بعيداً عن تهكم الأصدقاء على التمييز الطبقي الذي فعله “شعب” كنيسة مار مرقس بمصر الجديدة، ونظرتهم الدونية لأهل شبرا. إذا خرجت خارج السوشيال ميديا لن تجد هذا الكلام، وستجد العكس.
حرب “المكلمة” انتهت بلا شيء. كان يجب أن تفوز المجموعات الأكثر عددًا وتتبنى قيماً عليا مثل المساواة والعدالة والدور الاجتماعي للكنيسة، لكن كل هذا الكلام خسر أمام سطوة الهوية الرقمية، التي تسيطر عليها مصر الجديدة بالكامل، وتتحكم فيها مجموعة محدودة العدد في شارع كليوباترا.
بتصوري، نحن أمام نموذج “إدارة ذاتية” مختلف، يثبت “سيطرة رأس المال” و”التعليم النظيف” (طبقًا لمعايير مصر الجديدة) والذي أدى إلى “منصب مهم” ضمن صناعة القرار الإداري وسلطة الأمر الواقع. ببساطة، سياسات مصر الجديدة هي التي ستسري على الكنيسة والبابا والمجمع، وحتى أبونا داود لمعي والقمص بولس جورج.. ستسري على المسيح ذاته أيضًا!
مش مصدقني؟ جرب تسأل أداة بحثية محايدة (مثلاً جوجل نوتبوك LM). ستجد أنها لا تعترف بكلام أي شخص على أنه “مصادر” بحثية موثوقة، بل لديها تصنيف حسب هوية المتحدث، وموقعه في موضوع النقاش، وهل هو جزء من الهرم الإداري لكنيسة مار مرقس كليوباترا؟ إلخ.. بالتالي، الأداء ليس بكثرة العدد، بل بأهمية المتحدث وقربه من موضوع النقاش، مما يؤهله لمستوى معرفي أعلى، أو أدق، أو أكثر مسؤولية.
أما موضوع “الهوية الرقمية” فهو طبقة موازية تقلب الموازين رأساً على عقب. ببساطة، مثلًا، شخص مثل الأب داود لمعي، قد تكون له شعبية أكبر من البابا تواضروس (وكلاهما على فكرة ضد ما حدث، وقد قالا ذلك). أما عندما تدخل على “الهوية الرقمية”، ستجد أن الاثنين ليس لهما “هوية” أصلاً، وإنما يتم تصنيعها بواسطة مكاتبهما الإعلامية. والأهم: المهندسون.
“الهوية الرقمية” موضوع تقني معقد بعض الشيء، لكن خلاصته أن “مهندس تكنولوجيا المعلومات” أهم من الشخصية العامة. المهندسون هنا مقصود بهم مهندسو البرمجيات، وليس هندسة المباني والكهرباء والطاقة. لو كنت تصمم موقعًا خاصًا بـ “داود لمعي”، فهذا هو ما سيبني “هوية” “داود لمعي” الرقمية. ولو كان المهندس، على سبيل المثال، دارسًا “محركات البحث” (SEO)، ستكون هوية “داود لمعي” الرقمية أقوى من نفس الموقع بتصميم مهندس آخر غير دارس لهذه التقنية.
لأسباب معقدة جدًا، كنيسة مار مرقس بكليوباترا يديرها مهندسون، ولهم خدمة خاصة بكلية الهندسة، بل في الأصل، تجاوزوا فكرة “المجتمع الكنسي” إلى عمل نقابي داخل نقابة المهندسين، وكونوا جماعة ضغط لها وزن داخل نقابة المهندسين ذاتها.
عندما نتكلم عن “هندسة اتصالات” وتكنولوجيا المعلومات والهوية الرقمية، فأستطيع القول إن مصر كلها تدار واقعيًا وعمليًا من خلال مار مرقس كليوباترا، أو على الأقل حصة هذا “الحي” هي الأعلى في القرار الإداري على كافة المستويات، وليس مستوى الكنيسة فقط ولا المهندسين فقط.
بعيدًا عن تصوراتي الشخصية التي قد لا تقنعك، هناك أسباب موضوعية تقول إن “التمييز الطبقي” ليس شيئًا جديدًا أو ثقافة دخيلة، ومن الظلم تحميل مسؤولية ذلك لحي مصر الجديدة أو شارع كليوباترا أو الكنيسة الفخمة الأعلى في رسوم فتحها، مقارنة ببقية مصر كلها.
من الأشياء التي يطرحها “نوتبوك” (الذي كوّن معلوماته من مصادر ذات سلطة رقمية/مهندسين) ما يلي:
- تأسست الكنيسة تزامناً مع إنشاء البارون البلجيكي “إدوارد إمبان” لحي مصر الجديدة عام ١٩٠٦، كإنجاز عمراني راقٍ يستهدف الطبقة العليا.
- المهندس الإيطالي “جوزيبي تافاريللي” وضع الرسومات الهندسية وأرسلها لعاصمة بلجيكا “بروكسل” لاعتمادها ولضمان تناغم الكنيسة مع النسق المعماري المميز للحي الباروني. (أما المصري “حنا نسيم”، فهو مقاول ومورد أنفار ونظام طبقي من منشأها).
