقطعًا هذه التسمية يونانية مترجمة من الكلمة العبرية “الحسيديم” أي “الأتقياء” أو لكي نتخذ اسماً جديدًا: “”.

ومن هذا التآخي الذي رباط شركته الموحد كان التصميم على تكريس حياتهم ليناصروا وحدانية التوراة؛ يبدو أنه نبع منه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، الثلاث مذاهب الكبرى: “” و”الصدوقيون” و”ال”.

ومثلما ابتعدت هذه المذاهب عن بعضها ونشأت مرارة النزاع المتبادل، فقد بدأوا كلهم من نفس النقطة وهي: الالتصاق القوي بالإيمان القومي.

وبينما يضع الفريسيون تأكيدهم الأساسي على “الطاعة” المنضبطة، نجدهم ينقادون إلى “الشكلية” والمبالغة في تقييم سلطان الربيين. أما الصدوقيون فكلمة السر عندهم هي إنهم فقدوا كل إحساس بالإعجازية (أي حدوث المعجزات). بينما الأسينيون فمبدأهم الأساسي هو “التحكم في الذات”، ونجدهم ينقادون إلى النسك بطريقة سرية. يذكر كتاب العهد الجديد بعض من هذه المبادىء، والمؤرخ له الكثير ليقوله عنهم كلهم.

هوامش ومصادر:
  1. انظر مثلًا حالة هيلينا ملكة أبيادن: Smith's Dictionary of the Bible, art Nazarite [🡁]
  2. انظر سفر عاموس 2: 11 وسفر مراثي إرميا 4: 7  [🡁]
  3. ربما الكلمة المستعملة هنا تعني “مفروز” في المرتبة (مثلاً: أمراء، “نبلاء” RV؛ “منذورين” في الهامش. ونفس الكلمة مستعملة في سفر التكوين 49: 26 وسفر التثنية 33:16 عن يوسف ابن يعقوب. [🡁]
  4. سفر لاويين 11: 10-12، حيث كلمة إكليل هي المستخدمة في سفر العدد 6: 19 للشعر الطويل للمنتذر[🡁]
  5. انظر سفر خروج 19:6 وسفر إشعياء 61: 6 [🡁]
  6. سفر قضاة 13:7 [🡁]
  7. سفر صموئيل الأول 11:1 [🡁]
  8. إنجيل لوقا 15:1 [🡁]
  9. سفر عاموس 11:2 و12؛ وسفر مكابيين الأول 49:3 [🡁]
  10. سفر أعمال الرسل 23:21 و24 و26 [🡁]
  11. سفر أعمال الرسل 18:18 [🡁]
  12. إنجيل متى 18:11 و19 [🡁]
  13. انظر: سفر ملوك اﻷول 2: 42، 7: 13؛ سفر ملوك الثاني 14: 6. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ المذاهب والطوائف اليهودية[الجزء السابق] 🠼 المذاهب والطوائف اليهودية
برتي المقاري
راهب في دير القديس الأنبا مقار الكبير   [ + مقالات ]