المقال رقم 26 من 27 في سلسلة تاريخ الإخوان والسلطة

في أواخر فبراير عام 1954، اشتد الصراع بين و داخل ، بسبب محاولة الضباط جني ثمار نجاح الحركة ولو على حساب المبادئ والأخلاق. فكان أول ما فعله ضباط القيادة هو استبدال سياراتهم الجيب بسيارات صالون فاخرة، وترك أحدهم شقته المتواضعة واستولى على قصر من قصور الأمراء في جاردن سيتي ليقيم بالقرب من إحدى الأميرات التي كان قصرها قريبًا من القصر الذي استولى عليه، وكان لا يتورع عن الهجوم على قصرها بعد منتصف الليل وهو في شبه حالة إغماء بسبب الخمر. وترك البكباشي عبد المنعم أمين الحبل على الغارب لزوجته التي كانت تعرف كل ما يدور في مجلس قيادة الثورة، وكانت تستغله لصالحها ولصالحه، وكانت تجلس في نادي الجزيرة بين سيدات المجتمع تتباهى بنفوذها وتقول علنًا: الجيش في يميني والبوليس في يساري.

وفاحت رائحة ضابط آخر كان يلهث وراء ناهد رشاد، زوجة الطبيب ، طبيب فاروق الخاص وقائد الحرس الحديدي السابق. وانتشر العسكر في جميع المناصب الإدارية، وسرق بعضهم فلوس معونة الشتاء، وسرقوا هدايا وبضائع قطارات الرحمة وباعوها علنًا، وسرقوا فلوس التبرعات الخاصة بالشؤون الاجتماعية، وسرقوا تحفًا ومجوهرات وبعض أثاث القصور الملكية. بل إن شقيق صلاح و قد طبع اسمه على بطاقة شخصية وكتب تحت اسمه شقيق جمال سالم و ليسهل بها أموره ويكسب من ورائها الكثير، حتى شاع بين الناس أن الثورة طردت ملكًا وجاءت بثلاثة عشر ملكًا. وصدمت هذه التصرفات باقي الذين يتصفون بالمثالية، فحمل بعضهم هذه الفضائح وواجهوا بها ضباط القيادة، لكنهم لم يسمعوا لهم وقرروا التخلص منهم مثلما حدث مع ضباط المدفعية.

كان أول خلاف حول محكمة الثورة التي شُكّلت لمحاكمة زعماء العهد الملكي. ثم حدث خلاف ثانٍ بعد صدور نشرة باعتقال بعض الزعماء السياسيين الذين تولوا مناصب في عهد ال، وكان من بينهم . رفض نجيب اعتقال النحاس باشا ومحا اسمه من القائمة، لكنه فوجئ بعد توقيع الكشف بإضافة اسم النحاس. ثم أصدرت محكمة الثورة قرارات ضاعفت من كراهية الناس للثورة، ومنها مصادرة 322 فدانًا من أملاك زينب الوكيل حرم النحاس باشا، كما حكمت على أربعة من الصحفيين بالسجن المؤبد وبمصادرة صحفهم بتهمة إفساد الحياة السياسية.

ويضاف إلى هذه القرارات قرارات أخرى صدرت رغم رفض محمد نجيب التوقيع عليها، منها القرار الجمهوري بسحب الجنسية المصرية من ستة من المصريين المنتمين إلى جماعة . وازداد الصدام بينه وبين مجلس القيادة عندما اكتشف أنهم ينقلون الضباط دون مشورته. ورفض أن يؤدي اليمين الدستورية أمامه بعد تعيينه وزيراً للداخلية، وكذلك جمال سالم. وذكر في مذكراته أنه اكتشف أن رجال الثورة كانوا قد عقدوا العديد من الاجتماعات بدونه. كل هذه الأمور دفعته إلى التفكير جدياً في تقديم استقالته.

لم تكن أزمة مارس مجرد صراع علني على السلطة بين اللواء محمد نجيب وأعضاء مجلس قيادة الثورة، بل كانت الأزمة أعمق من ذلك؛ فقد كانت صراعًا بين اتجاهين مختلفين: اتجاه يطالب بالة والحياة النيابية السليمة تطبيقًا للمبدأ السادس للثورة، وهو إقامة حياة ديمقراطية سليمة، واتجاه آخر يصر على تكريس الحكم الفردي وإلغاء الأحزاب وفرض الرقابة على الصحف.

