المقال رقم 73 من 72 في سلسلة تاريخ الإخوان والسلطة
«( تاريخ الإخوان والسلطةwp-content/uploads/2024/09/تاريخ-الإخوان-والسلطة.webp

هذا كمين منصوب لهم. هذا النظام المتمثل في شخص الرئيس محمد ينصب لنا كمينًا كي يكون له مهلة وفرصة كي ينتقم من الشعب المصري جميعًا. هذا الرئيس يريد بعد كل هذا، بعد أن قتل منا مئتي شهيد، وبعد أن أطلق علينا بلطجية الشرطة لتسرق وتنهب، ثم يتهمونا نحن بأننا نحن السراقون ونحن النهابون، ويدعي بأن هناك مواجهات بين الشرطة والشعب، وهذا لم يحدث وهو يعلم ذلك، وهو الذي سحب قوات الشرطة من الشوارع. هذا الرجل يريد مهلة لكي ينتقم من هذا الشعب الذي أعلن كراهيته بشكل صريح له. يريد ستة أشهر. نحن لا نثق به. الخطاب يهين الملايين التي نزلت إلى الشارع ويتهمها بالسلب والنهب، وبعدم التحضر وبالاستغلال، وبأنها ألعوبة في أيدٍ خفية وقوى سياسية وأيدٍ خارجية. الخطاب مليء بالكذب والادعاء. يدعي أنه لم يرغب في الترشّح وهو قد أعلن أنه يرغب في الترشّح. كيف نصدقه حين يقول إنه لن يترشح مرة أخرى؟ من يضمن لنا أنه في خلال هذه الستة أشهر القادمة أننا لن نُذبح من الوريد للوريد، فيستمر في السلطة ويسلمها لابنه؟… هذا الرجل غير مأمون الجانب. هذا كمين لسرقة الثورة. هذا الرجل لا يكف عن إهانتنا والاستهانة بنا. هذا الخطاب نقطة تحول في الثورة المصرية لأنه مُفجر، لقد وضع الزيت على النار. سبحان الله… كلما تكلم، كلما أثار غضبنا. لو سكت لكان أكرم له. حسنًا، نحن لن نطالب برحيل الرئيس، بل سيبقى ويُحاكم. سيحاكم على تفكيك القطاع العام وبيعه لرجال الأعمال. سيحاكم على تخريب الزراعة، وسرطنة المواد الغذائية. سيحاكم على التعذيب وقتل الناس في الشوارع والاعتقالات بالجملة. سيحاكم على بيع ثروات البلد وبيع غازنا لإسرائيل. سيحاكم على إثارة الفتنة الطائفية والتكريس لها طوال ٣٠ سنة كي يفرق بين أبناء الوطن الواحد. سيحاكم على خدمة مصالح الاحتلال الأمريكي والاحتلال الإسرائيلي على حسابنا. سيحاكم على كل الجرائم التي ارتكبها في حقنا. نحن كنا كرماء وكنا طيبين جدًا حين طلبنا منه أن يرحل على الفور. حسنًا، لن نكون كرماء ولن نتسم بالطيبة ولن يرحل. سيحاكم فورًا ونحن سننزل الشارع حالًا بالملايين، لا لنطالب برحيله وإنما لنطالب بمحاكمته.

(، ، ١ فبراير ٢٠١١)

عبرت مداخلة نوارة نجم على قناة الجزيرة بما كان يجيش في صدور الثوار بكل وضوح، وأعلن محمد أن خطاب مبارك يزيد فترة الاحتقان والغضب، بينما أعلن أنه التفاف على مطالب الحركة الوطنية.

