Search
Close this search box.

لا يمكن الجزم بتاريخ محدد لاشتعال شرارة ، لكن يمكننا القول أن يقظة القومية العربية قد نشأت على استحياء في النّصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما أسس نخبة من المثقّفين العرب، أوّل جمعية عربية عُرفت باسم “الجمعية العلمية السورية” سنة 1857، وكان من أهم أهدافها: دعوة الأمّة العربية إلى النّهوض من تخلّفها، وإلى التخلّص من نير الحكم العثماني، وسرعان ما سيستبدل الهدف الثاني إلى التخلص من نير حكم التاج البريطاني في القريب العاجل، حينما يحكم سيطرته على مصر 1882، وعلى شبه الجزيرة العربية بعد اتفاقية سايكس بيكو 1916.

قبل ذلك التاريخ لم يكن مصطلح القومية العربية رائجًا ومتداولًا، بل ولم تبني القومية العربية على مدى تاريخها القصير أيديولوجية متماسكة، ذلك لأنه لم يكن هناك دول عربية بالشكل المعروف للدولة، بل ولم يكن هناك دول بالأساس، بل بعض القبائل المتناحرة في شبه الجزيرة العربية.

وبالرغم من اعتزاز دول شمال أفريقيا بهوياتها المحلية، مثل المصرية والأمازيغية، لكن الرغبة في وجود كيان واحد يجمع تلك الدول الناطقة بالعربية، والتي يدين أغلبها بالإسلام، كان قويًا، وتضاعفت تلك الرغبة بعد انطلاق الثورة العربية الكبرى على يد الشريف حسين في يونيو 1916، لكن الخسائر التي مُني بها الحسين، وأفول نجم الثورة العربية، والصراع على منصب خليفة المسلمين بين ملك مصر وأمير الأفغان وأمير مكة، بعد سقوط الخلافة في إسطنبول، جعل وهج تلك الرغبة يخبو مرة أخرى، بالتزامن مع إشرافة شمس القومية المصرية، وبداية الحقبة ال ال في مصر منذ عام 1920.

وقتئذ، نجحت النزعة الوطنية المصرية في إحكام سيطرتها على الحياة السياسية والثقافية في مصر، وغابت النزعة القومية العروبية تمامًا، واستمرت أيديولوجية القومية المصرية مسيطرة على الساحة السياسية حتى أوائل الأربعينيات، حين بدأ نجم التنظيمات الإسلامية الفاشية يسطع في الأفق، ويحكم سيطرته تدريجيًا على السياسة والدين والحياة.

في منتصف الأربعينيات، استلهمت أغلب التنظيمات السياسية المصرية مثل ، ، الحزب الوطني، نماذج التنظيمات السلطوية الفاشية والنازية، في خضم صراعها مع إنجلترا، وفشلت الليبرالية المصرية المتمثلة في الأحزاب السياسية الرسمية، وعلى رأسها الوفد، في مواجهتها، وكانت تلك التنظيمات السلطوية بمثابة قبلة الحياة وعودة الروح مرة أخرى للقومية العربية.. في ذلك الإطار، ولد تنظيم الضباط الأحرار، والذي نشأ في السنوات الأولى من الأربعينيات، فكان من الطبيعي أن يستند على نموذج القومية العربية المتطرفة.

البداية الحقيقية للقومية العربية بشكلها الرسمي في مارس 1945 مع تأسيس . تصاعدت حينها نغمة القومية العربية في مقابل انحسار القومية المصرية، وكانت الذروة ما بين عامي 1947 و1948، بالتزامن مع قرار تقسيم فلسطين وإنهاء الانتداب البريطاني، واتحاد الجيوش العربية المشتركة في حرب فلسطين ضد دولة إسرائيل الوليدة، وشكّلت المملكة المصرية أكثرية القوات العربية عددًا. وكانت الخسارة المهينة لجيوش العرب النظامية مقابل العصابات الصهيونية المسلحة، بمثابة حكم الإعدام على القومية المصرية، وإعلان سيطرة القومية العربية البديلة على مشهد الفشل السياسي، إذ شعر القادة العرب بالحاجة الملحة لاتحاد الأبدي، الذي ظل صامدًا حتى الآن، بالرغم من بعض التوتر الذي شاب هذا الاتحاد بعد توقيع السادات منفردًا على ، ونقل مقر جامعة الدول العربية من مقرها الدائم في مصر إلى تونس في الفترة من 1979 وحتى 1990.

ربما أتت النهاية في الواحدة من صباح الأربعاء 23 يوليو 1952، عندما تحرك قلة من صغار ضباط الجيش المصري، يقودهم ظاهريًا اللواء ، وفعليًا البكباشي ، بنية الانقلاب على نظام ال الحاكم، مدفوعين بمعلومات مؤكدة عن أنفضاح سرهم، وانكشاف حركتهم المسماة بـ “الضباط الأحرار”، وقرب أعتقالهم ومحاكمتهم بتهم الخيانة العظمى، والعمل على قلب نظام الحكم، فلم يوجد مفر سوى التحرك مبكرًا لقنص فاروق، على الطريقة المصرية المعروفة “نتغدى بيه قبل ما يتعشى بينا”.

