Search
Close this search box.
المقال رقم 3 من 32 في سلسلة الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد؟

الكنيسة لها شقان؛ شق إلهي وشق بشرى، فهي جسد المسيح، الإله المتجسد، “لأننا أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه.(أفسس 5 : 30)، وهى لهذا تتجسد في العالم كمستودع وناشر لرسالة المسيح، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات… وتحمل نور الإنجيل للخليقة كلها. وهى مقدسة في الثالوث كطلبة المسيح في جثسيماني

قَدّسْهُمْ فِي حَقّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَق،كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ، وَلأَجْلِهِمْ أُقَدّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدّسِينَ فِي الْحَقِّ

(يوحنا 17 : 17 ـ 19)

وبقدر إدراك الكنيسة لرسالتها ومهمتها، أن تكون نورًا للعالم، تدعوه للخلاص، والتوبة، وللمحبة التي هي نموذجها، تكون قوتها.

لذلك هي تراجع واقعها بشكل متواتر ودائم، وتصححه في ضوء زخم خبراتها، وتقليدها الذي يمثل الحبل السُرى الذي يربطها بالرأس المسيح، بامتداد الأجيال.

ولكونها “في العالم” بحكم مكونها البشرى، فهي تتفاعل معه وتؤثر فيه وتقوده لكونها ملح العالم ونوره، وجهادها الحقيقي له جانب أخر ألا تدع العالم يقتحمها ويغازلها بما يملك، فتتشبه به، لأن هذا سيأتي خصمًا من رسالتها، هي تُعمد أدواته، وتوظفها لحساب رسالتها، وحين يختلط عليها الأمر وتحاكى العالم، يتحول سلطانها الروحي إلى سلطة متجبرة، وتتكلس دعوتها، وتتراجع رسالتها، وتخفق في إعلان المسيح.

وقد استوقفتني دراسة جادة لأحد الباحثين تتناول حدث التقاء القديسين أنطونيوس، مؤسس الرهبنة ـ وبولا أول السواح (في القرن الرابع الميلادي)، وقد طلب ق. بولا من ق. أنطونيوس أن يذهب إلى البابا ال ليأتي منه بالعباءة التي أهداها الملك قسطنطين للبابا البطريرك، ففعل هذا، وعاد إلى مغارة أول السواح ليجده قد مات، فكفنه بها، وأخذ ثوبه الخشن الذي كان يلبسه وعاد به للأب البطريرك، الذي أدرك قيمته، ولم يفارقه حتى رحيله، يقول صاحب الدراسة، أن هذه الواقعة كانت رسالة للكنيسة عبر البابا؛ أن عليها أن تتخلص من “عباءة الإمبراطور” والتي ترجمتها في كثير من مفردات مظهرها وربما تراتبيتها، وتتدثر في “ثوبها الخشن” الذي يحمل مفاهيم الترك والتخلي عن مظاهر القوة والفخامة، في عودة لنموذج سيدها، ليكون فضل القوة لله لا الإمبراطور وبلاطه الملكي وأدواته.

والمشهد الآني أدى إلى انزعاج كثيرين ممن يتابعون “صراع الديوك” الحادث، وتطاير الاتهامات بين الفرقاء، إلى درجة أن ذهب البعض إلى أن الكنيسة تتعرض لمؤامرة تستهدف سلامها واستقرارها وربما وجودها، فيما يراه جناح أخر بأنه مخاض ولادة متعسرة تعيد الكنيسة إلى مجدها وتجدد قوتها.

وعلى الرغم من أن ذهنية المؤامرة لديها مبرراتها، خاصة في مناخات التعتيم وغياب المعلومات، والخوف من المكاشفة، والمصارحة، والحوار المقطوع، إلا أنني لا أميل إلى القبول بفكرة المؤامرة هذه، فالكنيسة قادرة على الانتصار على المؤامرات، داخلها وخارجها، والشواهد تملأ تاريخها المديد، بما تملكه من خبرات إيمانية، وما تمتلكه من قوة مستمدة من مؤسسها ووعوده لها بحمايتها وتحصينها. قد تمرض لكنها لا تموت.

وقد نكون بحاجة إلى قراءة متأنية لما شهدته الكنيسة من تطورات وأحداث في النصف الأخير من القرن العشرين تحديدًا، وما شهده العالم من حولنا من تطورات وأحداث اقتحمتنا، فقد كانت الأرثوذكسية، في القرون الوسيطة، تسير بقوة الدفع الذاتي المستمدة من الليتورجبا التي تمثل عمودها الفقري، كانت تمارسها وتحافظ عليها، في مناخ كنسي متراجع، وأديرة تضم رهبانًا كهولًا، وإرساليات أجنبية تحمل معها رؤية وإمكانات تواصل ولغة تقترب من الناس، حتى بدت في الأفق محاولات متناثرة لاستنهاض الجسد المريض، بدأها البابا ، (1853 ـ 1862)، حتى استحق لقب “أبو الإصلاح”، رغم سني حبريته القليلة، لكنه كان يملك رؤية واضحة للخروج من عصورنا الوسطى، وقد أشرنا إلى استقدامه ثاني أكبر مطبعة بعد المطبعة الأميرية التي جاء بها الوالي محمد على، ودشن، هذا البطريرك النابه، سلسلة مدارس عامة لتعليم الأولاد والبنات، وانتبه إلى التعليم الصناعي ـ هكذا ـ لتوفير العمالة المدربة، وشرع أبواب مدارسه أمام كل المصريين، وهى خطوة تقدمية واعية للأبعاد الاجتماعية، والقوى الناعمة، التي أسهمت في دعم أواصر التلاحم الوطني بعيدًا عن الانتماءات الدينية.

