المقال رقم 27 من 27 في سلسلة تاريخ الإخوان والسلطة

قد بات واضحًا أن شهر العسل بين الإخوان و قد انتهى. فقد حقق غايته من التحالف مع الإخوان، ولم يعد في حاجة إليهم. وأدرك الإخوان أنهم وقعوا في فخ، وأن حريتهم في الحركة التي وعدهم بها عبد الناصر في مفاوضاته معهم في مارس 54 بدأت تتبدد. ويومًا بعد يوم كانت الأمور بين الطرفين تسير من سيئ إلى أسوأ، وأيقن الإخوان أنهم وصلوا مع عبد الناصر إلى طريق مسدود، وقرروا التخلص منه والاستيلاء على الحكم بالقوة.

في مايو 1954، هرب الضابط ، العضو السابق في تنظيم الضباط الأحرار، من محاكمته العسكرية، واختبأ في منزل المحامي ورئيس التنظيم السري في إمبابة. وهناك التقى مع إبراهيم الطيب المحامي ورئيس التنظيم السري بالقاهرة، و وغيرهم من قادة التنظيم السري الجديد. وتولى عبد الرؤوف الإشراف على الجهاز السري، ويروي عبد الرؤوف في مذكراته أنه رسم للتنظيم السري خططًا عسكرية وأقام لهم معسكرات للتدريب من جديد.

في يونيو 1954، سافر إلى السعودية، ومنها إلى سوريا ولبنان والأردن. كانت مفاوضات الجلاء التي يديرها عبد الناصر مع الإنجليز قد استؤنفت بعد توقف، وتم التوقيع على معاهدة الجلاء بالأحرف الأولى في يوليو 1954. وبالطبع، عارض الإخوان الاتفاقية، وأصدر الهضيبي بيانًا من سوريا ينتقدها. ووزع الإخوان في القاهرة منشورات ضدها تحت عنوان هذه الاتفاقية لن تمر.

وفي أغسطس من نفس العام، ذهب عبد الناصر إلى السعودية لأداء فريضة الحج، وعاد الهضيبي إلى القاهرة واستُقبل من الإخوان استقبال الفاتحين. وكُلف من مكتب الإرشاد بتأمين استقبال المرشد حسن الهضيبي، فأتى برفاقه في التنظيم الخاص مسلحين. في نفس الوقت، كان قيادات الإخوان يعدون لمظاهرة ضد النظام تخرج في 29 أكتوبر بحماية مسلحة. بينما كان التنظيم السري بقيادة يوسف طلعت يجمع الأسلحة وملابس البوليس الحربي لمهاجمة مجلس الوزراء واعتقال أعضائه ورئيسه عبد الناصر، وهي الخطة التي رسمها لهم عبد المنعم عبد الرؤوف.

في نفس الوقت، رسم إبراهيم الطيب وهنداوي دوير خطة ثانية تقضي باغتيال عبد الناصر أولًا، ثم التخلص من الضباط الأحرار بالاعتقال أو الخطف. واختارا محمود عبد اللطيف، عضو تنظيم إمبابة، لتنفيذ المهمة. وفي يوم الجمعة 27 أغسطس 1954 في حي منيل الروضة، وعقب صلاة الجمعة، اعتلى القيادي الإخواني حسن دوح المنبر بمسجد شريف، وألقى خطبة هاجم فيه سياسات مجلس قيادة الثورة وما تقوم به من إجراءات. وخرج بمظاهرة من المسجد اشتبكت مع قوات الشرطة، ووقعت إصابات في الجانبين. وفي نفس اليوم، خرجت مظاهرات بقيادة الإخوان المسلمين في طنطا اشتبكت هي الأخرى مع الشرطة.