لقد خرج الجيش من الثكنات، وانتشر في كل المصالح والوزارات المدنية، فوقعت الكارثة التي لا نزال نعاني منها إلى الآن في مصر. كان كل ضابط من ضباط القيادة يريد أن يكون قويًا، فأصبح لكل منهم شِلّة، وكانت هذه الشِلّة غالبًا من المنافقين الذين لم يلعبوا دورًا لا في التحضير للثورة ولا في القيام بها. [1]

(محمد نجيب، كنت رئيسًا لمصر)

في 24 فبراير 1954، فاجأ اللواء محمد نجيب، رئيس جمهورية مصر، مجلس قيادة الثورة باستقالته. وفي 25 فبراير، أصدر مجلس القيادة بيانًا بإقالة محمد نجيب، وحاول البيان الانتقاص من دوره وتشويه صورته أمام الجماهير. فقد أكد البيان أن محمد نجيب طلب سلطات أكبر من سلطات أعضاء المجلس، وأن يكون له حق الاعتراض على قرارات المجلس حتى لو كانت هذه القرارات قد اتخذت بالإجماع. وأدعى البيان أنه اختير قائدًا للثورة قبل قيامها بشهرين، وأنه علم بقيام الثورة ليلة من مكالمة هاتفية من وزير الداخلية، فتحرك إلى مبنى القيادة، وهناك تقابل مع عبد الناصر الذي وافق على ضمه وتنازل له عن رئاسة المجلس.

وفي الأيام التالية، نشرت الصحف اتهامات مجلس القيادة لنجيب على لسان صلاح سالم، وتعقد الموقف أكثر فأكثر. فقد أيد ضباط سلاح الفرسان محمد نجيب، ولكن التأييد الأهم جاء من الشارع الذي تحرك فور إذاعة بيان إقالته على الملأ على نطاق واسع للمطالبة بعودته. وخرجت الجماهير في مظاهرات احتجاج قوية. وقد لعب الإخوان والون -في التقاء مصالح مؤقت- دورًا كبيرًا في تحريك الشارع ضد عبد الناصر وقيادة الثورة، وانهالت البرقيات على المجلس ودور الصحف ترفض الاستقالة، واندلعت المظاهرات التلقائية في القاهرة والأقاليم لمدة ثلاثة أيام تؤيد نجيب، وكانت الجماهير تهتف: محمد نجيب أو الثورة. وفي السودان، اندلعت مظاهرات جارفة تهتف: لا وحدة بلا نجيب. وانقسم الجيش بين مؤيد لعودة اللواء محمد نجيب وإقرار الحياة النيابية، وبين مناصرين لمجلس قيادة الثورة، وأشرفت البلاد على حرب أهلية.

تداركًا للموقف، أصدر مجلس القيادة بيانًا في الساعة السادسة من مساء يوم 27 فبراير 1954، جاء فيه: حفاظًا على وحدة الأمة، يعلن مجلس قيادة الثورة عودة اللواء أركان حرب محمد نجيب رئيسًا للجمهورية، وقد وافق سيادته على ذلك. وهكذا عاد محمد نجيب إلى الحكم محمولًا على أكتاف الجماهير التي خرجت في مظاهرات شعبية لم تشهد مصر مثلها من قبل. وبدأ نجيب فور عودته إلى الحكم مشاوراته مع مجلس القيادة للتعجيل بعودة الحياة البرلمانية. وفي ليلة 5 مارس، صدرت قرارات ركزت على ضرورة عقد جمعية لمناقشة الدستور الجديد وإقراره، وإلغاء الأحكام العرفية والرقابة على الصحف، والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين.

في اليوم التالي، الموافق 28 فبراير، خرجت مظاهرات إخوانية مؤيدة لنجيب، قوامها حوالي مائة وخمسين ألف متظاهر تقريبًا، عُرفت باسم مظاهرات عابدين، تهتف: إلى الثكنات، إلى الثكنات.. إلى الثكنات يا رجال الجيش!. لم يكن ذلك بسبب مطالبتهم بالديمقراطية، وإنما عداءً لعبد الناصر ومحاولة لاقتناص أي مكاسب سياسية. تحرك المتظاهرون من جامعة القاهرة إلى قصر عابدين، وكان يقود المظاهرة ، لأن العلاقة بين عبد الناصر وعبد القادر عودة كانت حسنة جدًا، حتى إنها لم تتأثر باشتداد الخصومة والصراع بين عبد الناصر و. وحينما أصدر عبد الناصر قراره باعتقال قيادات الإخوان، كان عبد القادر عودة هو الوحيد من بينهم جميعًا الذي استُثني من قرار الاعتقال، بل سُمح له بزيارة السجن الحربي حيث كان الإخوان يقضون فترة الاعتقال.