- الفنان اليوناني “چورچ بانتسوس” نقش القبة والأعمدة الأربعة، مستخدمًا الفن البيزنطي وليس القبطي (المصري). ربما لأن المصري سيفسد الفخامة الجريكية.. لكن لا مانع من إحضار فنانين مصريين مثل راغب عياد ومارجريت نخلة، ليرسموا الأيقونات بالقبطي؛ كي نقيم علاقة مع المؤسسة الدينية التي ستدشن الأيقونات وتعين لنا كهنة تابعين لها بما يتناسب مع مصر الجديدة.
هذه الكنيسة، منذ نشأتها، كانت كنيسة “النخبة السياسية”، صدر لها “مرسوم ملكي”، وتقع في منطقة تضم حتى الآن مقارًا سيادية (مثل رئاسة الجمهورية) ومناطق سكنية للنخبة. ضمت اللجنة التأسيسية الأولية للكنيسة شخصيات بارزة وأعيان بلقب “بك” و”أفندي” (مثل عبد الله بك أمين والدكتور يني كدواني)، مما يعزز الارتباط التاريخي للكنيسة بالنخبة الاجتماعية المسيحية العاملة في الدولة.
حتى كهنتها، من منشأهم، كانوا “سيلزمان” ويبتكرون فنون “ماركتينج” رأسمالية، وبقية الكهنة لا يعرفون كيف يكونون ماهرين في “جيب القرش” بطريقة الآباء المؤسسين لمار مرقس كليوباترا. يحضرني هنا قصة الكاهن الأول، والسيلزمان الأول، والأسيوطي الأول، القمص إبراهيم لوقا وعائلته، التي ارتبط اسمها بالكنيسة منذ بداياتها الأولى.
- إبراهيم أفندي (كعلماني، قبل أن يكون كاهنا كان أفنديًا) من أوائل الواعظين الذين دعوا المسيحيين الأثرياء لشراء منازل في ضاحية مصر الجديدة الناشئة، وعمل لهم “اجتماع صلاة” وكان يزورهم في المنازل منذ عام ١٩١٧، وذلك قبل بناء الكنيسة بسنوات.
- كان إبراهيم أفندي مبدعاً في ابتكار حلول تمويلية. أحضر بعض الترانيم وطبعها في كتاب، وباع هذا الكتاب العادي بسعر مرتفع لأثرياء مصر الجديدة، وخصص هذا الربح لتمويل بناء الكنيسة بعد ذلك. والعبقرية هنا ليست في جلب تبرعات للبناء من بعض الترانيم، بل في إقناع الناس بأن هذا الكتاب مساهمة في بناء بيت الله، فيشترون منه نسختين أو ثلاث أو تسع، ويهدون بعضهم البعض، ويتفاخرون فيما بينهم بمن يملك نسخاً أكثر. وكله بالطبع لله. بصراحة، كان رجلاً مبتكراً ومبدعاً يوظف “أمراض التفاخر” لخدمة الله. الجيل الحالي اشترى والده كتيب الترانيم، وساهم في البناء بمال الأب والأم. هذه كنيسة عائلتنا حرفياً.
- كان إبراهيم أفندي عضوًا في لجنة البناء التي تشكلت لتشييد الكنيسة، وضمت نخبة من الباشوات والبكوات، أعيان المنطقة، وبصراحة كان شديد الحرص، ودفع مالًا إضافيًا، وبنى الكنيسة ملاصقة لڤيلته في شارع أشمون، سكنها طوال فترة خدمته، ثم أقام بها أبناؤه وأحفاده من بعده (ستستولي الكنيسة على الڤيلا لاحقًا).
- في يوليو ١٩٢٥، أصدر البابا كيرلس الخامس أمرًا بتعيينه كاهنًا للكنيسة بناءً على تزكية اللجنة، وظل يخدم بها حتى وفاته عام ١٩٥٠. وفي ديسمبر ٢٠٠٠، وبمناسبة مرور ٥٠ عامًا على نياحة القمص إبراهيم، تباركت الكنيسة بزيارة البابا شنودة الثالث، وفي نفس الزيارة تم استلام الڤيلا بشارع أشمون من الورثة لتدخل ضمن أملاك الكنيسة. وهذه الڤيلا تم تشطيبها كمبنى متكامل للخدمات عام ٢٠٠٧، ويضم إدارة الكنيسة وفصول التربية الكنسية، والحضانة.
- تقديراً لجهوده وتخليدًا لذكراه، قرر مجلس الكنيسة إطلاق اسمه على قاعة الاحتفالات الكبرى التي كان قد خطط لإنشائها ضمن برنامجه التوسعي، وتم وضع لوحة تذكارية تحمل اسمه على جدرانها. وجرت العادة في الكنيسة على تنظيم رسامة الشمامسة في ديسمبر من كل عام تزامنًا مع تذكار نياحته.
باختصار، لم يقتصر القمص إبراهيم لوقا على القيادة الروحية فقط، بل امتد ليشمل التسويق والتمويل الإبداعي والدعم المادي من خلال تقديم ممتلكاته الخاصة (الفيلا والأرض) لتصبح النواة الأساسية لكافة الأنشطة الخدمية والتعليمية التي تستفيد منها كنيسة كليوباترا اليوم.
