المقال رقم 72 من 72 في سلسلة تاريخ الإخوان والسلطة
«( تاريخ الإخوان والسلطةwp-content/uploads/2024/09/تاريخ-الإخوان-والسلطة.webp

في هذا اليوم شهد الميدان زحامًا غير مسبوق نتيجة للدعوات السابقة لمظاهرة مليونية في الميدان. وقد شهدت الدعوة استجابة غير مسبوقة، ربما بسبب استتباب الأمن داخل الميدان، مما شجع الكثيرين للذهاب هناك للمشاركة ولو كانت رمزية.

كان الثوار قد شكلوا نقاط تفتيش على أطراف الميدان حرصًا منهم على عدم دخول بلطجية أو مؤيدين لمبارك، وذلك تجنبًا لحدوث اشتباكات. وكانت هذه أول مرة يُشاهد فيها طوابير طويلة في انتظار عبور نقاط التفتيش على أطراف الميدان. ولُقبت المظاهرة بالمليونية، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال تقدير العدد الحقيقي للمتواجدين داخل الميدان. أما الحقيقة الواحدة الثابتة فهي أن الميدان والشوارع المحيطة به في هذا اليوم لم يكن فيهما فراغ يتسع لقدم من شدة الزحام.

في الإسكندرية، الوضع لم يختلف عن ميدان التحرير؛ نفس الزخم والعدد تقريبًا. وفي نفس الوقت الذي كان فيه متظاهرو التحرير يهتفون بسقوط مبارك، خرجت مظاهرات أخرى من ميدان في حي المهندسين. أعدادها لا تزيد عن العشرات تهتف بحياة مبارك وبقائه، وكانوا يعدون أفضال مبارك على الشعب المصري، بينما يقف على مقربة منهم الآلاف من المواطنين يعدون ذنوبه في حق الشعب ويهتفون برحيله ومحاكمته.

في الساعة الرابعة إلا الربع بعد الظهر، ظهر الداعية السلفي مع ثلاثة رجال بزي مدني، أحدهم ملتحٍ، قادمين باتجاه مبنى التليفزيون في شارع كورنيش النيل. وقد أحاط بهم جنود الجيش الذين يؤمنون مبنى التليفزيون. والتقطت إحدى كاميرات المراقبة في مبنى التليفزيون المصري زيارة حسان المبهمة، حتى دخل مع رفاقه من بوابة المبنى. ثم تتبعتهم كاميرات المراقبة الداخلية وهم يتجولون بحرية داخل المبنى من دور إلى دور، يتبعهم بعض المدنيين، حتى خرجوا مرة أخرى إلى الشارع. ثم لحقت بهم حشود المعجبين لتحيته، فاستعان بجنود الجيش لإنقاذه من معجبيه، حتى أخرجوه من محيط المبنى المحاط بالدبابات. وحتى الآن لم يُعرف ماذا كان يفعل محمد حسان داخل مبنى الإذاعة والتليفزيون؟ ولماذا غادر بتلك السرعة؟ ومن هم المدنيون الذين كانوا بصحبته؟ ولماذا كان في حماية جنود الجيش؟ كلها أسئلة حائرة ظلت بلا إجابة حتى الآن.

ثم صدر بيان آخر من الجيش يؤكد أن القوات المسلحة تدرك مطالب الشعب المشروعة، وأنها لن تمتد يدها بالعنف ناحية المتظاهرين السلميين. بعد ذلك، أصدر ، وزير الداخلية، قرارًا بتعديل شعار الشرطة من الشرطة والشعب في خدمة القانون إلى الشرطة في خدمة الشعب، إمعانًا في التأثير الإيجابي على الشعب الثائر. تفقد وزير الداخلية قسمي شرطة النزهة ومصر الجديدة، اللذين نجيا من الاقتحام والحريق. ولوحظ في ذلك اليوم عودة وتواجد ملحوظ لرجال الشرطة في بعض شوارع القاهرة. كان غريبًا جدًا التعامل المثالي، الذي تعامل به رجال الشرطة مع الشعب، بطريقة أقرب للاستكانة والمهادنة.

