إلى عروسي التي غابَ عن عينيها نورُها،
وعن وجهِها بهاؤُه، أختي المحبوبة.
اذهبوا وقولوا لها:
إنّ عريسَها ما زالَ واقفًا على الباب،
وشَعرُه قد ابتلَّ بندى الليالي الطويلة،
ينتظرُ التفاتةً من عينيها ليُعيدَ إليها الحياة [1].
قولوا لها: إنّ الذي شكَّلها بيديه، ونفخَ فيها من روحِه،
لم ينسَ صورتَها الأولى، ولا صوتَ أنينِ صلاتِها الأولى [2].
وإنّي ما زلتُ أذكرُ موضعَ خطواتِها في جنتنا في البُستان،
حين كانت تَهرَعُ إليَّ في السكون،
لتسمعَ صوتي بعيدًا عن صخبِ العالم وضوضائه [3].
أخبِروها أنّي لم أبتعد،
بل هي التي بنت بيني وبينها أسوارًا من لهوٍ وارتباكٍ بكثيرٍ من الأشياء [4]،
وأنّي منذُ خرجتُ وراءَها في البريّةِ،
وأنا أزرعُ في خُطاها نِداءاتِ الرُّجوعِ [5]،
وأُرسِلُ نَسائِمَ الفجرِ لتُذكِّرَها أنّي قريبٌ لِمَن يَدعوني [6].
اسألوها: لماذا تتعبُ لغيرِ راحةٍ؟ [7]
ولماذا تجمعُ إليها كثيرينَ بحثًا بينهم عن فرحٍ؟
تبحثُ عن الحياةِ في الموت، وعن الطريقِ في العتمة،
وحين أُرسلُ إليها شعاعًا من وجهي،
تُغلِق شبابيكَها وتخافُ من النور! [8]
كيف تنسى أنّي أنا ينبوعُها؟
أتركتِ ماءَ الحياةِ لتغرفي من آبارٍ مشقّقةٍ لا تُمسكُ ماءً؟ [9]
كم مرّةً ناديتُكِ فلم تسمعي، وكم مرّةً وقفتُ خلفَ سورِكِ فلم تلتفتي؟ [10]
ومع ذلك لم أَمَلَّ، لأنّ حبّي لا يعرفُ الفتورَ ولا العتابَ الجارحَ بل الشافي [11].
أيتها العروس، إنّ العالمَ الذي تعشقينَه سيتركُكِ عاريةً، ومخدوعةً من بريقِه الزائف [12].
سيُغريكِ بألوانٍ تبهت، وأصواتٍ تَعِدُ ولا تُشبع،
سيملأُ عينيكِ بالوهجِ إلى أن يُطفئَ نورَكِ،
ويستهلكَ قلبَكِ حتى الجفاف.
سيعدُكِ بالشِّبَع، فيُخلِّفُكِ جائعةً،
ويَعِدُكِ بالارتواء، فيتركُكِ عطشى [13]،
ويُنسيكِ مَن كنتِ، حتى تُصبحي غريبةً عن نفسِكِ.
سيهدرُ قوتَكِ في لهوٍ عقيمٍ، ويُطفئُ فيكِ أنفاسَ الروحِ التي نفختُها فيكِ [14].
أمّا أنا، فثوبي ممدودٌ لكِ، ينتظرُ عودتَكِ لأُغطِّيَكِ ببرّي [15]،
وأُعيدَ إليكِ بهاءَ وجهِكِ ونورَ عينيكِ، لتعودي إلى دفءِ قلبي وسلامي [16].
ذكِّروها بأيامِ صباها، حين كانت تسمعُ صوتي بين الحقول [17]،
حينما اقتربت مني، فاتّكأتْ برأسِها على صدري، تسمعُ نبضاتِ قلبي وتتنسَّمُ أنفاسي [18]،
ثم جلستْ عند قدميَّ تتعلّم، فاختارت نصيبَها الصالحَ الذي لا يُنزعُ منها [19].
ذكِّروها بلياليها معي في البريّة، حين كانت تكتفي بحضورِي عن كلِّ مأوًى [20]،
حين كان حبّي لها نورَ الصباح، وكلمتي لها ماءَ الروح [21].
أين تلك الدموعُ التي كانت تُصلّي بها؟ [22]
وأين تلك التسبحةُ التي كانت تخرجُ من حضنِ محبّتي؟ [23]
أبقيتُ صدى صلواتِها في قلبي، وما زلتُ أنتظرُها لتعودَ [24]،
فتنهضَ روحُها، وأسمعَ صلاتَها على شفتيها من جديد،
لأنّ الذي أحبَّها منذُ البدءِ لا يمكنُ أن ينسى أوّلَ عهدِها [25]،
ولا يمكنُ أن يتخلّى عن وعدِه:
«وأُجتذبُها وأذهبُ بها إلى البريّةِ وأُلاطِفُها.» [26]
قولوا لها: ارجعي إليَّ يا حبيبتي [27]،
ارجعي قبل أن يخبو النورُ في عينيكِ،
وقبل أن يتلاشى عطركِ في صخبٍ واستهلاكِ الغرباءِ.
