هذا المقال على شرفِ الحكماء الذين باغتونا، فأسقطونا صرعى الجدل حول إحصاء عدد الملائكة الذين يستطيعون الجلوس على رأس الدبوس، وأنسونا حياتنا الطبيعية وأحوالنا الشخصية. نحن هنا لا لنستعيد للحياة طبيعتها قبل وجودهم، بل لنصيح:عملتها إزاي يخربيتك!، ونصفق لخصوم أفكارنا معلنين أن هناك عبقريةً ما في فنون المباغتة الفكرية.
العبقرية في “المباغتة الفكرية” مش إنك تجيب فكرة جديدة -لا سمح الله- العبقرية إنك تقود عقل اللي قدامك إنه يتـ”تول” ويلف على الفاضي في “اللا-شيء” و”اللا-وصول”، و”اللا-نتيجة”؛ فيقر بجهله وعجزه عن فهم “اللا-موضوع”، فيتبط ويتبشم ويخرس خالص، فتعلن انتصارك عليه من دون معركة. لأنه -بالمباغتة- مهزوم قبل أن يأخذ فرصة.
في حالة “المباغتة المثالية”، الجمهور بـ”يتبنج” تماماً، وبدل ما يقولك أنت بتقول إيه يا عم؟
، بيهز رأسه بوقار كأنه فاهم، خوفاً من إنه يبان مش على مستواك من العبقرية.
المباغتات: هي فن “تثبيت” الخصم فكرياً لسرقة أهم أعضائه الحميمة [1]، الغرض فعليا مش عضوي، وإنما “تسرق واقعه”. والواقع بيروح منك نتيجة “خدعة”. زي الحرامي اللي بيثبت ضحيته بمسدس بلاستيك.
للمباغتات فنون عدة، لم أحاول حصرها يومًا، إذ لو إنكشفت لسقطت الابتسامة. لكن ممكن أديك أمثلة تفهم منها تنوع وتعددية الفن ده، وأنا متأكد إنك قابلت في تجاربك الشخصية أمثلة شبهها، وممكن تكتب عنها صفحات أكتر مني:
- قانون “الكلمة المقعرة”: لو حد زنقك في نقاش منطقي، باغتة بكلمة
ديالكتيك
أوإبستمولوچيا
في سياق بيتكلم عن سعر الطماطم. هينسوا الموضوع الأساسي ويقضوا السهرة بيدوروا على معنى الكلمة.
- تكتيك “الهروب للأمام”: لما حد يواجهك بحقيقة واقعية، باغتة بإنك تقوله:
ده تفكير خطي قديم جداً، إحنا دلوقتي في عصر ما بعد العهدين
. طبعاً مفيش حاجة اسمها كدة، بس الجملة طالعة بثقة، ولأنشكلك فاهم يا نصّة
، هاتنهي أي نقاش.
- مناورة “الصمت التفكيكي”: لما يسألك حد سؤال مباشر، بص في الفراغ وخد نفس عميق واسكت سكتة درامية، ثم باغته وقول:
السؤال في حد ذاته هو المشكلة.. إحنا محتاجين نفكك بنية السؤال قبل ما نجاوب
. مبروك، أنت كدة بقيت مفكر عبقري في نظر 90% من اللي قاعدين.
- فلسفة “الولا-حاجة”: إنك تكتب بحث اجتماعي طبي لاهوتي كامل عن:
محورية الفراغ في خمسينة الشاي
، وإزاي متشربش شاي غير بفراع أكسچيني، عشان أكسدة الشاي متمنعش الشاي من أكسدة الحديد في المعدة. أهو ده “مباغتة وجودية”. الناس هتقرأه وهي حاسة بذنب إنها مش فاهمة العبقرية دي، وممكن تاخدكأب إعتراف
لقدرتك العبقرية في بيوكيمستري الخمسينة، والقدرة على خلق معنى للولا-حاجة.
مباغتة “القانون الشبح”!