كان عبد القادر عودة يسعى جاهدًا للتقريب بين قيادات الإخوان وعبد الناصر، ساعيًا لعقد مصالحة بين الجانبين. وكان يقول ويكرر: لا يوجد مبرر للصدام مع عبد الناصر أو الثورة. قد يوجد مبرر للخلاف، ولكنه لا يرقى إلى مستوى الصدام، خاصة وأن كل القرارات التي اتخذها عبد الناصر حتى الآن لها ما يسندها في الشريعة الإسلامية. هذا هو رأي عبد القادر عودة الذي كان يجهر به في وجوه الإخوان في ذلك الوقت. ويُعتقد أن قيادة عودة للمظاهرات جاءت بسبب الخصومة التي حدثت بينه وبين الهضيبي، لأن الهضيبي عزله من منصب وكيل الجماعة وعين مكانه محمد . فجاءت تلك المظاهرات فرصة لإثبات زعامته وشعبيته بين جموع الإخوان.

وحين وصلت المظاهرة إلى ميدان عابدين، بدأت الهتافات تهاجم عبد الناصر، ورفعوا عودة على الأعناق، وتعالت الهتافات الله أكبر ولله الحمد. ثم حمل عودة بين يديه قميصًا ملوثًا بدم أحد القتيلين اللذين كانا قد سقطا برصاص الجيش أثناء تصديه للمظاهرة عند كوبري قصر النيل وهي في طريقها إلى قصر عابدين، وتعالت هتافات عبد القادر عودة وهو يلوح بالقميص الملوث بالدم ويهتف: هذا عمل المفسدين.. هذا عمل المجرمين!. وفي هذه الأثناء، كان عبد الناصر في شرفة القصر ومعه عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة، يتابعون المظاهرات الإخوانية بقيادة عبد القادر عودة. وحينما اقترب عبد الناصر من عودة محاولًا مصافحته، أبى أن يصافح عبد الناصر أمام جمهور الإخوان، حرصًا على كسب تأييدهم وثقتهم على حساب خصمه اللدود حسن الهضيبي، وأعتقد أنه برفضه مصافحة عبد الناصر أمام هذه الحشود الكبيرة، سوف يكسب ورقة يلعب بها مع الهضيبي على زعامة الإخوان وقيادتهم.

اشتعلت المظاهرة أكثر فأكثر، وخشي محمد نجيب أن تحدث مصادمات بين المتظاهرين وقوات الجيش الموالية لعبد الناصر ورفاقه، فخرج محمد نجيب مع عبد الناصر من شرفة قصر عابدين محاولًا تهدئة المتظاهرين، وصاح بهم نجيب لمرات عديدة كي ينصرفوا دون جدوى. وبدا أن عبد الناصر قد فقد السيطرة على الشارع، فاستنجد محمد نجيب بعبد القادر عودة كي يصرف الجماهير، ووافق عبد القادر عودة على أن ينضم إليهم في شرفة القصر بعد أن طلب منه محمد نجيب ذلك، ودخل نجيب إلى داخل شرفة القصر، وغاب مع عودة بالداخل لدقائق معدودة، ثم عاد مرة أخرى مصطحبًا عودة، الذي وقف في شرفة قصر عابدين على مقربة من عبد الناصر ليخطب في المتظاهرين خطبة حماسية. وبعد أن انتهى، أشار عودة بيده إلى المتظاهرين وقال لهم ثلاث كلمات فقط: انصرفوا دون هتاف، فانصرف المتظاهرون الإخوان طائعين في دقائق معدودة. انتهت المظاهرة، لكن لم ينس ناصر ما حدث قط.

