Search
Close this search box.
المقال رقم 4 من 7 في سلسلة المسيحية والعنف

في الأجزاء السابقة رأينا حياة المسيح وإن مُحتوى الأناجيل يقدم المسيح كبديل لقيصر، ليس كحاكم أرضي ولكن كمُقدِّم السلام للعالم، الذي يجمع الناس لمملكة الله دون حرب ودون عنف ودون صراع اقتصادي. ووصلنا في نهاية المطاف أنّ الموقف الوحيد الذي فيه عُنف هو اجتياحه للهيكل وقلب موائد الصيارفة والباعة، وناقشنا ما الممكن أن يكون تاريخيًا.

نبدأ من الآن في مناقشة موضوعين:
(۱) آراء الآباء في العُنف.
(۲) آليات قراءة العهد القديم. وسنستحضر مثال وهو تثنية 20: 16-18.

يجب التوضيح أنه ليس من ضمن أهدافي تبرير أي نوع من العُنف في العهد القديم لأسباب لاهوتية. إذ وقتها يمكننا القول أنّ الأمر الإلهي هو المِعيار الموضوعي للأخلاق والله قال “كذا”، إذًا “كذا” هو الأخلاقي ويصبح النقاش منتهيًا قبل أن نبدأ (كما ستقرأ كلام توما ال في النهاية ومن قبله وس). لكن لأننا نرى إشكاليات كُبري في هكذا طريقة تفكير، فسنترك التبرير اللاهوتي لأصحابه ونكثف جهودنا تحديدًا على كيفية قراءة كنيسة العهد الجديد لنصوص العهد القديم، والتي نستطيع القول أنها تُعارض ما نقراه في العهد الجديد تعارُضًا مُباشرًا (اللهم إلا في قصة ).

وعندما نتكلم عن العلاقة ما بين العهدين، نحتاج أن نتذكّر أنّه في وقت مُبكِّر كان هناك نِزاع كبير على كيفية تعامُل المسيحيين مع العهد القديم، لدرجه جعلت بعض الفِرَق غير الأرثوذكسية (ولكنهم كانوا يرون أنفسهم مستقيمي الإيمان حتى لو بالتعريف الضيق الحالي نعتبرهم هراطقة) يقولون إن العهدين من إلهين مُختلفين، سنذكر مثالين قد نحتاج لهما مستقبلًا وهما [مرقيون] و اللاهوتي ال.

مارسيون أو على الأقل المارسيونيين المنتسبين له، كانوا يرون إن إله العهد القديم إله شرير وأدنى مرتبة من إله العهد الجديد ومُختلف تمامًا عنه. أما باسيليدس فرأى أنّ العالم هو صِراع بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد، وإن إله العهد الجديد أنقذ المسيح من الموت بأن جعل شخص آخر يأخذ شبهه ويّصلب بدلًا منه، وهكذا يكون خدع إله العهد القديم. ويصف باسيليدس المشهد أنّ المسيح، وبعدما تجنَّب الصليب، قد وقف يشاهد الرومان وهم يصلبون وكان يضحك وهو مُنتصر.

إذًا السؤال المطروح سؤال مُهم، وسؤال قديم. لكن دعونا الآن نستعرض خمس فقرات من سفر التثنية 20 :16-20. ونفحص كيف فهم الآباء هذه النصوص؟ أو السؤال بصيغة أخرى: كيف رأي الآباء هذا النص مُتَّسِقًا مع العهد الجديد؟ ما منهجيتهم في التفسير التي جعلتهم يقبلون هذا النص في ظل وجود نصوص أخرى تقول إن العُنف ممنوع؟

والحقيقة إن الآباء لم يعلَّقوا على هذا النص. طبعًا من المُستحيل حَصر كُل كتابات الآباء ولكن بالرجوع للتفاسير التي تعتمد على تفاسير الآباء لا نجد إلا تعليق ل السكندري على تثنية 20: 19، يتكلم فيه عن رحمة الله للأشجار. أيّ الطريقة الأولى في التعامُل مع النصّ هي تجاهُله، والتعليق على النص الذي تستطيع أن تستخرج منه فائدة فقط.

الطريقة الثانية هي ترميز النصوص، بمعنى إخراجها من القالب التاريخي الصِرف إلى قالب المُشابهة النوعية (typological) أو المجازية (allegorical) لكي يمكن بعد ذلك أن تُقرأ في ضوء العهد الجديد، وبذلك يكون لها معنى لا يُخالف العهد الجديد.

المشابهة النوعية يعني أن تقرا الحدث بواسطة تحديد مجموعه من العناصر الرئيسية فيه، ثم تبيّن تشابُه هذه العناصر مع حدث آخر في حياة شخص آخَر (المسيح والكنيسة بالنسبة للعهد الجديد). والتفسير الطوبولوجي typological interpretation استخدمه في رسائله، كما استخدم أيضًا التفسير المجازي allegorical interpretation. الفرق بين الإثنين ليس كبيرًا [1] لكن من الممكن وصفه بأن الإثنين يرون حقيقه مُتعالية خلف ظاهر النص.

التفسير الطوبولوجي يركز على الحدث ويرى كيف تكرر بنفس النمط في حياة شخص آخر ولكن في سياق تاريخي مُختلف تمامًا. بولس والآباء استخدموه بغرض بيان تشابهات في محطات حياة قديسي العهد القديم وحياة المسيح وذلك لرسم خط أوضح لرحلة الخلاص.