في ميدان التحرير، لم يستغرق الأمر طويلًا حتى حدث احتواء لحالة التعاطف التي سرت بعد خطاب مبارك لدقائق بسيطة. فلم يستغرق الثوار كثيرًا حتى اكتشفوا أن مبارك يتحايل عليهم بخطابه المعسول ووعوده الكاذبة. وعلى الفور، أعلن الثوار رأيهم وردهم على الخطاب برفع أحذيتهم في مواجهة مبارك الذي يظهر على الشاشة الكبيرة في الميدان. لكن ذلك لم يمنع أن عددًا كبيرًا من المعتصمين قد انسحب بالفعل من الميدان وعادوا إلى منازلهم. وانتشرت المظاهرات المؤيدة، المدفوع أغلبها من قبل السلطة ومن قبل عناصر نظام مبارك. فتجمع المؤيدون لمبارك على مقربة من ميدان التحرير أمام مبنى بعد انتهاء الخطاب بقليل، وكأنهم كانوا مستعدين لذلك، معلنين تأييدهم لمبارك هاتين بحياته.

وبالطبع، فإن التلفزيون المصري، الذي ظل يتجاهل ما يحدث في ميدان التحرير لمدة خمسة أيام منذ بداية الثورة، كان سريع الاستجابة لتجمع العشرات المؤيدين لمبارك وهم يهتفون “مش هايمشي… مش هايمشي”، ردًا على شعار التحرير الشهير: مش هانمشي… هو يمشي. والتقط التلفزيون مشاهد قريبة لتلك المظاهرات المؤيدة ليوحي بضخامة الأعداد المشاركة. ودعم التلفزيون المصري تلك المشاهد بالعديد من المكالمات الهاتفية من مواطنين بسطاء عبروا فيها عن تأييدهم الكامل للرئيس، ومهاجمين فيها ثوار التحرير لأنهم يهينون رمزًا من رموز مصر على حد تعبيرهم. ولم تخلو بعض المكالمات من البكاء والنحيب على مبارك والاعتذارات المتتالية له ولفخامته، بل إن البعض تمادى في إعلان تأييده له متمنيًا تقبيل التراب الذي يسير عليه مبارك.

كان التفسير المنطقي لما يحدث للشعب هو حالة نفسية شهيرة تسمى “”، وهو مصطلح يطلق على الحالة النفسية التي تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من الأشكال، أو يظهر بعض علامات الولاء له، مثل أن يتعاطف المخطوف مع الخاطف. وأُطلق اسم “متلازمة ستوكهولم” نسبة إلى حادثة شهيرة حدثت في ستوكهولم في السويد، حيث سطا مجموعة من اللصوص على بنك كريديت بانكين (Kreditbanken) في عام 1973. واتخذوا بعض موظفي البنك رهائن لمدة ستة أيام. خلال تلك الفترة، بدأ الرهائن يرتبطون عاطفيًا بالجناة، وقاموا بالدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم. فعندما تكون الضحية تحت ضغط نفسي كبير، تبدأ لا إراديًا بصنع آلية نفسية للدفاع عن النفس، وذلك من خلال الاطمئنان للجاني، خاصة إذا أبدى الجاني حركة تنم عن الحنان أو الاهتمام، حتى لو كانت صغيرة جدًا. فإن الضحية يقوم بتضخيمها وتبدو له كالشيء الكبير جدًا. وفي بعض الأحيان يفكر الضحية في خطورة إنقاذه، وأنه من الممكن أن يتأذى إذا حاول أحد مساعدته أو إنقاذه، لذا يتعلق بالجاني.

استمرارًا لتلك الحالة، بدأ المشاهير هجومهم من خلال شاشات التليفزيون على ثوار التحرير ورموز المعارضة المصريين، وظهر اللاعب موجهًا الاتهامات إلى البرادعي، متسائلًا: مين البرادعي ده؟ البرادعي ده ميعرفش حاجة عن مصر، ده يادوب بقاله 3 ساعات في مصر، بيجي ترانزيت. ثم ظهر المطرب تامر حسني ليعلن تأييده لمبارك بقوله: هتفضل أبونا كلنا، وهنفضل نحبك مهما كانت الأحوال. ثم انزوى تامر باكيًا لإظهار مزيد من التأثر. وظهرت لأول مرة لافتات اعتذار تحمل عبارة إحنا آسفين يا ريس ليوحي حاملها أنه كان من ثوار التحرير ثم أعلن ندمه واعتذاره للرئيس، مطالبين ثوار التحرير بفض اعتصامهم من أجل الاستقرار الذي ظل مبارك يحافظ عليه لأكثر من ثلاثة عقود!

