اتفرجت على فيلم “برشامة”، والحقيقة الفيلم ده محتاج وقفة طويلة مش مجرد كلمتين إعجاب عابر. آل دياب قرروا يدخلوا حقل الألغام السنوي في مصر، وهو مفرمة “الثانوية العامة”، بس المرة دي من زاوية أشد وجعًا وأقرب لواقع منسي: زاوية “طلبة المنازل” كبار السن، واللي فعليًا شكلوا لوحة فسيفساء ملونة لشرائح المجتمع المصري ومآسيه في الكفاح اليومي.

الجزر المعزولة وضياع الأمان

دي الأرضية اللي بينطلق منها صاروخ الفيلم. طالب المنازل ده مش زي التلميذ العادي، ملوش مدرسة تلمه، ولا مدرسين بيتابعوه بشكل منتظم، ولا أصحاب عايش معاهم نفس الرحلة يوم بيوم. الفيلم نقل العزلة دي بذكاء؛ فكرة إن الطالب وأهله بيحسوا إنهم لوحدهم تمامًا في مواجهة نظام مرعب. المعاناة الإنسانية هنا بتظهر في “الجهد المضاعف” اللي الأهل بيعملوه عشان يعوضوا غياب دور المدرسة، لأن الغلطة هنا بمستقبل كامل ومفيش “شبكة أمان” تسندهم.

تحس كل المجتمع دخل الامتحان اليوم ده، واتجمع في “لجنة” اختبار اللغة العربية، واللي -بالصدفة- ورقة الأسئلة كلها “دين” و”قرآن” و”سيرة” في اختبار حقيقي لدور الدين في الـ”تحديات اليومية”، وإزاي الدين شماعة للسلوك البشري ومتوظف في الشيء ونقيضه، وإزاي بيكون لكل فرد فلسفته الدينية المقبولة عقليًا في تبرير سلوكه بشكل يجمع بين الكوميديا والكرباج الفلسفي.

الفيلم تصنيفه “كوميديا سوداء” و+12 في نفس الوقت، لكنه مرعب كفيلم اجتماعي غادر المنطقة الخضراء وإكلاشيه “شعب متدين بطبعه” إلى المنطقة الواقعية اللي بتعرّي “الازدواجية الأخلاقية” اللي عايشين فيها، وبيكشف عن شعب ذكي و”فهلوي” وقادر على التلاعب بالدين والعربي وحتى الحساب.

المخرج خالد دياب والمؤلفة شيرين دياب ومعاهم أحمد الزغبي، دايمًا عندهم تخصص في تشريح الأزمات المجتمعية من خلال مفارقات كوميدية صارخة. اختيارهم لموضوع “الغش” والـ”برشامة” في قالب كوميدي مكنش استسهال، بل استخدام “الكوميديا كمسكّن” لواقع مرير. في عز الضحك ممكن دمعة تغلبك غصب عنك.

الفيلم تخطى “لا أخلاقية الغش” لميكاڤيلية الهدف. في لحظة بتلاقي نفسك قدام “بارانويا جماعية” صارت حقيقة عادية، وإزاي الأهالي بيتحولوا لتشكيل عصابي ويكونوا شبكة تجسس منظمة عشان يغششوا ذويهم، ولو حتى عبر ميكرفون الجامع.

تحالف أولياء الأمور

من أحلى وأعمق اللقطات الإنسانية اللي بتدور بره اللجنة هي حالة “ في الوجع” وتحالف القوى على اختلاف طبقات شخصياتهم وثقافاتهم، واقفين في الشارع واكلهم نفس الرعب. المشاهد الإنسانية هنا بتخرجك من القيم البديهية البسيطة (زي “الغش حرام”) وتحطك قدام قيم أكثر تعقيدًا مثل فكرة “الكل في واحد”؛ الدكتورة والعمدة والموظف وست البيت ومتعهد الحفلات، كلهم متساويين قدام الرعب، وبيتعاونوا في “جريمة مشروعة” من وجهة نظرهم لحماية المستقبل في عيالهم.