العبقرية في ‘المباغتة الفكرية' المرة دي مكنتش في فلسفات ومصطلحات، دي كانت في فن ‘تسريب' مشروع قانون أحوال شخصية للمسيحيين، الحكومة باغتتنا بيه واحنا لسه بنقول يا هادي. المباغتة هنا وصلت لمرحلة الإعجاز؛ إحنا قدام مشروع قانون الكل بيتكلم عن محاسنه، بس مفيش حد شافه، ولا حد عارف جهة إصداره، ولا حتى عارفين هو طلع من أنهي درج في دولاب الحكومة! الصحافة رمت القنبلة وسابتنا “نتشل” في أفكارنا.
هناك عبقرية حقيقية في مباغتة شعب كامل بقانون يخص أدق تفاصيل حياته، وتخليه يضرب أخماس في أسداس وهو بيدور على "اللينك الأصلي" اللي مش موجود. دي مش مجرد مباغتة، ده "تنويم مغناطيسي جماعي" خلى تفكيرنا يتشل لدرجة إننا بقينا بنعارض ونأيد في خيالنا!
أنا اخترت المصري اليوم
كنموذج محسوب على الصحافة المستقلة، ملوش أيديولوجيا معروفة؛ بص يا معلم على الجاهزية في “التمبليت” والألوان، واختيار مانشيت مبهج وفرايحي موحٍ بالأمل: الإخلال بالعقد يستوجب الطلاق .. الله يا مصري عليك اليوم.. أنا نفسي اتفتحت للحرية وتمت مباغتتي في بند مكنتش أعرف إنه قاعدة عامة لأي تعاقد.
أو بصراحة كنت أعرف.. بس “إتباغت” خلاص!
لما فكرت في معنى الكلام.. لقيه أي كلام! في راجل عجوز مكّار بيسرح بيا.. بيعيد تقديم “أزمة الطلاق المسيحي” في إطار “العقد شريعة المتعاقدين”، وأنا سرحت ومفكرتش إيه بنود العقد الزيجي أساسَا. هو في حاجة مؤكدة في “عقد النكاح” غير اللمؤاخذة الـ”جنس”، وعند المسيحيين “غير مُلزم” والأداء مشروط بالأدب، ومنقطع في الصوم، وبإذن الراجل العجوز المكار برضو؟
أظن هاتقولي “سر مقدس” و”جمع إلهي” وبتاع! أنا اللي أعرفه إن الفحص الطبي لراغبي الزواج بيقيس كفاءة إنجابية، يعني “قدرة على التكاثر” مش بيقيس إرادة الله! وبما إن “كاهن الصحة” ميعرفش النتيجة إلا بعد ما “يقلعوا البنطلون”، فـ”كاهن الله” ميعرفش “ضمير الله” -جمع ولا مجمعش- حتى لو قلع معاهم! دي بديهيات يا عم العجوز المكّار! إنت متعرفش ضمير العرسان، هاتعرف ضمير ربنا؟ هاتشعوذ وتنجم بالمستقبل ربنا شايل لهم فيه إيه؟
المهم إن العجوز ده عبقري.. طالما باغتني وسرح بيا، يبقى عبقري.. وطالما عبقري، يبقى شابو.. عجبتني!
مباغتة الصحفي “العبد الوظيفي”
لازم نعذر الجرنان يخواننا.. ما الجرنان إتباغت بقرار مجلس الوزراء ولازم يعبي كلام في وقت قصير علشان يعرف “يباغتنا”.. نعذر بعض..
كمان التحديات التي تواجه الصحفي مباغتة جداً؛ تخيل أن تتصل بمصدرك المتخصص في علم الاجتماع القانوني و”تباغته”، وتأخذ منه تصريحاً هاتفياً في وقت يتسابق فيه الجميع للحصول على المعلومات، وتعود مسروراً لأنك حصلت على كلام مهني خطير جداً سيشعل “الترند” ويجعلك تعتلي ناطحة سحاب الجدل الهجنجل، و”الريتش” بتاع الجرنان يطلع لمستوى الحلم.
تجيلك السياسة التحريرية و”تباغتك” وتقول لك: إيه اللي جايبه ده؟ نقد لمشروع الحكومة؟ أنت عايز تخرب بيتنا؟ إحنا عايزين حاجات إيجابية تفتح النفس، وإلا هنقعد بالبيجامة كلنا!