ثم يأتي ال (1874 ـ 1927)، ويدشن منظومة استجابة، لمقترح الأستاذ ، مع مطلع القرن العشرين، في رهان مضمون على الأجيال الجديدة، بالتوازي مع إعادة تأسيس مدرسة الإكليريكية، لتجنى الكنيسة ثمار هذه الخطوات الإصلاحية بعد عقود قليلة، بل ولا ينتهى ذاك القرن إلا وقد صارت كل قيادات الكنيسة من أبناء مدارس الأحد، من كهنة القرى والنجوع إلى أعلى موقع في الكنيسة (كرسي البابا البطريرك) مرورًا بكل أساقفة ومطارنة الكرازة بالداخل والخارج.

واليوم تحتفل الكنيسة “بمئوية مدارس الأحد”، وهى تجربة تستحق قراءة تحليلية متبصرة، تتحمل الكلية الإكليريكية مهمة الدعوة إليها في مؤتمر علمي يقيّمها وينطلق منها إلى تطوير تفرضه المتغيرات والتحديات والتطلعات الآنية والمستقبلية، في المنهج والآليات وكيفية التعاطي مع أجيال ما بعد الثورة الرقمية.

وربما نقف على الأسباب الحقيقية للأزمة المتفجرة بين الأجنحة المختلفة في دوائر التعليم، ما بين المصادر والرؤى، لنضع أيادينا على مخارج صحيحة، نؤطر معها تعليمًا أرثوذكسيًا معاصرًا مؤسس على المصادر التي سبق وأشرنا إليها.

ونفض الاشتباك بين المدرسة التي اعتمدت على مصادر آبائية صحيحة عبر الترجمة عن لغة وسيطة، الإنجليزية في أغلبها، وبعضها يحتاج إلى مراجعة بفعل تقدم علوم الترجمة، وبين المدرسة التي اعتمدت على مصادر آبائية صحيحة عبر الترجمة المباشرة من اللغة الأم “اليونانية القديمة”، وهى تحتاج إلى عمل مؤسسي أكاديمي كنسي رسمي، يجمع المجهودات المتناثرة لمراكز الدراسات القائمة بالفعل، سواء القديمة منها، أو التي أسسها الشباب في السنوات الأخيرة.

وننتبه في هذا السياق إلى الجناح الثالث والأخطر والذي بنى رؤيته على مراجع غير أرثوذكسية شهيرة في القضايا العقائدية الأرثوذكسية. وكانت محل جدل بين الفرقاء وتقف وراء العديد من المصادمات.

ولا يمكن أن ننتظر نتائج مبشرة بغير استكمال هيكلة الكلية الإكليريكية و، على أسس علمية أكاديمية، بحيث لا تسند العملية التعليمية فيهما إلى غير الكوادر المؤهلة علميًا وأكاديميًا من حملة درجات الدكتوراه في التخصص المسند اليهم، وكذلك الأمر مع المعاهد الإكليريكية في الإيبارشيات والأديرة، ووضع ضوابط توقف العبث الذي نشهده في كثير منها، وبعضها يقف وراء السجس الحادث الآن، لحسابات بعيدة عن الجدل الأكاديمي العلمي.

وبهذا يمكن اعتماد الكلية الإكليريكية بفروعها ومعهد الدراسات القبطية في المجلس الأعلى للجامعات، ومن ثم التواصل مع الجامعات والكليات المناظرة داخل وخارج مصر في العلوم الإنسانية أو العلوم اللاهوتية، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على رفع قدرة هذه الإكليريكيات ومن ثم مستوى خريجيها، لحساب منظومة التعليم والرعاية الكنسية. ونضع نقطة في نهاية سطر الأزمة، وتسترد الكنيسة سلامها ودورها التنويري في دوائرها اللاهوتية.

على أن الأمر يتطلب الآن أن يبادر باعتباره المسئول عن إدارة الكنيسة وحماية معتقداتها بحسم الخلاف المثار بين الفرقاء، ووضع القواعد المنظمة للحوار وضوابطه، بغير أن تتطاير بينهم اتهامات الهرطقة، وبيان التفريق بين المعتقد والرأي والتفسير، ووقف حملات “التلاسن” سواء بينهم بشكل مباشر أو من خلال “وكلاء” يطلقونهم عبر وسائط التواصل على الشبكة العنكبوتية في الفضاء الإلكتروني. وكثيرهم لا يدركون أن الحياة الة والتعاليم الآبائية الكتابية لا يمكن أن نفصلها عن السلوكيات المسيحية، التي تدوسها أطروحاتهم التي تحمل في عناوينها “صورة التقوى” بينما مضمونها يحمل “معاول تهدم الجسد الواحد”، برعونة وادعاء.

وللطرح بقية

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد؟[الجزء السابق] 🠼 ٢) نؤمن[الجزء التالي] 🠼 ٤) محاولات مبكرة للخروج
كمال زاخر
كاتب ومفكر قبطي في التيار العلماني المصري

صدر للكاتب:
كتاب: : صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