في تلك الليلة، أعلنت القنوات الفضائية عن خطاب مرتقب لمبارك بعد قليل. راود الكثيرين الأمل في أن يعلن مبارك تنحيه، لكنهم كانوا متفائلين أكثر من اللازم. مر الكثير من الوقت دون أن يأتي هذا الخطاب المرجو. لعل تأخير خطابات مبارك بالساعات أتت عليه وعلى نظامه بنتائج عكسية. كان الانتظار يرفع سقف الطموحات ثم يأتي الخطاب مخيباً للآمال، فيؤدي إلى مزيد من السخط والضيق، بالتالي مزيد من الإصرار على فكرة الرحيل.

في وسط هذا الانتظار والترقب والأمل في تحقيق المطالب، خرج رئيس الوزراء الجديد مرتديًا بلوفرة الأنيق الذي سيشتهر به بعد ذلك، في أول لقاء تلفزيوني على المصرية مع المذيعة لبنى عسل والمذيع ، عصبيًا متأففًا، ليعلن رأيه الحقيقي في ثورة الشعب. فعندما سأله المذيع عن طلب المتظاهرين بتأسيس جمعية وطنية لصياغة الدستور، أجاب شفيق بكل تأفف وترفع: أنا بسأل سؤال.. إيه الحاجات الثورية ديه؟ طيب ما ينادوا بقى بثورة؟ إشمعنى بيزعلوا من المناداة بالثورة؟ أجابه المذيع: هو حضرتك ماذا تسمي ما يحدث في ميدان التحرير وباقي محافظات مصر الآن؟ رد شفيق: … تعبير حاد عن الرأي العام في شكل جماعي. أنت عايز تسميتها ثورة؟ مش ثورة طبعًا. فعاجلته المذيعة محاولة استدراك الأمر وتهذيب الرد قائلة: سُميّت أيضًا انتفاضة. لكن شفيق ظل مصممًا على رأيه وقال: المسميات كتير… لكن مش ١٠٠ ألف و٢٠٠ ألف، مش ممكن نسميهم ثورة، مش ثورة طبعًا.

كان ذلك أكبر خطأ ارتكبه شفيق في حياته السياسية قاطبة، عندما أنكر على المصريين ثورتهم، وفقد بعدها أي مصداقية وأي فرصة في الحوار معهم. لذا لم يكن غريبًا أن يلفظه الشعب قبل أن تكمل حكومته يومها الأول، وفي لقاء تالٍ بعد لقائه الأول بأقل من ساعة في برنامج 90 دقيقة على ، شعر شفيق بمقدار الخطأ الذي ارتكبه في لقائه الأول، وربما لفت أحدهم نظره لذلك، لكنه لم يتراجع عن تصريحاته السابقة. ومع ذلك، قدم وعودًا صريحة بحماية المتظاهرين في التحرير وعدم التعرض لهم، وأقر بمسؤوليته المباشرة إن حدثت أي اعتداءات عليهم، وكرر نفس الكلام تقريبًا في لقائه الثالث في تلك الليلة في برنامج العاشرة مساءً على .

على الجانب الآخر، زاد سخط المتظاهرين على النظام، الذي لم يهتم بتنفيذ مطالبهم ولم يقدر ثورتهم حق تقدير. وكعادته، في محاولة للتأثير على الرأي العام في اتجاه مضاد للثورة، حاول التلفزيون المصري استخدام الفنانين والرياضيين ورجال الدين والمشاهير من خلال مداخلات هاتفية ومقابلات تلفزيونية في محاولة للتأثير ضد الثورة، خصوصًا قبل خطاب مبارك المرتقب وللتمهيد لتقبله. فاتهم الممثل الكوميدي طلعت زكريا المتظاهرين بالعمالة قائلًا: خلاص اللي قبض يمشي وكفاية كده. ثم خرج في إحدى اللقاءات التلفزيونية بعد ذلك وقال إن الشباب الذين بدأوا التظاهر، الذين لقبهم بـ شباب ٢٥ يناير، وهم الذين نزلوا إلى الميدان منذ يوم 25 وحتى يوم 27، وكانوا وطنيين ومخلصين، وقد أعلن تضامنه معهم ومع طلباتهم، ثم رحل هؤلاء حسبما يدعي، وأتى مكانهم آخرون عملاء. وما يحدث في الميدان الآن هو: طبل وزمر ورقص، وبنات وشباب ومخدرات… وعلاقات جنسية كاملة في قلب الميدان.