الوجع إن “الامتحان” بيساوي بين الجميع؛ وكلهم بيتحولوا لـ”عصابة اضطرارية” بره اللجنة، بيغششوا بعض معلومات، وبيواسوا بعض بكلمتين، المفارقات دي بتلمس قلب المشاهد لأنها بتقول إن الوجع المصري واحد، ولما بنتزنق قدام اختبار، بنبقى إيد واحدة، حتى لو في “مخالفة” زي الغش!
حتى السلفي الصالح اللي الامتحان بالنسباله “زي المية”، وفي نفس الوقت بيواجه المجتمع كله ويرفض يغششهم، بيواجه “تحدي داخلي” حقيقي إن التزامه الديني يمكن أن يمنعه من النجاح أو حتى قراية الامتحان اللي كله “قرآن” الذي “لا يمسه إلا المُطهرون”، ورغم اجتهاده في الطهارة دائمًا واستعداده الفائق، لكن يمكن أن يخسر طهارته نتيجة تأديته لخدمة إنسانية (حمل طفلة عن أمها، فتبولت الطفلة في حجره وصار غير طاهر).

من السخرية إلى السلخ

الكرباج الفلسفي مؤلم جدا، وهو في طول الفيلم وعرضه عن تحول الدين لـ”عقد نفعي” لحظي وقت الأزمات، وهاتشوف بوضوح كادرات فنية موجعة لكمية الناس اللي ممكن ماسكين السبحة والمصاحف وبيعملوا “مقايضات” مع ربنا.

الكوميديا هنا مش تريقة كما إرتأى الناس اللي عمرهم -12، بل هي رصد لـ”قلة الحيلة”. الإنسان لما بيعجز قدام منظومة قاسية، بيلجأ للقوة المطلقة (ربنا) بدافع الفطرة والخوف، بس في نفس الوقت المفارقة بتظهر في إن الدعاء موجه لتيسير أمر “غير قانوني وغير أخلاقي”، وده اللي بيخلق الكوميديا السوداء اللاذعة كالكرباج.

ـ خلينا نعمل الصح عشان ربنا يسترها معانا.
منا بعمل الغلط وربنا بيسترها معايا، وهو ده التحدي!

الفيلم بيشير لفكره التضامن في الخطأ باسم الأخوة والدين. لما طالب يغشش زميله، مبيبقاش اسمه بيخترق القوانين، بيبقى اسمه “بيفك كرب أخوه المسلم” أو “الدال على الخير كفاعله”. صناع الفيلم بيحطوا مراية قدام المجتمع ويقولوا: إحنا وصلنا لمرحلة من التشويه، تخلي الكل يستخدم أسمى ما يملك (الدين) عشان يبرر بيه غياب العدالة وتكافؤ الفرص.

الفيلم مبيتعاملش مع “البرشامة” بمنظور أخلاقي وعظي ضيق وممل،
بل بيطرحها كـ”آلية بقاء” في منظومة بتختزل بني ين كاملين في ورقة إجابة ودرجة مئوية.

خالد دياب قدم فيلم بإيقاع سريع، ألوان حية بتكسر كآبة الموضوع، وبدون قيود رقابية بفضل تصنيف (+12)، عشان يطلع في النهاية فيلم للعيلة. فيلم بيطبطب على الأهالي وطلبة المنازل وبيقولهم “أنا حاسس بالمفرمة اللي أنتوا فيها”.

“برشامة” مش مجرد فيلم هيضحكك، ده فيلم بيخليك تواجه نفسك بـ”التشوه” اللي بنشارك فيه كلنا لما بنقدس النتيجة وندوس على الإنسانية.

وبرغم ذلك، الإنسانية دايما بتنتصر.

شابو لكل صناع العمل.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

باسم الجنوبي
إستشاري ا المعلومات   [ + مقالات ]