تتصدم، ويرشوا عليك ميه.. تفوق.. ترجع تكلم مصدرك المتخصص تاني، وتبوس إيده، وتبتكر وتبدع في إيجاد عبارات دبلوماسية تتناسب مع تحديات البقاء والمرتب اللي مابتقبضوش، وتقول له: حاجة فرايحي واحدة أبوس إيدك، ما تضلمهاش وترفدني..
بالأغلب كل ده بيفشل، ومصدرك هيباغتك بواحدة “قـدس أمك” ويقفل السكة في وشك! تيت تيت تيت… تحسها عربية بترجع بضهرها على جثة أحلامك…
لكن عملوها الوحوش.. متباغتوش.. الصحفي المصري اليوم غير..
وعملوها كلهم.. كله جايب كلام عن مشروع القانون اللي مفيش رئيس تحرير، ولا رئيس برلمان، شافه أصلا!!
فين مشروع القانون يا حكومة؟ بتعملوا مشروع سري ع أساس إن ده “سر مقدس” ولا ايه؟ العفاريت.. فاهمين كل حاجة واحنا بس اللي متباغتين!
حاولت أتجاوز “المباغتة” -رغم إعجابي الشديد باللعبة الحلوة- فقلت احكيلكم خواطري العشوائية بكل تلقائية حول أول “إعلانين دعائيين” بيقوموا بالترويج التسويقي لمشروع الحكومة.. وهاكتفي باتنين علشان أمراضنا الشخصية أكتر من أحوالنا الشخصية.. مفيش وفيات بإذن الله.
الخطبة بعقود موثقة
ليه الخطوبة تتوثق وهي في الشرع المسيحي “غير ملزمة” وغير مضمونة، ولا تُحدث في القانون أي تغيير في المركز القانوني؟ إنت هتعبي ده في سجلات الدولة حضرتك، يعني قاعدة بيانات وتطوير أنظمة وإدخال بيانات، يعني “وقت وفلوس” ورسوم توثيق.. بترهل الجهاز البيروقراطي أكتر ما هو مفرط السمنة عشان توثق حاجة مالهاش أثر قانوني؟! هتصرّف الشباب فلوس وتضيع وقت في حزمة إجراءات علشان حاجات مالهاش لازمة؟ مباغتات تاني!!
فلسفة المُشرع ريفية ساذجة.. تقدر تتخيل معايا إنه ذكر عجوز وماكر ولابس جلابية ووقع من فيلم أبيض وأسود، ومتضايق من بنته ولا حفيدته اللي بتقابل شباب في كاڤيتريا إرمياسات، لا هوّ عارف يربيها على القيم الريفية السمرة الجميلة، ولا هيّ عارفة تقنعه إنها من العاصمة ومن جيل مختلف.. فبيفوض الدولة بمسؤولياته الأبوية علشان المخبرين وأمناء الشرطة وبعض المواطنين الشرفاء يفتشوا الكاڤيتيريات والتجمعات المختلطة، اللي معاه عقد خطوبة يقعد بأدبه، واللي معهوش نوديه عند أمه تربيه ونعمل عزل اجتماعي “نباغت” بيه الصيع ولاد الكلب دول.
يطلعلك واحد يباغتك ويقولك التوثيق عشان “الشبكة”، بحيث لو اتفسخت الخطوبة فالشبكة متعملش منازعات بين الأهالي. وده هاقوله مفيش شبكة في المسيحية أصلا، إنما في “دوطة” (عكس الشبكة.. أهل البنت هما اللي بيدفعوا للولد) يعني المُشرع لا إتجوز ولا يعرف جواز مسيحي ومعلوماته واخدها من نفس الراجل العجوز الفلاح الريفي اللي واقع من فيلم أبيض وأسود، وبيحاول يقنن العرف بالعافية!