بعد أقل من شهر على مظاهرة عابدين الشهيرة، وفي 20 مارس 1954، زار الملك سعود، ملك السعودية، مصر، وتوسط لدى عبد الناصر للإفراج عن الإخوان بناءً على طلبهم. كان عبد الناصر، بعد استقالة نجيب القصيرة، قد أصبح رئيسًا للوزراء، مما سمح له بإحكام قبضته على الأمور وزمام الجيش. ولذلك، بعد أن انتهت الأزمة، كان عبد الناصر هو المسيطر الحقيقي على الأحداث، فاستجاب لطلب ملك السعودية وأصدر قراره بالإفراج عن جميع الإخوان المعتقلين، بمن فيهم حسن الهضيبي، في الخامس والعشرين من ذات الشهر، وسط اندهاش الجميع. وزاد المفاجأة وقعًا أن توجه ناصر في مساء نفس يوم الإفراج إلى منزل الهضيبي ليزوره ويطيب خاطره، ولكن الهضيبي قابله باستعلاء تجلى واضحًا في لحظة مغادرة عبد الناصر لبيت الهضيبي، حيث لم يكلف نفسه مصاحبة عبد الناصر حتى باب الخروج من المنزل. ونشرت صحيفة المصري في اليوم التالي أن عبد الناصر والهضيبي قد اتفقا على أن تعود الجماعة لممارسة نشاطها بحرية كاملة، وأن يفرج عن كل المعتقلين من أعضائها، وأن يعلن مجلس قيادة الثورة أسباب حل الإخوان. وأكد الهضيبي أن الجماعة ستكون عونًا للحكومة على طرد الإنجليز. وبالطبع، لم تكن تلك الأخبار مؤكدة.

وفي نفس يوم الإفراج عن الهضيبي، 25 مارس 1954، اجتمع مجلس قيادة الثورة كاملًا، وانتهى الاجتماع إلى إصدار عدة قرارات خطيرة. ونشرت جريدة المصري بتاريخ 26 مارس 1954 تلك القرارات في مانشيتها الرئيسي: حل مجلس الثورة يوم 24 يوليو وتسليم البلاد لممثلي الشعب.. السماح بقيام الأحزاب.. مجلس الثورة لا يؤلف حزبًا.. رئيس الجمهورية تنتخبه الجمعية التأسيسية.. لا حرمان من الحقوق السياسية حتى لا تتأثر حرية الانتخابات. وقال الخبر في تفاصيله إن مجلس الثورة قد عقد اجتماعًا طويلًا دام لمدة خمس ساعات كاملة بحث خلالها الموقف الداخلي. وبعد انتهاء الاجتماع خرج الصاغ إلى الصحفيين وأذاع عليهم القرارات التاريخية التي اتخذها المجلس واستجاب فيها لرغبات الشعب.

قرر مجلس قيادة الثورة في جلسته المنعقدة اليوم، ٢٥ مارس ١٩٥٤، ما يلي:
أولًا: يُسمح بقيام الأحزاب.
ثانيًا: المجلس لا يؤلف حزبًا.
ثالثًا: لا حرمان من الحقوق السياسية حتى لا يكون هناك تأثير على حرية الانتخابات.
رابعًا: تُنتخب الجمعية التأسيسية انتخابًا حرًا مباشرًا دون أن يُعيَّن أي فرد، وتكون لها السيادة الكاملة والسلطة الكاملة، وتتمتع بسلطة البرلمان كاملة، وتكون الانتخابات حرة.
خامسًا: يُحل مجلس الثورة في ٢٤ يوليو المقبل باعتبار أن الثورة قد انتهت، وتسليم البلاد لممثلي الأمة.
سادسًا: تنتخب الجمعية التأسيسية رئيس الجمهورية بمجرد انعقادها.

(جريدة المصري، بتاريخ ٢٦ مارس ١٩٥٤)

كانت تلك القرارات في ظاهرها إيجابية، لكن الحقيقة أنها لم تكن إلا تراجعًا تكتيكيًا من عبد الناصر ومجموعته لإزالة الاحتقان في البلاد.

كانت هذه القرارات في ظاهرها ديمقراطية، وفي باطنها فتنة وتوتر. فقد أثارت استياء الناس الذين لم يرق لهم عودة الأحزاب القديمة بكل ما توحي به من فساد وتاريخ أسود، وبكل ما توحي لهم من نهاية الثورة التي عقدوا عليها كل آمالهم في التطهر والخلاص. وأثارت هذه القرارات ضباط الجيش الذين أحسوا بأن نصيبهم من النفوذ والسلطة والمميزات الخاصة قد انتهى.