في 19 أكتوبر 1954، تم التوقيع النهائي على ، وبدأ عبد الناصر جولة في أنحاء مصر لشرح الاتفاقية للمواطنين. في نفس الوقت، كانت منشورات الإخوان مستمرة وتصاعدت حدتها داعية لمواجهة الحكومة. وفي 20 أكتوبر، اجتمعت الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين، واعتبرت المرشد في إجازة وأعفت مكتب الإرشاد، مما كان يُعد انقلابًا داخل الجماعة، فقد كان عدد لا بأس به من الإخوان يؤيدون عبد الناصر في حركته وطريقة أدائه، لكن الأغلبية بالطبع تؤيد المرشد في عداه لعبد الناصر. وفي اليوم التالي، 21 أكتوبر، كتب الهضيبي استقالته، وحملها إلى يوسف طلعت الذي سلمها ل المتحفظ عليه في منزله.

كان التنظيم السري الجديد هو الذي يدير الجماعة في ذلك الوقت، والذي قرر بدوره اغتيال عبد الناصر خلال إلقاء خطابه في ميدان المنشية في الإسكندرية. واختير محمود عبد اللطيف، الذي يعمل سمكريًا، لأداء المهمة، كونه من أمهر الرماة في التنظيم السري. وشرح هنداوي دوير لعبد اللطيف موقف الإخوان من اتفاقية الجلاء وأقنعه أنها خيانة للبلد، وأكد له أن أوامر قتل عبد الناصر صادرة من الهضيبي شخصيًا. وعرض عليه أن يرتدي الحزام الناسف الذي أرسله يوسف طلعت ويحتضن عبد الناصر فيموت معه، لكن عبد اللطيف رفض وفضل استخدام المسدس.

في صباح السادس والعشرين من أكتوبر، غادر محمود عبد اللطيف منزله في إمبابة، وتوجه إلى الإسكندرية حيث سيلقي عبد الناصر خطابه في المنشية. وصل عبد اللطيف إلى الإسكندرية في الواحدة ظهرًا تقريبًا، تمشى قليلًا وأكل في مطعم، ثم ذهب إلى لوكاندة دار السعادة ليرتاح قليلًا. غادر اللوكاندة بعد قليل وتوجه إلى ميدان المحطة، فوجد جماعة من المتظاهرين في طريقهم إلى المنشية، فمشى وراءهم إلى الميدان وانتظر حتى وصل عبد الناصر وبدأ خطابه.

وبينما هو في منتصف الخطاب، أطلق عليه عبد اللطيف ثماني طلقات نارية من مسدس بعيد المدى. وتصور الحضور أن عبد الناصر أُصيب، لكن القدر أمهله الفرصة مرة أخرى ليصاب شخصان وينجو عبد الناصر. وقُبض على عبد اللطيف في الحال، وحاول الحرس الخاص بعبد الناصر إخراجه من موقع الحدث، لكنه رفض وواصل خطبته الارتجالية الشهيرة:

فليبق كلٌ في مكانه… أيها الرجال، فليبق كلٌ في مكانه… دمي فداء لكم… حياتي فداء لكم… دمي فداء لمصر… حياتي فداء لمصر… دمي فداء لمصر… أيها الرجال… أيها الأحرار… دمي فداء لكم… حياتي فداء لمصر… هذا … يتكلم إليكم، بعون الله، بعد أن حاول المغرضون أن يعتدوا عليّ… وعلى حياتي… حياتي فداء لكم… ودمي فداء لكم… أيها الرجال… أيها الأحرار… إن جمال عبد الناصر، مِلك لكم… وإن حياة جمال عبد الناصر، مِلك لكم… أيها الناس… أيها الرجال… ها هو جمال عبد الناصر… ها هو جمال عبد الناصر… بينكم… أنا لستُ جبانًا… أنا عشت لكم وسأعيش حتى أموت عاملًا من أجلكم، ومكافحًا في سبيلكم… سيروا على بركة الله، والله معكم ولن يخذلكم… فلن تكون حياة مصر معلقة بحياة جمال عبد الناصر، إنها معلقة بكم أنتم وبشجاعتكم وكفاحكم… سيروا على بركة الله نحو المجد، نحو العزة، نحو الكرامة.