أما التفسير المجازي فهو غير مَعنِي بالتاريخ ولكن يرتكز على التفاصيل بما في ذلك تقاطُعات الكلمات بين النصوص. تُستخدم تفاصيل النص لكي يستخرج منها المُفسِّر حقيقة معروفة عنده مسبقًا a priori، أي عند قراءة النصّ بهذه الطريقة فلن تتعرف على شيء لم تكن تعرفه، ولكن بالأحرى تُسقط ما تعرفه على النص. وعلى هذا قام شلينجتون بالتمييز بين الطوبولوجي والمجازي إن الطوبولوجي أفقي يهتم بمعنى الحدث التاريخي، ولكن المجازي رأسي يتحرك من النصّ لحقيقة عُليا لا ترتبط بالحدث وتاريخه.

في عظاته على سفر يشوع، يقول العلّامة (أبو التَّفسير المجازي) أنّ اليهود عند قراءة نصوص العهد القديم يصيرون وحشيِّين وعطشى للدَّم لأنهم يظُنُّون أنّ حتى القديسين ضربوا كل حي في عاي إلى أخر شخص هارب. ويقول بعدئذ أنهم لم يفهموا الحقيقة المستورة خلف كلمات النص، وأنّ المقصود من النص هو أنّنا ﻻ نترك أيّ خطايا حيّة بداخلنا وأنّ نقتل الخطايا كلها. وبالتالي فالقديسين هم من يقدرون على هزيمة سُكَّان عاي التي بداخلهم، وتدمير وعدم ترك أي خطية هاربة، وأنّ القديسين هم الذين يحمون قلوبهم بكل إخلاص لكيلا تخرج منها الأفكار الشريرة.

وما يقوم به أوريجينوس هنا هو ببساطه إنّه ﻻ يؤرّخ للنصّ أساسًا، وبالتالي لا يستخرج من النصّ حكم شرعي، ولا يستخرِج منه تشريعًا، ولا النصّ فعليًا ذو سُلطه على تفكيره. هو هنا أشبه بالفخَّاري الذي أمسك بقطعة من طين ثم يشكِّلها كما يشاء وكما يشتهي. نقطة انطلاقه هي تعاليم العهد الجديد، وأي نص ستضعه أمامه هو لن يرى فيه استشكالية عنف، لأن النص عنده هو مادة خصبه للتأويل وليس التفسير، وبالتالي هو ﻻ يحاول فهم النص ماذا يقول، ولكن يتعاطى معه وكيف يمكن أن يُسقط عليه فِكرة روحيّة أو فكرة من العهد الجديد.

إلى هنا، وسواء تجاهل التعليق على النصّ أو تفسيره بشكل طوبولوجي أو مجازي فلا نجد إجابة الأسئلة المهمة، هل نصوص العُنف تصف شيئًا حدث بالفعل أم لم يحدث؟ ولو حدث، فكيف يتوافق هذا مع نصوص العهد الجديد التي تقول مثلًا إن الذين يأخذون بالسيف بالسيف يؤخذون؟

بعض الآباء حاولوا معالجة الموضوع بشكل أكثر منطقيه، وتبنوا تقسيم بولس لساره وهاجر (باعتبار إن هاجر وابنها يمثلون الجسد لكن ساره وابنها يمثلون الوعد والروح) وقالوا أنّ العهد القديم كان مرحلة تربية طفولية، تعامَل الله فيها مع الشعوب بحسب مستواهم الرُّوحي، لكن في مرحله مُعيَّنه إستعلن نفسه بصوره أكثر وضوحًا وأعلن تعاليم أكثر سمُوًَّا. وإلى هنا والحديث كله على التعامُل مع فِهم العهد القديم وليس مع استقاء أسلوب حياه منه. وإلى الآن لم يحاول أحد أنّ ينظَّر للعُنف بناءًا على هذه النصوص، ولم يخطب أحد قائلًا أنّها قابلة لإعادة تفعيلها، ولم يقل أحد أنّها صالحه لحياة الكنيسة في العهد الجديد. كل ما حدث هو مُحاولات للاستفادة من النص كماده خصبه لتأويله من دون الاستغراق في العنف الذي فيه باعتباره إما رمز أو مسار تاريخي مشابه لرحلة الخلاص أو باعتبارها مرحله انتهت بإعلانات المسيح.

بعد ذلك يأتي توما الإكويني، ويستخدم منطق أوغسطينوس في وجود سلطة أخلاقيّة عُليا هي التي تُحدد مشروعية أو عدالة الفعل. فقال الإكويني أنّ كل البشر على السواء، سواء مدانين أو أبرياء، مصيرهم الموت بسبب فساد طبيعتهم بالخطيّة الأولى، وبالتالي الله يُميت ويُبقي كما يشاء بغض النظر عن بر الإنسان، وهكذا ليس في المسألة أيّ ظُلم [2].

ومع ذلك، قد يعترض الكثيرون على هذا الطرح. وعلى الرغم من ذلك، فإنهم لا يحددون بالضبط مشكلتة العنفيّة في الكتاب المقدس. وينطبق هذا الأمر بصورة تامة على ما يحدث في العهد القديم والعهد الجديد أيضًا، كما هو الحال في قصة حنانيا وسفيرة. فإذا حللت هذه القصة، ستجد أنها معضلة للغاية، وربما تكون من أكثر نصوص العهد الجديد صعوبة في فهم موضوع العنف.

هوامش ومصادر:
  1. نستخدم هنا شرح V. George Shillington [جورج شلينجتون] في رسالة دكتوراه قدمها لجامعة مكماستر سنة 1985 ص 72-73. [🡁]
  2. Summa Theologiae I.94.5 [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: المسيحية والعنف[الجزء السابق] 🠼 المسيح ثائرًا في الهيكل[الجزء التالي] 🠼 المدخل الأخلاقي للعنف