(محمد نجيب، كنت رئيسًا لمصر)

وفي خضم الصراع، حاول كل من عبد الناصر ونجيب استقطاب الإخوان إلى جانبه. فأرسل محمد نجيب رسله للاتصال بالإخوان طلبًا للتأييد والعون، ولكن الإخوان رفضوا الوقوف مع نجيب ليس حبًا في عبد الناصر أو خوفًا منه. فقد كانت تقديراتهم للموقف تقول إنهم لو تركوا عبد الناصر ونجيب يتصارعان بقواهما الذاتية دون معاونة منهم لأي من الطرفين، فإنهما سينتهيان بالفناء معًا، مما يفتح الطريق لهم كي يتقدموا فيه دون مزاحمة. أما إذا قدموا مساعدتهم لأي من الطرفين، فسوف يقوى موقفه بهم فيخرج منتصرًا ليستدير عليهم في نهاية الأمر. ولهذا أصدر الهضيبي تعليماته للإخوان بأنه لا شأن لنا بالصراع الدائر بين العسكر.

أرسلني نجيب إلى الهضيبي وقال لي: قل لي ماذا أصنع إذا أصروا على إلغاء الديمقراطية والقرارات؟. فقال لي الهضيبي بالحرف الواحد: كل ظرف وله معالجته، وكل موقف يُحسم في حينه. ولم يعطني جوابًا شافيًا، فعدت إلى الرئيس نجيب ونقلت له ما قاله الهضيبي، فقال لي: أنا أعلم يا ابني رياض أن الهضيبي، وهو مرشد الإخوان، لا يرتاح ولا يرغب في عودة الديمقراطية، لأنه سيكون الوفديين على رأسها، وهم القوة الكبيرة المنافسة للإخوان أمام الشعب.

(محمد رياض، السكرتير الصحفي لمحمد نجيب)

قررت القوى الوطنية اعلان يوم 28 مارس 1954 يومًا للإضراب العام في البلاد. شارك فيه عمال النقل ونقابة المحامين وتجمعات أعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية والجبهة الطلابية. وكان من المقرر أن تنضم إلى الإضراب النقابات العمالية، بما فيها نقابة النقل المشترك. كان الهدف واضحًا: إنهاء الحكم العسكري فورًا وعدم الانتظار حتى نهاية الفترة الانتقالية في 24 يوليو 1954 كما وعد العسكر، بالإضافة إلى تشكيل حكومة مدنية انتقالية تجري انتخابات برلمانية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون في السجن الحربي.

كانت نقابة النقل المشترك بمثابة طريق لتحقيق هدف كل فريق، سواء فريق أنصار الديمقراطية أو فريق أنصار الدولة الاستبدادية. وقد جرت اتصالات بين القوى الديمقراطية وقادة نقابة النقل المشترك، التي تضم عمال شركات الأتوبيس الكبرى، لإقناعهم بالانضمام إلى حركة الإضرابات العمالية التي ستشترك فيها معظم النقابات العمالية، وكان الاتجاه الغالب فيها تأييد الديمقراطية. تكمن أهمية هذه النقابة في أن إضراب عمالها سيشل حركة المواصلات في العاصمة تمامًا. لكن رئيس اتحاد نقابات النقل المشترك؛ الصاوي أحمد الصاوي، توجه إلى مقر هيئة التحرير والتقى باثنين من ضباط الصف الثاني المسؤولين عن النقابات العمالية، وهما الصاغ أحمد طعيمة والصاغ إبراهيم الطحاوي، وأبلغهما بمحاولات جذب النقابة إلى الإضراب المؤيد لعودة الديمقراطية.

وكانت هناك بعض القيادات النقابية الأخرى التي تؤيد ما كان يُسمى “استمرار الثورة”، فاتُفق على تحويل الإضراب والاعتصام من تأييد للديمقراطية إلى المطالبة بإلغاء قرارات 25 مارس. واختير الصاوي أحمد الصاوي زعيمًا للحركة. وساعد ضباط الصف الثاني في تنظيم الضباط الأحرار لضرب الحركة العمالية في مقتل. فقد قام الصاغ مجدي حسنين، الذي كان مشرفًا على مشروع مديرية التحرير، بتحريك العاملين في المشروع إلى القاهرة للانضمام إلى القوى المعادية للديمقراطية. كذلك تحرك البكباشي أحمد أنور، قائد الشرطة العسكرية، بثقله ليساعد الحركة المعادية للديمقراطية، بعد أن تردد اسمه في اجتماع الجمعية العمومية للمحامين كمسؤول عن الاعتداءات على المعتقلين في السجن الحربي، ليحول بأي ثمن دون عودة الحياة الديمقراطية.

