المقال رقم 75 من 73 في سلسلة تاريخ الإخوان والسلطة
تاريخ الإخوان والسلطةwp-content/uploads/2024/09/تاريخ-الإخوان-والسلطة.webp

تتابعت الهجمات على ميدان التحرير من كافة المداخل المؤدية إليه. وكانت الهجمة الأولى والأكثر عنفًا من كل ما سبق نحو شارع . وطيس المعركة العنيفة دفع أحد ضباط الجيش، النقيب ماجد بولس، إلى التحرك بشكل فردي لصد الهجوم على الميدان وحماية المتظاهرين العزل. فأطلق طلقات مسدسه في الهواء لترهيب المهاجمين على الميدان. وانطلقت الهتافات عليه مدوية الجيش والشعب إيد واحدة تقديرًا لبطولته.

ومثلما اشتدت المعركة في مدخل طلعت حرب، ظلت المداخل الأخرى المؤدية للميدان تحظى بمعارك عنيفة مشابهة. مدخل كان هو الأكثر هجومًا بالإضافة إلى مدخل كوبري قصر النيل. كان الهجوم منظمًا ومدبرًا على كافة مداخل الميدان. تصرف ماجد بولس الفردي سيتخذه الجيش فيما بعد دليلًا على حماية الثوار، في حين أنه لم يتحرك فرد واحد من أفراد الجيش لحماية المتظاهرين باستثناء ماجد بولس وجنود كتيبته فقط.

مع اقتراب صلاة العصر، وبعد ساعات من الدماء، بدأ المهاجمون بالانسحاب، وعاد الهدوء الحذر إلى أرض الميدان. تمكن ثوار التحرير من السيطرة على الهجوم والقبض على عدد من المهاجمين. بتفتيشهم، وُجد مع عدد منهم بطاقات تفيد عضويتهم في ، وآخرون ينتمون لوزارة الداخلية.

عرضت مشاهد لتلك البطاقات، ومرة أخرى تجاهل التلفزيون المصري تلك الحقائق، وأذاع بيانًا لوزارة الداخلية نفى فيه ما أذاعته قناة الجزيرة من تورط عناصر أمن بزي مدني في مهاجمة الميدان، وأدان محمد المعركة قائلًا: هذا العمل الإجرامي الذي ارتكبه نظام إجرامي!.

في لقائه مع على بتاريخ 10 يونيو 2012، أكد القيادي الإخواني أن لواءً من المخابرات الحربية يدعى اللواء “عبد الفتاح” حذره من إراقة الدماء التي ستحدث في ذلك اليوم.

حوالي الساعة ٢ الضهر، وأنا كنت بتجوّل في الميدان.. وبعدين لقيت حد من الزملاء جاي يقولي فيه حد عايزك ضروري. فرجعت للمكان اللي كنا بنقعد فيه، مع القوى السياسية الموجودة، وكنا بنتابع تطورات المشهد. فلقيت حد قدملي نفسه وقال: “أنا اللواء عبد الفتاح.. مخابرات”، إتفضل.. هو كان دار حوار بينه وبين الزملاء اللي كانوا حاضرين، وهما من تيارات سياسية مختلفة، قبل ما أنا آجي، بس قال لهم: “أنا عايز البلتاجي”. فقولت له: “اتفضل”.. فقالي: “يا دكتور بلتاجي.. وفّروا إراقة الدماء اللي هتحصل النهاردة”. فأنا استغربت وقولتله: “ليه؟ ليه إراقة دماء؟” فقالي: “لأ ما هما أنصار جايين الميدان النهاردة، وهاتحصل مقتلة بينكم وبينهم… أنصار حسني مبارك هاييجو الميدان دلوقتي، وليهم حق في الميدان زيكم”. فقولتله: “ليه؟ ما عندهم ؟ ضاق بيهم واتملئ؟ ما تفتحولهم الإستاد يا سعادة اللواء؟ وعندكم ملاعب مصر كلها إذا كانوا عددهم ضخم قوي كده، بحيث إن إحنا نشوف هما قد إيه اللي واقفين ضد الثورة ومع حسني مبارك لغاية دلوقتي”. فقالي: “لاء، هما بيقولوا إن ميدان التحرير ملك للكل، وهاييجوا يعبروا عن تأييدهم لحسني مبارك هنا في الميدان، فهتحصل إراقة دماء. فيعني رجاءًا إن أنتو توفّروا إراقة الدماء وتروّحوا دلوقتي وتنهوا الاعتصام والثورة، وتروحوا.” ف يمين شمال في الآخر قولتله: “سعادة اللواء، فرضًا أنا اقتنعت برأيك، وفرضًا إن أنا أملك إني أوجّه الناس وأقولهم نخرج من الميدان.. إيه الضمانات إننا نروّح بيوتنا سالمين، طالما أنت بتقول إنهم في الطريق الآن؟” هوّه قال كدا بالحرف.. “إلى الميدان”.. “إيه الضمان إن إحنا ميُعتداش علينا وإحنا حتى خارجين مروّحين؟ إحنا قاعدين مُسالمين بقالنا خمس ست أيام، الورقة اللي بتضيع من واحد مننا، الشباب بينادوا عليها وبيلاقوها. مسلمين ومسيحيين بيوضوا بعض في جو ملهوش مثيل.. ليه تسمح إنت بدخول دول؟” فقالي: “لاء.. إحنا مسؤولين عن وصولكم إلى بيوتكم سالمين”، رحت قايم واقف وقولتله: “سعادة اللواء.. اللقاء انتهى.”.. والله العظيم، حصل هذا بالحرف.. فبصلي كدة، فقولتله: “إذا كنتم تستطيعوا أن تؤمنوا خروجنا من الميدان، فأنت تستطيع، وأنتم مسؤولين عن تأمين بقائنا في الميدان، وإحنا مسالمين لا نعتدي على أحد. أنتم اللي يجب أن تمنعوا اللي أنتم عارفين إنهم هاييجوا الميدان دلوقتي”. ده يوم الأربعاء الساعة ٢ الضهر.