ما هو قادم أخطر بكثير، ما هو قادم القتل في البيوت، وعلى نواصي الطرق والشوارع. ما هو قادم تدمير اقتصاد البلاد، هنبقى صومال جديدة، هيصوملوا مصر يا جماعة. والله اللي حققناه ده يستحق أن نضع هؤلاء الأولاد على رؤوسنا أبد الدهر. ٧٦ و٧٧، ورئيس جمهورية مش هيترشح تاني وابنه مفيهوش ترشيح، وفسدة ارتكبوا جرايم في حق البلد ديه هايتسجنوا. خلينا نسجن الناس ديه، أدونا فرصة نسجنهم، أدونا فرصة نفضحهم ونكشفهم، أدونا فرصة نستعيد ونلتقط أنفاسنا، أدونا فرصة ٨٥ مليون يحسوا بالأمن والاستقرار. لكن لو بقت المسائل بالشكل ده، لو وصلنا لمرحلة الخراب والفوضى، سيتحمل الجميع المسؤولية أمام التاريخ، كلنا.

خلونا نتحاور مع رجل محترم اسمه .. نتحاور معه ونوصل لنتيجة معينة..

(، ، ١ فبراير ٢٠١١)

وحكى بكري -في حواره مع سيد علي وهناء سمري في برنامج “48 ساعة” على قناة المحور- عن لقائه بعمر سليمان، وأنه قد أخبر سليمان بتخوف الشعب من عودة الأوضاع كعهدها إن رحل المتظاهرون من أرض الميدان، فقال له سليمان: إن هذا تعهد علانية وواضح ومحدد.. الرئيس غير راغب الآن، وإذا تم الضغط بطريقة أكبر، لن يكون أمام الرئيس إلا خيار أن يسلم البلد للجيش. وأكمل بكري قائلًا: معنى تسليم البلاد للجيش أننا يمكن أن نبقى خمسة أو ست سنوات بلا دستور.. وارد.. وارد. فطلب منه سيد علي أن يكرر كلامه كنوع من التحذير للناس، فكرر بكري كلامه نصًا: إنه إذا ما استمرت الضغوط، وقال لي بالضبط: نحن في نصف منطقة الفوضى الخلاقة.. دخلنا الفوضى.. في النص.. إذا ما تعدت الأمور أكثر من ذلك، لن يكون أمام الرئيس من خيار إلا أن يسلم البلد للقوات المسلحة، وساعتها علينا أن ننتظر طويلًا لحين وجود دستور وإصلاحات.

لاحقًا، بعد تنحي مبارك، وفي برنامج العاصمة مع تامر عبد المنعم في 4 ديسمبر 2011، صرح بكري بكلام مغاير تمامًا لما قاله في تلك الليلة، وأكد بأنه قد قال لسليمان أن ينصح مبارك بضرورة الرحيل قائلًا: قولتله قدام الناس وقدام كل رؤساء التحرير، ويمكن طلع قالها، قولتله يا سيادة النائب أنصح رئيس الدولة أنه يخرج من مصر ويطلع على ألمانيا أو على أي مكان آخر.