ولعب إعلام الدولة أسوأ أدواره على الإطلاق، فبدأت الإذاعة المصرية في إذاعة بيانات صادرة عن النقابات العمالية، تعلن فيها الاعتصام والإضراب عن الطعام والعمل حتى تتحقق مجموعة من المطالب، أولها عدم السماح بقيام الأحزاب، واستمرار مجلس قيادة الثورة في مباشرة سلطاته حتى يتم جلاء المستعمر، وتشكيل هيئة تمثل النقابات والروابط والاتحادات والجمعيات والمنظمات، تساند مجلس قيادة الثورة، وتُعرض عليها قراراته قبل إصدارها، وأخيرًا عدم الدخول في معارك انتخابية. المشكلة هنا ليست في محتوى المطالب التي تعني تصفية الحياة الديمقراطية في مصر تمامًا، لكن المشكلة الحقيقية هي أن النقابات العمالية لم تصدر هذه البيانات، ولم توافق عليها، بل لم تُعرض عليها أصلًا. شاركت الإذاعة المصرية في مؤامرة ضد الديمقراطية بتزوير بيانات باسم النقابات العمالية وإذاعتها، في محاولة لإظهار أن الحركة العمالية ضد عودة الديمقراطية. وبدأت النقابات العمالية المؤيدة للديمقراطية تتنبه للمؤامرة التي تُحاك باسمها، فأصدرت مجالس إدارات عدد من نقابات العمال التي أُذيعت بيانات كاذبة باسمها في الإذاعة المصرية بيانًا تعلن فيه حقيقة موقفها وتنفي ما نُسب إليها كذبًا.

وفي يوم 28 مارس 1954، خرجت أغرب مظاهرات في التاريخ، تهتف بإسقاط الديمقراطية والدستور والأحزاب والحرية، وتحيي الجيش والثورة وعبد الناصر. دارت المظاهرات حول البرلمان والقصر الجمهوري ومجلس الدولة، مكررة هتافات مثل: لا أحزاب، ولا برلمان!، وتسقط الديمقراطية.. تسقط الحرية!.

في مساء اليوم التالي، الموافق 29 مارس، وصل المتظاهرون إلى مقر مجلس الدولة بالجيزة، وعلا الهتاف ليشمل الدكتور ، رئيس مجلس الدولة، الذي كان يترأس اجتماعًا للجمعية العمومية للمجلس في ذلك الوقت. بدأ المتظاهرون ينادونه بالجاهل والخائن، ويسبونه بأقذع الألفاظ ويطالبون بسقوطه هو أيضًا. توقفت المسيرة خارج بوابة المجلس المغلقة بسلاسل الحديد، فدخل أحد الضباط إلى مكتب السنهوري وطلب منه الخروج إلى حديقة المحكمة لمخاطبة المتواجدين وتهدئتهم. وبمجرد أن لمحته جموع المتظاهرين، اقتحموا فناء المجلس وانقضوا عليه بالسب والضرب، وكادوا أن يفتكوا به في ذلك اليوم، لولا أن تلقى الضرب أحد السعاة بمجلس الدولة. لم يتمكن السنهوري من مغادرة المكان إلا بعد قدوم الصاغ صلاح سالم الذي اصطحبه إلى الخارج، وحينئذ فقط أدرك أن الأمر لم يكن مجرد مظاهرة عادية.

حينئذٍ أدركت أن الأمر لم يكن مظاهرة أخاطب فيها المتظاهرين – كما ادعى الضابط – بل كان اعتداءً مُبَيَّتًا عليّ. وما لبث المتظاهرون أن دفعوني دفعًا إلى الحديقة وتوالى الاعتداء.

(عبد الرازق السنهوري، الفقيه الدستوري ورئيس قُضاة مجلس الدولة)

في ذلك الوقت، اقترح أنصار نجيب في الجيش أن يتدخلوا لحسم الموقف بالقوة لصالحه ولصالح عودة الديمقراطية. وقد اقترح عليه ذلك قائد حرسه، محمد رياض. كما توافد على منزل الرئيس نجيب أعداد من الضباط المؤيدين له، بمن فيهم قائد حامية القاهرة، ، وأبدوا استعدادهم للتحرك ضد مجلس الثورة. لكن نجيب رفض، فقد كان يخشى صراعًا داخل الجيش، وفي الوقت نفسه لم يرَ إعادة الديمقراطية عن طريق انقلاب عسكري، بل كان يراهن على قدرة الشعب وقواه الديمقراطية على حسم المعركة.