إنّي لم أخرجْ من قلبِكِ، بل أنتِ التي أغلقتِ البابَ عليَّ خارجًا [28]،
ومع ذلك ما زلتُ أقرع، وما زال صوتي ينسابُ في ليلِكِ كالمطر [29].
يكفيني التفاتةٌ ونظرةٌ منكِ لأُحييَ فيكِ العُمرَ كلَّه بنظرةٍ منّي [30].
لا أطلبُ منكِ أن تُبرّري خطاياكِ، بل أن تطرحيها عند صليبي [31]؛
ولا أطلبُ منكِ أن تحسبي خُطاكِ،
بل أن تُسلّمي طريقَكِ ليديَّ فأقوِّمَها وأسير معك وأرشدك [32].
لا أعاتبُكِ على جراحِكِ، بل أمدُّ يديَّ لأُضمِّدَها [33]،
لأنّي ما أحببتُكِ يومًا لأُدينَكِ، بل لأُخلِّصَكِ [34]،
وأضمَّكِ إلى قلبي فتجدي فيَّ راحتَكِ [35].
أمّا أنتم الذين أُرسِلتُم إليها، فاحذروا أن تُعثِروها [36].
لا تذهبوا إليها بكلامٍ من حكمتِكم، بل خذوا من فمي كلامًا وأبلِغوها [37].
لا تُجرّحوها بعصا التقوى الكاذبة،
ولا تفضحوها باسمِ الحقّ، فالحقّ فيَّ وحدي هو رحمة (رسالة يعقوب 2 :13 )).
هي صغيرةٌ ضعيفةٌ، مكسورةُ القلب [38]،
وقلبي لا يحتمل أن تُوبَّخَ بقسوةٍ بعد أن جُرِحتْ بما فيه الكفاية.
إن سقطتْ فارفعوها [39]، وإن بكتْ فامسحوا دمعَها [40]،
لأنّ من يمسّها يمسّ حدقةَ عيني [41].
القصبةَ المرضوضةَ لا أقصِفُها، والفتيلةَ المُدَخِّنةَ لا أُطفِئُها [42]،
لأنّ رحمتي أسبقُ من قضائي [43].
أعلِموها أنّي قد أعددتُ لها مائدةَ عشاءٍ عظيمة [44]،
مملوءةً بطعامِ الحياةِ وخمرِ الفرحِ الأبدي.
ليس خبزًا من تُرابٍ، بل جسدي المبذولَ عنها،
وليس كأسًا من عنبٍ، بل دمي المسفوكَ لأجلِ خلاصِها [45].
إن جلستْ معي على هذه المائدة،
لن تجوعَ بعدُ إلى العالم، ولن تعطشَ إلى صوتٍ غيرِ صوتي [46]،
لأنّي أنا هو الخبزُ الحيُّ الذي نزلَ من السماءِ،
ومن يأكلني يحيا بي، لا ليومٍ بل لأبدٍ لا ينقضي [47].
قولوا لها: إنّ العهدَ القديمَ في ضعفِها قد انتهى [48]،
والعهدَ الجديدَ في دمي قد ابتدأ [49]،
فيه لن تُحسَبَ عبدةً بل عروسًا [50]،
ولن تُدعى منسيّةً بل مختارةً إلى الأبد [51].
وحينما تلتفتُ إليَّ، سأُزيلُ عنها ثوبَ الحزن [52]،
وأُلبسُها تاجًا من نورٍ، وأمسحُ كلَّ دمعةٍ من عينيها [53]،
وسأقولُ لها: «ها أنتِ جميلةٌ يا حبيبتي، ليس فيكِ عيب.» [54]
لن أذكرَ آثامَها بعدُ، لأنّها غُسِلَتْ في أنهارِ رحمتي [55]،
وسأرفعُها من رمادِها لأُجلِسَها معي في المجد [56]،
وأجعلُها تُرنِّمُ من جديدٍ أنشودةَ رُجوعِها إليَّ:
«وجدتُ من تُحبُّه نفسي، فأمسكتُ بهِ ولن أتركَه.» [57]
وهكذا ينتهي ليلُها، ويُشرقُ فجرُ شمسي في قلبِها [58]،
ويَفرحُ قلبُ العريسِ ويَسُرُّ، وتتَهَلَّلُ السماءُ برجوعِ العروسِ إلى قلبِهِ من جديد [59].
«مَن له أُذُنٌ فليسمعْ ما يقولُه العريسُ إلى العروس،
لأنّ الحبَّ أقوى من الموت، والمياهَ الكثيرةَ لا تُطفئُه.» [60]
0
(0)