ودي مشكلة تانية كبيرة جداً.. الشبكة “عرف اجتماعي” محلي، ومش إلزامية لا هي ولا الدوطة، فليه أقنن العرف؟ ما أسيبه حر وكله براحته وتمشي بالتوافق. ليه الدولة تدخل في نزاعات المخطوبين على الشبكة؟ مالهم الأهالي والأعراف والقيم الأسرية اللي بتحبسوا “التيكتوكرز” بسببها.. قصروا؟ طاه أنا عايز الراجل الريفي العجوز المكّار يقول صراحة إن “القيم الأسرية” مش كافية لضبط الأسرة المسيحية! لقد باغتك أنا هذه المرة بالمباغتة المرتدة، صح؟
الإعلان عن الخطبة داخل الكنيسة لإتاحة الاعتراض
إيه الـ”أي كلام” ده؟ مش ده “مشروع قانون”؟ يعني اللي كتب الكلام ده مجلس الوزراء؟ مجلس الوزراء هيلزم الكنيسة إزاي تعلن أو ما تعلنش؟ هيراقب “لوحة إعلانات” الكنيسة إزاي يعني علشان يتأكد إن أي حد دفع الرسوم محدش ضايقه؟ هل إيصالات الكنيسة هيكون لها دفاتر ممسوكة محاسبيًا ومسمعة في الدولة؟ ولا الراجل العجوز فاكر إن “دفتر الإيصالات” بتاع المكتبة ده ليه حجية؟ ثمّ مش لسه في الإعلان الترويجي السابق بتقول هاتوثقه في الدولة وتشهره؟ بتحط إعلان داخلي بعد التوثيق والإشهار ليه بأه؟ طيب والله جميل إن الدولة تخش تراقب المال السايب، وتراقب الإعلانات المحطوطة على العمود وتشوف “الإعلان” متعلق والكهنة علقوه ولا مهملين.
طبعًا تحس نفس الراجل العجوز اللي مش لامم بنته في الكاڤيتيريا، هوه بعينه بمكره ومكيره، بس المرة دي مش لامم الشباب في الكنيسة، فخايف العيال تخطب متعدد من بنات الناس مثلًا، فلازم يعمل “إعلان” ويعلقه على العمود. أو ربما حاصلاله مشاكل مع بنته الأولانية إنها “فورتيكة” وبتتخطب تاني وهي مخطوبة.. ما هو إيه لازمة الإعلانات يعني؟ وإيه إتاحة الفرصة للاعتراض؟ ليه حد يعترض على خطوبة غيره ويـ”نفسن” منه؟ ليه بتعبي الاجراءات في اللا-جدوى وسارح؟ أنا طبعًا بحاول أستنتج وأفك طلاسم الولا-حاجة بأي معنى! فكروا معايا الكلام ده لازمته إيه والراجل العجوز ده بيعمل كدا ليه؟ جاب التشريع ده من أنهي دولة؟ من أنهي كتاب؟ من أنهي دولاب؟ فين التراكم الاجتماعي اللي اتكركبت فيه الناس، فظهر احتياج للكلام ده؟! فين المشكلة اللي القانون بيحلها؟ هي دي مشاكل عند مين؟
أتصور أن هذا أيضًا تفويض أبوي للدولة تخش تربي أبناء العجوز اللي مش قادر عليهم، وأتصور أن فكرة الإعلانات على العمود وأنت داخل مستوحاة من كلب بلدي أسود كان بـ”يشخ” على الحيطة لما يشمشم ويلاقي ريحة كلب ذكر سبقه و”علّم” عليها قبله إن الحيطة دي محجوزة.. تكنيك كلاب بلدي وأنا عارفه كويس ومتابع الأستاذ محمود سلطان من صغري وحضرت كل عالم الحيوان، وهو بروتوكول شهير جداً في الطب البيطري ويدعونا للإعجاب بثقافة الرجل العجوز ودرايته الموسعة بعالم الحيوان.
لكنَّ الرجل، على قدر عبقريته الحيوانية، يبدو أنه أقدم من عصر راديو «الترانزستور»، ولم يسمع بالاختراع الذي غنت له شادية قائلة: «يا دبلة الخطوبة»، فهتف الشعب من خلفها: «عقبالنا كلنا». مالها الدبلة يا عجوز كتوثيق وكأعلان وإداة إشهار لحاجة عبيطة زي الخطوبة؟
نفوق بس من “المباغتة”، ونجيب الراجل العجوز بتاع الكلب ده، لأن أنا متأكد إنه عدى علينا قبل كدا [2].