الإسلام السياسي وميدان التحرير

لم يكن ممكنًا أن تمر تلك الليلة دون أن يكون لتيار دور في نفاق مبارك، ففي تلك الليلة زار مذيع ميدان التحرير محاولًا إقناع الثوار والمعتصمين بالصبر على مبارك وإعطائه فرصة لإصلاح ما أفسده في مصر، وأوصاهم ألا يتبعوا البرادعي وأمثاله. فسأله أحد المعتصمين: أنت كنت فين من ست شهور يا أستاذ وأنت تدافع عن النظام؟ كلكم كنتم بتدافعوا عن النظام ومحدش فيكم قال له لاء. فأجابه خالد عبد الله: هل إحنا في مرحلة دلوقتي تحتمل أن نختلف مع بعض؟ يعني على الأقل لازم نقول إن رأي الأغلبية هو المُتبع في هذه الفترة الحاسمة، ما مش ممكن كل 13 واحد عايزين حاجة هانعملها. فقاطعه أحدهم: طيب مهو رأي الأكثرية يا شيخ بيقول إنه يرحل وهو مش عايز يرحل. فأجابه خالد عبد الله: إيه البدايل اللي ممكن نوصل لها؟. فقاطعه معتصم آخر: إحنا نمشيها بطريقة من أفسد شيئًا فعليه إصلاحه.. هو اللي أفسد وهو اللي يصلّح!. ثم طرده المتظاهرون من الميدان.

أما الداعية السلفي الشهير؛ محمود المصري، فتحدث في لقاء على التابعة للتلفزيون المصري، داعيًا إلى وقف التظاهرات وعودة الحياة إلى البلاد درءًا للمفاسد، على حسب قوله، ودعا إلى العفو عن رموز النظام حتى قبل تنحي مبارك، واستشهد في سبيل ذلك بآيات العفو والمسامحة في القرآن الكريم والسيرة النبوية. واستنكر أن يُقال عن الشعب المصري إنه قد أهان حاكمه، ودعا المتظاهرين للصبر على مبارك ليتم فترته الرئاسية حتى نهايتها. وقد حاول الشيخ المصري قبل ذلك مخاطبة جموع الثوار في ميدان التحرير محاولًا حثهم على العودة إلى ديارهم وترك الاعتصام، لكنه طُرد من ساحة الميدان ولم يسمح له المتظاهرون بنصحهم في هذا الأمر.

أما الشيخ مصطفى العدوي فقد تحدث بدوره في مداخلة للقناة الأولى بالتلفزيون المصري، رافضًا ما يحدث من ثورة. ودعا الشباب إلى العودة إلى ديارهم درءًا للفتن والمفاسد الناجمة عن خروجهم. وشدد على حرمة الدماء والتقاتل بين المسلمين. وتوعد الثوار في ميدان التحرير بالعذاب العظيم في الآخرة أن حدث اقتتال فيما بينهم. ووصف ما يحدث بالفتنة، نافيًا صفة الشهادة عن ضحايا الثورة، لأنه على حد قوله، الشهيد هو قتيل المعركة في حرب الكفار فقط، فهذه ليست شهادة في سبيل الله.

أما الشيخ محمد جبريل، القارئ الشهير، فقد أقر في مداخلة تالية بموافقته التامة لكل ما قاله الرئيس في خطابه، كي ينتقل الحكم بسلاسة ويسر، وحت لا تخرب البلد أكثر وأكثر. واتهم من لا يريد الحوار بأنه لا يستحق أن يكون من بين المصريين. وأكد على ضرورة تكاتف الجيش والشرطة معًا. واتهم ما يحدث في مصر بأنه “شغل يهود”، وأنهم “مفسدون في الأرض” و”يسعون في الأرض فسادًا”. ودعا الله، بصوت تعمد أن يكون أقرب للبكاء، “ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا”، لكنه لم يحدد من هم السفهاء الذين قصدهم في دعائه. واتفق المذيع مع المشايخ على توجههم للميدان لمخاطبة الشباب على الأرض لحثهم على الرحيل.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ تاريخ الإخوان والسلطة[الجزء السابق] 🠼 الثلاثاء ١ فبراير
بيشوي القمص

بيشوي القمص

[ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