منذ عامين تقريبًا كتبت مقالين بعنوان “كنائس ﻻ تعرف المسيح”، [1] [2] لمناقشة الطبقية التي باتت واضحة داخل بعض الكنائس في التعامل مع مرتاديها، عكس تمامًا ما جاء المسيح من أجله، واليوم نعود ﻹلقاء الضوء على مزيد من التعنت والطبقية التي تمارسها هذه الكنائس تجاه مخدوميها، وانقلبت اﻵية فتحول المخدوم إلى خادم والخادم إلى سيد يجب أن تقدم له فروض الولاء والطاعة.
يوم الجمعة الماضي، ظهر فيديو جديد لشخص نقل مكان سكنه من حي شبرا مصر إلى حي مصر الجديدة. ومن الطبيعي مع هذا الانتقال أن يبحث عن أقرب كنيسة له لحضور القداسات وليذهب أولاده إلى مدارس الأحد. أرى أنه آن الأوان لأن تتوقف، لكن هذا ليس موضوعنا الآن.
كانت أقرب كنيسة هي مار مرقس بشارع كليوباترا. وعلى لسان صاحب الفيديو، سمحت لهم الكنيسة بحضور القداس، وهذا كرم كبير من الكهنة القائمين عليها. حيث أنّ دخول الملكوت أيسر من دخول شخص ليس من سكان مصر الجديدة لكنيسة كليوباترا، إلا لو فقط سيدفع حجز الكنيسة لإكليل، فهنا يتم التغاضي عن موضوع عنوان السكن، حيث تحولت الكنيسة لقاعة أفراح بالحجز.
الأزمة حسب الراوي في الفيديو هي عدم السماح لأولاده بحضور مدارس الأحد، فطلبوا منهم أوراقًا ثبوتية مثل البطاقة الشخصية وعقد الشقة. ولأن العقد إيجار وليس تمليك، فلم يتم قبول الأولاد لحضور مدارس الأحد، حيث لم يمنحوهم ردًا لمدة 6 أشهر حسب كلامه.
وهنا يبرز وجه قبيح لمن يديروا الكنيسة، فكما حولوها قاعة أفراح يتم تأجيرها بالساعة لممارسة سر الزيجة، الذي من المفترض أن يقدم مجانًا، حولوها إلى نادي رياضي واجتماعي، حيث تُمارس نفس الأمور التي تمارسها المدارس الدولية والنوادي في قبول منتسبيها، من معرفة المربع السكني ومستواهم التعليمي واﻻجتماعي والمادي، وربما هذه الممارسة قد تكون مقبولة في بعض النوادي الخاصة، إلا إنه لا يجب أبدًا أن تكون في الكنيسة.
على فرض أن عقد اﻹيجار غير كافٍ ﻻعتبار أن اﻷسرة من سكان مصر الجديدة، وأنه ليس دليل، فماذا يضير من حضور اﻷوﻻد لمدارس الأحد إذا كانت ﻻزالت خدمة تقدم للأطفال ليتعرفوا على المسيح؟ ولكن هذا اﻷمر مردود عليه من صاحب الفيديو ويوضح أن كاهن من كنيسة مار مرقس زارهم في بيتهم بمصر الجديدة وتعرف عليهم.
لا أحد يرفض النظام، لكن ما هو مرفوض هو الممارسات الطبقية التي تصل إلى حد العنصرية، وتفعلها كنائس كثيرة خاصة في اﻷحياء السكنية التي تصنف “راقية”، وأصبحت تجذب انتباه غالبية المسيحيين لما لها من صيت يتم نشره عبر قنوات الكنيسة وأصبح كهنتها نجوم شباك، فالكنيسة لم تعد مكان للقاء الله، بل صارت مؤسسة اجتماعية، والقائمين عليها يفكرون في هذا الدور اﻻجتماعي/ اﻻستثماري/ الرياضي/ الثقافي/ الصحي/ أكثر من دورها الروحي الذي نشات ﻷجله.
يحضرنا القول أن تلاميذ السيد المسيح حتى ﻻ ينصرفوا عن خدمة الكلمة، اختاروا سبعة شمامسة؛ رئيسهم استفانوس أول شهداء المسيحية، للاهتمام بالجانب اﻻجتماعي، لكن من يقولوا على أنفسهم إنهم خلفاء الرسل غالبيتهم تخلى عن الدور الروحي وصار اﻻهتمام بالدور اﻻجتماعي ومشتقاته.
هل هذه التصرفات المعثرة للناس لها علاقة بالمسيح؟ هل هذا ما جاء المسيح ﻷجله؟
في صلوات القداس الغريغوري نقول: وأصلحت اﻷرضيين مع السمائيين وجعلت اﻻثنين واحدا
، ولكن يبدو أنه استطاع جمع اﻷرضيين بالسمائيين ولكن من يقولون إنهم خلفاءه لا يريدون جمع شبرا بمصر الجديدة.
المسيح الذي قبل المرذولين والمرفوضين مثل زكا والسامرية وغيرهم، وقدم المحبة والرحمة والرفق لكل إنسان، والمفترض أن تكون هذه رسالة الكنيسة، لكن نجد أن القائمين على كنيسته ومن ينصبون أنفسهم خلفاءً له لا يتصرفون بروح المسيح، بل يتبعون نهجًا مغايرًا تمامًا لما جاء به المسيح، ولو جاء المسيح اليوم لثار عليهم كما ثار على رؤساء الكهنة في زمنه، بل ربما سيطلقون عليه صبيانهم ممن يسمون أنفسهم “حماة اﻹيمان”، ليهرطقوا المسيح نفسه ويطالبون بصلبه مجددًا.
باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- الأمم المتحدة، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "الصحافة للحوار" مركز الحوار العالمي (كايسيد) لشبونة 2022.