بطبيعة الحال، مفهوم “الإدارة الذاتية” أعقد من كل هذا، لكني أحاول توضيح أن النشأة في جذورها “خاصة” لا “عامة”، و”سيادية” لا “شعبوية”.
ولكن، ليست هذه المرة الأولى التي يثار فيها حول هذه الكنيسة كلام مدفوع بـ”شعارات جميلة” حول الملكية العامة. خذ عندك “خدمة شماس” (وهو تطبيق للحجز عبر الهاتف المحمول لمن لديه حساب “كليوباتراوي” قبل الذهاب إلى الكنيسة، ويُصدر لك رمز QR Code بدونه لن تفتح لك البوابة الأمنية)؛ فأساس هذا التطبيق هو جائحة كورونا، وهذه الكنيسة اعترضت على التناول بـ”الماستير” (الملعقة) التي دخلت في فم شخص من طبقة اجتماعية بسيطة، ولا يستخدم الكحول.
الأزمة طبقية طبعًا، والكنيسة المركزية رفضت هذه الطبقية، والأب داود لمعي أخذ يخطب ويشجب، لكن لم يستطع أحد فرض كلمته عليهم. وفي غضون أيام معدودة، كان “المهندسون الأحرار” قد أعدوا التطبيق الإلكتروني، ونُصبت البوابات الأمنية، وجُهز فريق التدريب، وكان كل ذلك تطوعًا وعلى نفقتهم الخاصة ومن خلال علاقاتهم بشركاتهم، حتى أصبح الكاهن نفسه إن لم يلتزم بالنظام فلن يُسمح له بالدخول.
اقترب وأعطني أذنك؛ كاهن الكنيسة الحالي هو الأب داود لمعي.. وهو «نجم شباك» حرفيًا، ويأخذ نسبة من التبرعات في أي مكان يذهب إليه حتى لو كانت زيارة لأخته في الولايات المتحدة.. فدعك من عظات «المحن الديني» التي يرفض فيها التمييز الطبقي، ففي نهاية المطاف هو «سيلزمان» يسير على تراث الأب إبراهيم لوقا، ووقت الجد “لف وإرجع تاني”.
شعب كنيسة كليوباترا يريد منه أن يزيد نسبته كما يشاء.. قل لي: “ليه؟”؛ بالنسبة لهم، شهرة الأب داود لمعي (أو حتى الأب بولس جورج شريكه في الخدمة الكليوباتيرية) تجلب عليهم المشاكل، إذ تستقطب ناساً من مربعات سكنية “بيئة” كي يحضروا عظات هؤلاء الآباء المشاهير. فارفع السعر ولا يهمك، فرفع السعر فلترة طبيعية للطبقات الفقيرة التي لا تملك IPTV ولا باقة، فتأتي لتتفرج وتبوس الأيادي وتتلامس جسديًا وتنقل لنا أمراض الجرب والبرص والعرق والإفرازات والقرف. زوّد الفلوس طالما هناك إقبال جماهيري ولا يهمك، ونحن المهندسون هنـ”ستريم” الأب الكاهن “لايف” والناس تدخل من بيوتها لكنيسة ديجيتال “ريموتلي”، ونسمي هذا خدمة لكبار السن، وكأن الكاهن زارهم وعمل “افتقاد”. خمس ثوانٍ وتجد ليس فقط متطوعين، بل تجد “ميديا سيرفر” Up & running، تقعد تكافح أنت 3 سنين علشان تدفع فاتورة كهربته.. والأصل هو حل لمشكلة الزحمة التي يسببها “نجوم شباكنا”.
لا تستهن بالزحام على الأب داود لمعي طالما لا تملك سيارة “زيرو” يُصلح الخدش فيها في التوكيل، ولا تعلم أزمة “الباركينج” التي تجلب طبقة “سياس” لا تستحم، وتتبلطج على الأثرياء، والتي يعاني منها أبناء البارون الذين يقطعونها “مشياً على الأقدام”.. كما أنك لا تشعر بمعاناة الأغنياء الذين فقدوا أبناءهم شهداء السير في الشارع.
في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٥، سقط ثلاثة من الخدام (محب حسام، وفيلوباتير توفيق، ومينا چورچ) ضحايا حادث سير في شارع كليوباترا. حينها حدث ما يشبه تظاهرات احتجاجية، لكن دون مطالب موجهة للدولة أو الكنيسة، بل كانت تنفيسًا عن غضب اجتماعي لفئة من الأثرياء تخشى السير في الشارع خوفًا من الموت جراء أخطاء الآخرين. والقصة بتقديري تتجاوز الطبقية لتصل إلى ما يشبه «الزينوفوبيا» (Xenophobia)، أي الخوف المرضي من الغرباء، والتي تشمل الرفض، أو التوجس، أو كراهية كل ما هو غريب أو غير مألوف، سواء أكانوا أشخاصًا، أم ثقافات، أم عادات وتقاليد مختلفة.
