Search
Close this search box.
المقال رقم 7 من 7 في سلسلة المسيحية والعنف

في البداية، دعونا نستعرض النص في سياقه، وهل من الممكن أن يُبنى عليه قرارات عنف أم لا. هذا النص موجود في إنجيليّ لوقا ومتى بصياغتين مختلفين، وغير موجود في إنجيل مرقس أو في الإنجيل الرابع اللاحق يوحنا.

فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضًا به قدام أبي الذي في السماوات، ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضا قدام أبي الذي في السماوات. لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض. ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا. فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمّها، والكنة ضد حماتها. وأعداء الإنسان أهل بيته.

(الإنجيل بحسب رواية متى، الإصحاح ١٠ : ٣٢-٣٦)

جئت لألقي نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟ ولي صبغة أصطبغها، وكيف أنحصر حتى تكمل؟ أتظنّون أني جئت لأعطي سلامًا على الأرض؟ كلا، أقول لكم: بل انقسامًا. لأنه يكون من الآن خمسة في بيت واحد منقسمين: ثلاثة على اثنين، واثنان على ثلاثة. ينقسم الأب على الابن، والابن على الأب، والأمّ على البنت، والبنت على الأمّ، والحماة على كنتها، والكنة على حماتها.

(الإنجيل بحسب رواية لوقا، الإصحاح ١٢ : ٤٩-٥٣)

 

النصوص المشتركة ما بين إنجيليّ لوقا ومتى وغير موجودة في إنجيل مرقس، يتم تصنيفها لل، وهو مصدر أقدم من لوقا أو متى استخدمه كلاهما بالإضافة لمصدرهم الثاني [إنجيل مرقس] في كتابة بشاراتهم.

بعض الدارسين أضاف مصدرين آخرين اسمهما (M) و (L) [1]. كما أن هناك نصًا مشابهًا لنص الإنجيلي لوقا أيضًا في الإنجيل المنحول على توما [2]

قال يسوع: ألقيت نارًا على الأرض، والآن انظروا فإني أراقبها حتى تلتهب. [3]

(الإنجيل المنحول على توما، الإصحاح ١٠)

قال يسوع: يظن الناس أني جئت للعالم لأفرض السلام، وهم لا يدركون أني جئت لأفرض على الأرض الانقسام، النار، السيف، الحرب. حقًا، يكون خمسة في البيت، يكون ثلاثة ضد إثنين، واثنان ضد ثلاثة، الأب على ابنه، والابن على أبيه… [4]

(الإنجيل المنحول على توما، الإصحاح ١٦)

ما قيمة الملاحظة بأنّ هذا النص من مصدر (Q)؟ [5].

الفكرة هنا أنّه لو كان النص من مصدر أقدم مقارنة بنصوص لوقا أو متى، (أو أيّ نصوص أخرى موازية ومستقلة) فوقتها العودة للنص الأقدم لنفس القول يُحتمل بنسبة أعلى أنه ما قاله المسيح دون تحرير لاحق على النص الأحدث.

في كل الأحوال، نحن أمام ثلاث احتمالات:
– لفظة الانقسام أقدم، وهي الصياغة المروية في إنجيل لوقا.
– لفظة السيف أقدم، وهي الصياغة المرويّة في إنجيل متى.
– المسيح قال كلا اللفظتين، وهي الصياغة المنحولة على إنجيل توما.

ودعونا نناقش الاحتمالات الثلاثة: الصياغة في إنجيل لوقا تعني أنّ كرازة المسيح ستسبب افتراق ونِزاع بين الناس، ففي كل بيت يؤمن بعض منه، سيعاديه البقيّة،  (وهو ما قالته الصياغة في إنجيل متى صراحة). أما الصياغة في إنجيل توما يتضح منها أن النار والانقسام الذي يتكلم عنه المسيح هم المُعاناة والمواجهة التي سيقابلها المؤمنين، وربما الصياغة هنا فيها interpolation [مزايدة أو مبالغة] أضافت عليها التفصيل الذي يليه: النار، السيف، الحرب.

على كل حال اشتمال القول على تفسيره مؤشر مهم لسببين: لو اعتبرنا إنّ صياغة توما قديمه، إذن الضرورة تُلزم بإنّ القول من وقت مبكر جدًا كان عن الانقسام وليس له علاقة بحمل السيف، ولو اعتبرنا أنّ القول ليس مُبكرًا وصورته النهائية تعود لأوّل أو منتصف القرن الثاني، فالضرورة تُلزم بأن المسيحيين من القرن الثاني يفهمون النص على إنه يُشير للانقسام الذي سيحدث بسبب الإيمان بالمسيح وليس له أي علاقة بحمل السيف وابتداء الحرب.