(محمد البلتاجي، قناة دريم، ١٠ يونيو ٢٠١٢)

قاطعته الإعلامية منى الشاذلي قائلة: لا أسمحلي.. بالتأكيد هيُسأل الدكتور البلتاجي عن الشخص ده، لأن الاتهام اللي حضرتك بتقوله ده مش بتوجهه لشخص، أنت بتوجهه لجهاز. فبدأ البلتاجي يتنصل من كلامه ويتراجع قائلًا: لا لا، هو شخص.. أنا معرفش، أنا مش مسؤول. فعاجلته مرة أخرى قائلة: الحكايات دلوقتي مبقتش حكايات.. الحكاية ديّه إما دلائل تُدين.. أو ترتد على قائلها. فقاطعها متنصلًا: لاء، أنا مش مسؤول عنها.. أنا بحكي الواقعة اللي هأقولها بعد بكرة وأنا مطلوب للشهادة أمام النيابة.. أمام محكمة الجنايات يوم التلات.. اللي بقوله لحضرتك هو اللي هأقوله بالحرف، وده اللي أنا كتبته قبل كدا من شهور طويلة، وقولته قبل كدا في حوارات، بس محدش كان واخد باله. ف دلوقتي بقي الكلام مهم يعني...

في الكثير من المقالات والتحليلات التي كُتبت بعد الثورة عن هذا اليوم، أكد العديد من الكتاب والمحللين السياسيين أن موقعة الجمل كانت الحد الفاصل في الثورة، ولولاها ربما كان مبارك لا يزال يحكم مصر حتى يومنا هذا. كانت تلك المعركة هي الحد الفاصل بين إمكانية رحيل الثوار عن الميدان وإمكانية رحيل مبارك عن حكم مصر. لكن بسبب رعونة مؤيدي مبارك، انقلبت الكفة وانقلب الرأي العام على مبارك مرة أخرى بعدما كاد أن ينجو من الإطاحة به. وزاد المحتجون إصرارًا فوق إصرارهم على مواصلة الاعتصام بالميدان إلى أن يرحل. فأقنعت موقعة الجمل قطاعات عريضة من الشعب بأن نظام مبارك ليس ضحية أو مجنيًا عليه، وإنما جانٍ متورط في قتل المعتصمين بميدان التحرير، ولا معنى لمنحه مهلة لخروج مشرف من السلطة.

في مساء هذا اليوم على شاشة الفضائية المملوكة للدولة، تحدث المطرب محمد فؤاد في مداخلة هاتفية، وبدأ يبكي وينتحب بشكل هستيري ليجذب تعاطف الشعب. وقال مستدراً العواطف: يمكن ده يكون أخر كلام لمحمد فؤاد تسمعوه.

وعلى نفس القناة، تلقى المذيع اتصالًا باكيًا لشخص عرّف نفسه أن اسمه تامر، على أنه أحد متظاهري التحرير النادمين العائدين من الميدان. وقال بصوت متهدجٍ باكٍ إنه الآن يتحدث من غمرة بعد خروجه بصعوبة من قلب ميدان التحرير، لأن المتظاهرين يقومون بمنع الخروج من الميدان بالقوة. فحاول المذيع تهدئته، ثم سأله عن انتماءات المتظاهرين في الميدان، فأجاب تامر إنهم أجانب: بيتكلموا English Language كويس جدًا، ومفيش حد بيتكلم غير الإنجليزية داخل ميدان التحرير، وإنه بكرة اتحطله Solgan (شعار) إنه يوم الخلاص.. يوم الخلاص من مين؟. ثم عاود البكاء مرة أخرى، وقال بصوت مبحوح إنه نجح بعد جهد في الاتصال بالتليفزيون المصري بينما الأغلبية لا تستطيع. فطلب منه المذيع أن يأتي للتليفزيون حتى يخرج ويتحدث على الهواء مباشرة، فعاود مرة أخرى البكاء بشكل هستيري بدون سبب واضح، وانقطعت المكالمة.

لاحقاً، كشفت المذيعة في لقائها مع منى الشاذلي على فضائية دريم بتاريخ 10 يونيو 2012، أن القيادي الإخواني محمد البلتاجي أكد أن لواءً من المخابرات الحربية، يدعى اللواء عبد الفتاح، قد حذره من إراقة الدماء التي ستحدث في ذلك اليوم. وقال البلتاجي نصًا أنّ هذا المتحدث المدعو تامر هو أحد محرري البرامج بقناة المملوكة للتلفزيون المصري، وكان يتحدث من داخل مبنى التلفزيون نفسه، وأن المكالمة برمتها كانت تمثيلية مُعدة مسبقًا لتضليل المصريين عما يحدث في ميدان التحرير. وتوالت المداخلات الهاتفية التي تحمل نفس السيناريو، فأقر أحد المتصلين أنه عائد لتوه من الميدان، وقال أن: المتواجدين الآن في التحرير: أنصاف رجال، وأنصاف نساء، وشواذ جنسيًا، وإخوان مسلمين!.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ تاريخ الإخوان والسلطة[الجزء السابق] 🠼 الأربعاء ٢ فبراير
بيشوي القمص
[ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