ولسوء حظ تلك البلاد المقهورة، أن يجتمع نجم عبد الناصر المتألق في عنان السماء في تلك الليلة، مع شخصية الملك فاروق الضعيفة، ودعائم نظامه الهش، لتنجح خطة ناصر الهزيلة في الاستيلاء على الحكم في مصر بسهولة تفوق قطع قالب من الزبد بسكينٍ حامٍ، وفي صباح يوم 23 يوليو 1952، استيقظ الشعب المصري على صوت الأجش العميق، وهو يعلن بيان الانقلاب المبارك.

لفظ “أنقلاب” كان اللفظ المستخدم بين الضباط الأحرار حتى طرد الملك فاروق، وعندما أرادوا مخاطبة الشعب استخدموا لفظ “حركة”، ثم أضافوا لها وصف “المباركة” فصارت “الحركة المباركة”، وعندما رحب الشعب بالانقلاب العسكري، استخدموا لفظ “ثورة”

(اللواء محمد نجيب في كتابه كنت رئيسًا لمصر، صفحة 145)

وما أن استقرت أوضاع انقلاب 23 يوليو، وفي نهاية أكتوبر 1952، صدرت أوامر البكباشي جمال عبد الناصر بنقل الضابط “فتحي الديب” من مدرسة ووحدة المظلات التي كان يعمل قائدًا لهما، ليعمل ضمن عشرة أفراد، اختارهم عبد الناصر بنفسه، ليكونوا نواة أعضاء جهاز المخابرات العامة، الجاري إنشاؤه وقتذاك برئاسة ، باعتباره الجهاز البديل لجهاز الثورة السياسي، وصدر التكليف الأول من البكباشي زكريا محي الدين لـ فتحي الديب ليتولى إنشاء فرع الشئون العربية، ويطالبه بإعداد خطة أوّليّة تضم خطوط الحركة لثورة مصر العربية، تمهيدًا لتحرير الوطن العربي “المحتل” بأكمله، وبالفعل تفرغ فتحي الديب لوضع الخطوط العريضة لما طلب منه، وبقى في بيته أسبوعًا قبل أن ينتهي إلى: لا يمكن وضع خطة تفصيلية سليمة قبل أن تتم دراسة ميدانية على الطبيعة للأوضاع السياسية للعالم العربي.

وبعد عام واحد من الانقلاب، انطلقت إذاعة صوت العرب بقيادة فتحي الديب ليغزو بها عبد الناصر العالم العربي، قبل أن ينقلب ناصر على التجربة ال الليبرالية في مصر إبان أزمة مارس 54، ويحيلها إلى دولة ديكتاتورية عسكرية، ولا يكتفي بمصر فقط، بل يسعى وينجح في نشر تجربته الرائدة في الحكم الديكتاتوري العسكري في كل ربوع الوطن العربي المقهور، تحت أوهام ودعاوى القومية العربية ونشر أفكاره “التحررية”.

وبعد دعاية كبيرة صاحبت عودة عبد الناصر من مؤتمر باندونج وتأسيس حركة عدم الانحياز عام 1955، ونجاحه في تجاوز أزمة السويس 1956، تحول عبد الناصر إلى زعيم ملهم بالنسبة لكل الشعوب العربية، ونشأت أحزابًا وتيارات سياسية كالناصرية والبعثية و”القوميين العرب” ملأت الساحات والميادين، وتولت مقاليد الحكم في كل من مصر وسوريا والعراق وليبيا والجزائر واليمن الجنوبي، مدعومة بتأييد ملايين المواطنين في دول عربية عديدة، قبل أن تبدأ هذه الفكرة و”تياراتها” بالتراجع والانحسار، وتحديدًا في ضوء نتائج الهزيمة المُذلّة في حرب يونيو عام 1967، وما تلاها من أحداث وتطورات في الدول المذكورة، والتي ترتبت على، وأفضت إلى فشل الدولة العربية الحديثة في القيام بوظائفها، وتفشي نظم الفساد والاستبداد و”الركود” والبيروقراطية، مع ما صاحبها من صراعات وتصفيات داخلية، وحروب وصراعات عربية. (1)

كل ذلك جعل من عبد الناصر واحدة من الشخصيات الأكثر إثارة للجدل في تاريخنا العربي المعاصر، فهو من نعته نزار قباني بـ “آخر الأنبياء”، ومن ناداه قائلًا: “نعيش معك، نسير معك، نجوع معك.. وحين تموت، نحاول ألا نموت معك”. وهو كذلك من غنى له والشيخ إمام: وانشاله يخربها مداين.. عبد الجبار!! (2)



(1) مقال عن الفكرة القومية… العرب نموذجًا | عريب الرنتاوي | موقع الحرة
(2) مقال القومية العربية.. جذور النشأة واتجاهات المستقبل | موقع مصر العربية

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

بيشوي القمص

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