يتبقى معنا النص المروي في إنجيل متى، وهو الذي فيه بوضوح عبارة: ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا. بالطبع واضح من السياق إن السيف هو السيف المُوجَّه للمؤمنين وليس السيف الذي يحمله المؤمنين ضد غير المؤمنين. فعلى سبيل المثال لا الحصر في نفس الإصحاح تتكلم الفقرات عن إرسال المؤمنين كحملان وسط ذئاب: ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب، فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام [6] وإن المؤمنين سيسلمون للمجامع والجلد والشهادة [7]، وأنّ أهلهم هم من يسلمهم للموت، ومنهم من سيقتلون من أبنائهم بسبب الإيمان [8]، وأنّ المؤمنين سيطردون من المدن [9]، وهكذا. وعلى هذا فالسياق بمجمله ﻻ يتحدث أن المسيحي مدعوًا للعنف ولكن المسيحي سيتعرّض للعنف بسبب إيمانه، ولأن الإيمان هو برسالة المسيح، إذن رسالة المسيح هي التي عرّضتهم للأذى والعنف والرفض والسيف.

يرجح أغلب الأكاديميين أن صياغة متى أقرب لأن تكون مصدر (Q).  منهم روبنسون وهوفمان وكلوبينبورج [10]، ونفس الأمر عند أليسون حيث يقول أن استبدال لوقا لكلمة السيف بكلمة الانقسام يبدو أنّه لاحق على قراءة متى، وإن قراءة متى هى الأقرب للقول الذي في المصدر (Q) [11].

الخلاصة: يبدو أنّ الصياغة التي قالها المسيح كما هي في صورة القول الأقدم، (Q)، هي: ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا وليس “انقسامًا”، ويبدو أيضًا من سياق إنجيل متى أنّه لا يوجد أي أمر بحمل السيف، ولكنه نبوّه عن السيف الذي سيواجهه المؤمنين. أخذ لوقا نفس القول من مصدر (Q) لكن صاغه بكلمة الانقسام أو الشقاق بدلًا السيف، وهذا يعني أنّ المعاصرين في القرن الأوّل للكنيسة لم يعتبروا القول بمعنى “جئت بالسيف”، ولكن بمعنى “بسبب كرازتي ستواجهون السيف”. في نفس الوقت أو في وقت مبكر كانت هناك جماعة إيمانية أخرى إنجيلها يشرح الصياغة التي في المصدر (Q) بشكل موسِّع ويضع السيف في سياق الشقاق والانقسام والحرب التي ستواجه المؤمنين.

لا سياق النص ولا لغته الداخلية تحتوي دعوة للعنف، ولا كتبة البشائر القانونية ولا كتبة النصوص المُبكرة التي لم تُقنن صاغوا هذا النص بمعنى حمل السيف من أجل الكرازة.

هوامش ومصادر:
  1. المصدران (L) و (M) هما Sondergut، وهي كلمة ألمانية تعني بالإنجليزية Special Material، أي مادة خاصة بكل إنجيل من الإثنين ينفرد بها. [🡁]
  2. النص من الإنجيل المنحول على توما هو نص غير قانوني بالنسبة للكنيسة، لكن بالنسبة للدارسين يعد نصًا قديمًا يعكس مصدرًا مُستقلًا للأقوال عن الأناجيل القانونية. [🡁]
  3. الإنجيل المنحول على توما، الإصحاح ١٠. [🡁]
  4. الإنجيل المنحول على توما، الإصحاح ١٦. [🡁]
  5. لمقدمة في التعريف بالمصدر (Q)، راجع: جون إدوارد، ورقة بحثية بعنوان: المشكلة الإزائية على موقع Humanities Today [🡁]
  6. إنجيل متى ١٠ : ١٦ [🡁]
  7. إنجيل متى ١٠ : ١٧-١٩ [🡁]
  8. إنجيل متى ١٠ : ٢١ [🡁]
  9. إنجيل متى ١٠ : ٢٣ [🡁]
  10. Hermeneia: The Critical Edition of Q, by James M. Robinson, Paul Hoffmann, John S. Kloppenborg, p380 [🡁]
  11. , A Critical and Exegetical Commentary on the Gospel according to Saint Matthew, Part II, p218 [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: المسيحية والعنف[الجزء السابق] 🠼 أغسطينوس والحرب العادلة