(الرئيس جمال عبد الناصر، حادث المنشيّة)

وبمجرد أن علم هنداوي دوير بخبر القبض على محمود عبد اللطيف، سلّم نفسه للشرطة صباح اليوم التالي. ووفقًا لرواية المؤرخ في كتابه ، فإن محاولة اغتيال عبد الناصر قد رفعت من رصيده شعبيًا وساعدت في التفاف الجماهير حوله. وبغض النظر عن مدى صحة تقدير الرافعي، فالمؤكد أن النظام قد استفاد من الحادث استفادة سياسية كبيرة. فبعد هذا الحادث، كانت الفرصة سانحة لتصفية كل خصومه، فاتخذ مجلس قيادة الثورة حادثة المنشية مبررًا للعودة إلى المحاكم العسكرية، فأصدر أمرًا بتأليف محكمة عسكرية مخصوصة، لُقّبت زورًا باسم محكمة الشعب لإعطائها الشرعية التي تفتقدها.

شكوك حول الحادث

يتمسك ومؤيدوهم بنظرية تقول إن حادث المنشية عبارة عن تمثيلية ومسرحية دبرها وأخرجها جمال عبد الناصر من أجل خلق مبرر لكي يطيح بالجماعة وينفرد بالسلطة وحده، استنادًا إلى كون عبد اللطيف رامٍ ماهر، ويستحيل معه أن يخطئ في إصابة هدف واضح كعبد الناصر. ويدعون أن الرصاصات الثمانية كانت “فشنك”، بالرغم من أن أبرز الأدلة على إطلاق الرصاص الحي على الرئيس بالمنصة هو إصابة المحامي أحمد بدر، سكرتير هيئة التحرير بالإسكندرية في ذلك الوقت، برصاصتين تركتا أثرًا بجسده حتى وفاته عام 1979، وإصابة ميرغني حمزة، وزير الزراعة السوداني وزعيم الطائفة الختمية السوداني، والذي كان يقف بجوار عبد الناصر بالمنصة، بشظايا بيده. بل إن الرصاصة الأولى التي أطلقها محمود عبد اللطيف، المتهم الأول بالقضية، أصابت وكسرت جانبًا من المنصة الإسمنتية أمام عبد الناصر.

لكن ما يثير الريبة في الأمر هو أنه بعد صدور الحكم على هندواي دوير وبعد عودته إلى سجن القلعة، أخذ يصرخ بصوت هستيري عالٍ قائلًا: إحنا متفقناش على كده.. إحنا متفقناش على كده.. مش ده اللي اتفقنا عليه. ولم يعرف أحد حتى الآن ما معنى صيحاته، وما هو الاتفاق الذي تم الاتفاق عليه؟ ومع من؟ ولماذا أخل الطرف الآخر باتفاقه؟

لاحقًا، صرّح المرشد السابع للإخوان المسلمين، مهدي عاكف، في فيلم وثائقي عن حادثة المنشية، أنه في يوم من الأيام، وأثناء زيارته لمجموعة إمبابة، وقف هنداوي دوير وقال: إن اللي يقتل عبد الناصر لن يحاكم. فسأله عاكف: من قال لك هذا؟ ومن أين جئت بهذا؟ فلم يجب هنداوي دوير.

في برنامج الجريمة السياسية الذي أذاعته فضائية الجزيرة عبر حلقتين في 22 و 29 ديسمبر عام 2006 عن حادثة المنشية، أقر أبطال الحادث بالمسؤولية، وأنه تم بتخطيط شامل وإشراف دقيق لقيادات الجماعة.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ تاريخ الإخوان والسلطة[الجزء السابق] 🠼 أزمة مارس ١٩٥٤
بيشوي القمص

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