دخل المقدم سمير باشار البيت بهدوء، ووراه الـ٤٠ وكيلًا لفروع عائلة أبو بركة، منهم اللي جاي من أستراليا وكندا وأمريكا وأغلب أوروبا، وطبعا كله على حساب خزنة العيلة.
عيلة أبو بركة فيها عادة متوارثة من قديم الأزل، وهي إن كل أب في العيلة بيحط عن نفسه وعن كل فرد في أسرته جرام دهب في خزنة العيلة.
في السبعينات، المقدم باخوم قرر يفتح باب الاستثمار في رصيد الخزنة، عشان كفالة فقراء العيلة، والكل بيشهد له إنه كان أمين، لكن مع كبر سنه وسيطرة السكرتارية إرميا القرموط وأنيس حمامة وأنطون أبو كرش، بدأت عوائد الخزانة تتسرب لايد الوكلاء، وبعدهم توسّع التسريب للنُظار والمتطوعين، اللي هما أخر طبقة في هيكل العيلة الإداري.
بقى عادى إن شخص يتولى النظارة على منطقة، بعد سنتين يتحول إلى ثري من عائدات خزانة عيلة أبو بركة، اللي بقت أكبر صندوق مالي في البلد، وفي غمز ولمز كتير إن المامور عارف وسايبهم، عشان استمرار مصالحهم بيمكنه من رقبتهم.
نرجع للاجتماع، وقف أنيس حمامة يهتف لسمير باشار ويعدد في صفاته العظيمة، وأنا ببصله وأتذكر جده، وليه سموه حمامة، لأن جده الكبير كان بيحب يحضر مولد العدرا، وكان بيجيب معاه قفص حمام أبيض ويقعد في الجنب اللي بيسيطر عليه عيلة أبو بركة، ولما يدخل الليل، يطير الحمام وينتظر يرجع تاني، وبالفعل لما يرجع كان بيدعي إنه راجل مبروك والحمام بيقف على رأسه لأنها رأس الحكمة. كان جاهل وغبي لكن كان بيلاقي ناس أجهل منه وأغبى تصدقه.
بدأ الاجتماع، و قرأ أنطون أبو كرش جدول الأعمال اللي من ضمنه مراجعة شكاوى مراقب الصندوق المالي عن تكاليف رحلة المقدم الأخيرة للنمسا عشان يتدلك ويفك جسمه، رغم إن الفاتورة بتدعي إنها كانت عملية مهمة وخطيرة ولا يمكن الافصاح عنها. ومناقشة الاتفاقية مع عيلة الرومي اللي هنوحد معاهم ورش ومصانع العيلة، ونتفق على نسب العمولات و حجم المصالح.
هنا قاطع المقدم الكل وقالهم اجتماع النهاردة مخصص فقط يا سادة لمناقشة لبس الناظر لطرطور زى طرطور الوكيل، ميصحش إنه يبقى حتة ناظر أقل من الوكيل في الرتبة ويلبس نفس الطرطور، ده اسمه خلط في الطراطير والأمر ينطوي على خطورة لأن أي حد داخل مقر الوكيل مش هيعرف يفرق بين الوكيل والناظر، فلازم وحتمًا ولابد من منع أي ناظر من ارتداء طرطور الوكيل.
رد عليه أنطون إن جدول الاجتماع محدد من مدة، ومينفعش نقحم فيه أي شيء جديد، فكان رد المقدم إن مناقشة اللبس مُقدمة على أي مصيبة تانية.
وبدأ الاجتماع.
دخلت من الممر الطويل على غرفة واسعة للانتظار، وفي الغرفة لقيت عدد من النُظار قاعدين منتظرين دورهم وبيساعد في تنظيم الحضور ٣ متطوعين.
بصيت حواليا لقيت ناظر أعرفه، فقال لي “أنت جالك استدعاء؟”
هزيت راسي بمعنى آه تم استدعائي. ضحك وقال لي “أكيد من البلاوي اللي بتكتبها “.
دقيقة ولقيت متطوع بيشاورلي وقال “أنت حليم أبو بركة؟” قولتله “آه أنا ”
وفي لحظة كله كان بيبص عليه. وقال بصوت حاسم “تعالى ورايا”.
دخلت وراه الممر الموصل لغرفة اجتماعات الوكلاء وكانت الإضاءة خافتة عشان تضفي رهبة على المكان، وفجأة لف المتطوع وشه ليّ وقال: “اخلع جزمتك هنا” وكان طلب غريب عليّ.
“ليه؟” قال لي: “تعليمات”.
خلعت الجزمة وشاور لي أقف على جنب، كنت فاهم لعبة الضغط النفسي بإضافة مفاهيم الغموض والسلطة والقداسة على اللي داخل أقابلهم، وأنا كنت بلعب على أعصابهم ورسالتي “أنت مش هتعرف تهزني مهما عملت طقوس عقيمة للقاء بتحاول تكسرني فيه، نفسيًا يكفي أعد لحد خمسة قبل ما أرد عشان هدوئي يكون أجهز على حيلك”.
وقفت حوالى ربع ساعة حافي، وبعدها دخلت الاجتماع، وكان أول واحد ألمحه هو الوكيل حنا البصير، وكان وشه متجهم جدًا كعادته كل ما يشوفنى.
المتطوع وجهني أقف على جنب عشان أسمع كلام الوكيل بتاعي وأرد لما يأذنوا لي.
سمعت كتير اتهامات الوكيل عن خروجي على تقاليد العيلة، وإني بدعو لتحرير الفكر من غباء الماضي، وإن مفاهيم كتير لازم يتعاد التفكير فيها، وقد إيه ده خطر، وخلاني مش بحترم أجدادي مؤسسين عائلة أبو بركة.
بعد انتهاء الاتهامات، بص عليّ وكنت مبتسم، والمقدم سمير قال لي بصوت فيه حزم وتهديد “أنت فرحان كده ليه؟ دي تُهم تعزلك من العيلة وتسحب منك لقبها”.
قولتله “بضحك لأن أجدادي مش محتاجين قصص أسطورية عن قداستهم، قصص بترسخ للجهل والاتكالية وملهاش علاقة بإيمان أجدادي وعفتهم ونزاهتهم، جدى بيطير أو مبيطيرش، ده مش هيقلل حبي واحترامي وثقتي فى إيمانه”.
رد المقدم “يعني حضرتك بتشكك في المعجزات اللي عملها أجدادك؟”
قولت: “صدقني المعجزة الحقيقية هي عظمة الإيمان، وفهم مقاصد الكتاب، مش حد طار ولا حد نزّل زيت و لا أي معجزة، إحنا محتاجين نخلص الناس من الإتكالية دي لأنها بقت مُرادف الإيمان، وحرام نخلّي تراثنا العائلي يرسخ إن الإيمان محتاج معجزة”
قال لي: اطلع بره دلوقت.
ودي كانت أول جلسة في محاكمتي في مجلس الوكلاء.