لاحقًا، اعترف الصاوي بأنه حصل على مبلغ 4 آلاف جنيه مقابل تدبير هذه المظاهرات، إلى جانب تدبير سلسلة من التفجيرات هزت أنحاء القاهرة. ويروي في مذكراته والآن أتكلم أن عبد الناصر أعترف له بأنه دفع أربعة آلاف جنيه من جيبه لتدبير مظاهرات العمال الرافضة للديمقراطية، وأنه قال له: لما لقيت المسألة مش نافعة قررت أتحرك، وقد كلفني الأمر أربعة آلاف جنيه. وهذا يتفق مع ما اعترف به الصاوي، وفي موضع آخر في مذكراته يقول خالد محيي الدين:

القاهرة شهدت في خضم أزمة مارس ستة انفجارات دفعة واحدة، منها انفجاران في الجامعة، وانفجار في جروبي، وآخر في مخزن الصحافة بمحطة سكة حديد القاهرة. لم تتسبب هذه الانفجارات في خسائر مادية، لكنها أثارت هواجس شديدة لدى الجميع حول مخاطر انفلات الوضع، ومخاطر إطلاق العنان للديمقراطية دون قبضة حازمة للدولة. وبدأ الكثيرون يشعرون بأن الأمن غير مستقر، وأنه من الضروري إحكام قبضة النظام وإلا سادت الفوضى. وقد روى لي أنه زار عبد الناصر في أعقاب هذه الانفجارات هو وكمال الدين حسين و، فأبلغهم عبد الناصر بأنه هو الذي دبر هذه الانفجارات لإثارة مخاوف الناس من الاندفاع في طريق الديمقراطية، والإيحاء بأن الأمن قد يهتز وأن الفوضى ستسود إذا مضوا في طريق الديمقراطية.

(خالد محيي الدين، والآن أتكلم)

وفي اليوم التالي للمظاهرات، أدلى السنهوري بأقواله إلى النيابة العامة من على فراشه بالمستشفى، موجهًا الاتهام صراحةً إلى الصاغ جمال عبد الناصر بتدبير الاعتداء عليه يوم 29 مارس، بسبب الخلافات الأخيرة التي وقعت بينهما، نتيجة رغبة عبد الناصر في حل مجلس الدولة وتصفية رجال القضاء العاملين به، ورغبة السنهوري في إقرار سلطة قضائية مستقلة تكون هي الحكم بين الدولة الجديدة وبين الجماهير. وقد ألغى السنهوري العديد من القرارات الحكومية الصادرة من عبد الناصر نفسه بصفته رئيس الهيئة القضائية. وعندما ذهب عبد الناصر لزيارة السنهوري والاطمئنان عليه في المستشفى، رفض السنهوري رفضًا قاطعًا دخول ناصر عليه الغرفة. وبالطبع، حُسم الصراع لصالح عبد الناصر بإخراج السنهوري من الساحة القانونية تمامًا. وكان عبد الناصر يردد بحماس شديد إما الثورة أو الديمقراطية طيلة الأشهر التي سبقت أزمة مارس 1954، التي انتهت باستيلاء عبد الناصر على السلطة.

في يوم إضراب العمال مساءً، عقد مكتب إرشاد الإخوان اجتماعًا طالب فيه بضمانات لتجنب عودة الحياة النيابية لمساوئ الماضي. وفي ذات الليلة، زار الهضيبي ناصر في منزله في العاشرة مساءً واجتمع به، واتفقا على تأييد الإخوان للثورة مرة أخرى ومعاداة الديمقراطية. وهنا رجحت الكفة لمعسكر أعداء الديمقراطية. وفي صباح اليوم التالي، 29 مارس 1954، اجتمع مجلس قيادة الثورة وقرر تحمل المسؤولية كاملة مع احتفاظ الرئيس نجيب بمنصبه رئيسًا للجمهورية. وجاءت القرارات في صيغة غائمة، تتضمن تشكيل مجلس وطني استشاري يراعى فيه تمثيل الطوائف والهيئات والمناطق المختلفة، وإرجاء تنفيذ قرارات 25 مارس 1954 إلى حين نهاية الفترة الانتقالية التي لم تنتهِ إلى الآن. ونشرت بعدها على لسان الهضيبي في كلمته أمام مؤتمر الإخوان أن عمل الأحزاب كان لوجه !.

وفي يوم 15 أبريل، بدأت الخطوات العملية لتقويض الديمقراطية ومصادرة الحريات السياسية في مصر. هذه الخطوات مهدت الطريق لبناء الدولة الاستبدادية التي استمرت حتى الآن. فصدر قرار من مجلس قيادة الثورة بحل مجلس نقابة الصحفيين، وتعيين مجلس إدارة مؤقت لحين وضع قانون جديد للصحافة، وذلك بدعوى أن سبعة من أعضاء المجلس الاثني عشر قد تقاضوا مبالغ من المصاريف السرية في العهد السابق. وقد طال الاتهام عددًا من الصحفيين الوطنيين الذين دافعوا ببسالة عن الديمقراطية طوال العامين التاليين لانقلاب الضباط الأحرار، ومنهم: حسين أبو الفتح، وأبو الخير نجيب، و، وفاطمة اليوسف، ومرسي الشافعي، وإبراهيم عبده، وعبد الرحمن الخميسي، وكامل الشناوي.

بدا الأمر كما لو أن الربيع الديمقراطي الذي عاشته مصر بين 5 و29 مارس كان فخًا لاصطياد أنصار الديمقراطية والحرية. وبدأت محكمة الثورة، وهي محكمة عسكرية استثنائية شُكّلت في سبتمبر 1953، في محاكمة عدد من الصحفيين والساسة والضباط المناصرين للديمقراطية، وأصدرت بحقهم أحكامًا بالسجن لمدد متفاوتة. وفي يوم 17 أبريل، تخلى نجيب عن رئاسة الوزراء لجمال عبد الناصر. وفي اليوم التالي، نُزعت سلطات الحاكم العسكري المنصوص عليها في قانون الأحكام العرفية من نجيب وخُوّلت لعبد الناصر، ونص قرار تعيين عبد الناصر حاكمًا عسكريًا على الترخيص له باتخاذ أي إجراء لازم للمحافظة على النظام والأمن في جميع نواحي الجمهورية، فوق ما نص عليه القانون.

خلال شهر أبريل، جرت محاولة من بعض ضباط الجيش بالتعاون مع بعض الساسة المدنيين للإطاحة بمجلس قيادة الثورة واعتقال جمال عبد الناصر، لكن المحاولة فشلت. تمت محاكمة المتورطين محاكمة عسكرية، وصدر الحكم في يونيو على قائد المحاولة، الضابط أحمد المصري، بالسجن 15 عامًا. وفي سبتمبر، صدر الحكم على اليوزباشي مصطفى كمال صدقي و20 متهمًا آخرين في محاولة انقلابية أخرى، اتُهم فيها أيضًا عدد من الشيوعيين وبعض أعضاء الأحزاب القديمة التي تم حلها. أما القائمقام أحمد شوقي، الذي عرض على نجيب القبض على مجلس قيادة الثورة، فقد اكتُفي بالحكم عليه بالسجن عشر سنوات بتهمة إحداث فتنة في الجيش خلال شهر مارس، وأُفرج عنه صحيًا فيما بعد، بعد رفض اقتراح جمال سالم بإعدام جميع ضباط المدفعية الذين اعترضوا على بعض قرارات المجلس. وتم إبعاد الضباط المؤيدين للديمقراطية عن الجيش، كما تم إبعاد خالد محيي الدين، الذي كان رمزًا للقوى الديمقراطية، خارج البلاد في مهام رسمية لسنوات عدة.

تم توجيه الضربات المتوالية للقوى الديمقراطية ولمعاقل النضال الوطني والديمقراطي خلال عام 1954. وعلى إثر ذلك، انهزم محمد نجيب في معركة مارس 1954، والحقيقة أن الهزيمة لم تكن خسارة له وحده، بل كانت خسارة لمسيرة الديمقراطية في وادي النيل. وظل “الإخوان المسلمون” في شهر عسل مع عبد الناصر، لكن هذا الشهر لم يدم طويلاً، إذ كان الصدام بين الطرفين حتميًا، وبدأت بوادره الأولى في الجمعة الأخيرة من أغسطس 1954.

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. محمد نجيب، كنت رئيسًا لمصر، ص.201 [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ تاريخ الإخوان والسلطة[الجزء السابق] 🠼 قطب وناصر[الجزء التالي] 🠼 حادثة المنشية
بيشوي القمص

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