وقد كرر العديد من الفنانين هذا السيناريو، مثل الفنان حسن يوسف من خلال اتصالاته التي وزعها على القنوات المختلفة. أما الفنانة آثار الحكيم، فقد اتهمت شباب الثوار بأنهم متواجدون في الميدان لمجرد اللقاءات العاطفية. وقالت الفنانة للمتظاهرين: خلاص كفاية بقى، روحوا بيوتكوا، منظرنا بقى وحش أمام العالم. وتواصلت الإشاعات حول إلقاء القبض على عدد من العناصر الأجنبية في التحرير وفي ميادين القاهرة المختلفة في محاولة لإثبات نظرية المؤامرة المسيطرة على الأحداث.

وفي مداخلة على قناة النيل المملوكة للدولة، وصف الملحن عمرو مصطفى المعارضين والثوار بـالكلاب. وحاول مصطفى إشاعة نظرية المؤامرة الأجنبية بأحداث خيالية مثيرة للضحك. وحرض على إيقاف أي أجنبي يسير في الشارع والقبض عليه فورًا. وأكد أنه شخصيًا قد ألقى القبض على اثنين من الأجانب، سويسريين الجنسية وإسلاميين في نفس الوقت، يحملان منشورات ضد التغيير؟!. الأغرب كان رد مذيع التليفزيون المصري الذي أجابه بتلقائية: يا عمرو دول جواسيس طبعًا.. حاجة واضحة.. دول اتقبض عليهم؟ ثم انفعل عمرو مصطفى على الهواء وبكى، واصفًا أن ما يحدث في مصر هو مؤامرة، وأن هناك عملية غسيل مخ تحدث للشباب بهدف إسقاط الدولة.

ثم جاءت أخبار من مراسلي التليفزيون المصري، أن هناك منشورات بعدة لغات يتم توزيعها في الشارع تدعو الجماهير للتظاهر. وبالطبع ثبت كذب هذه الادعاءات فيما بعد. وفي اتصال من أحد المواطنين الشرفاء بمذيعة التليفزيون المصري، سألها المواطن الشريف: أجانب واقفين في ميدان التحرير، بيعملوا إيه في ميدان التحرير؟. فأجابته المذيعة على الفور، دون تردد: طبعًا، عشان يشوفوا الناس الموجودة في ميدان التحرير بتنفذ الخطة المتفق عليها ولا لاء.

أما اللقاء الأكثر كوميدية على الإطلاق، فكان مع الفنانة عفاف شعيب على قناة الحياة، التي قالت بعصبية شديدة: إحنا منهارين.. بنت أخويا بتقولي يا عمتو نفسي آكل بيتزا. وابن أخويا بيقولي نفسي آكل كباب.. طفل عمره سنتين نفسه يأكل ريش وكباب.. متعودين إننا نجيب عشاء كل يوم وكده.. مفيش.. كله قافل.. هاتأكليهم إيه؟ أطفال دول. ثم عادت وروت قصة خرافية: واحد جابوه ماسك فرخ ورق أبيض، بيقول إن فيه ناس أدوني قلم فلوماستر وإكتب: ‘نو مبارك'.

لندن بتحاول تدرب ولاد على اللهجة المصرية، وتجيبهم كلهم لون بشرتنا، مش اللون الأبيض بتاعهم، بتجيبهم من كل الجنسيات، وبتدربهم إزاي يركبوا دبابة، وإزاي يشيلوا العسكري المصري من الدبابة ويركبها هوه، عشان فيه حرب قادمة.

(عفاف شعيب، قناة الحياة، ١ فبراير ٢٠١١)

تحدثت الممثلة ال عن الظلم الاجتماعي والبطالة والفقر، وفي نفس الوقت الذي كانت تنكر فيه على المصريين حقهم في الثورة على تلك الأوضاع الفاسدة، أكدت دعمها لمبارك قائلة: إحنا مشفناش منه إلا كل خير يا جماعة. أما نجم كرة القدم حسام حسن، فطالب الشعب بالكف عن المظاهرات قائلًا: أعتبره أبوك يا أخي.. حد يعمل كدا في أبوه؟، وفي مداخلة على شاشة التلفزيون المصري، سألت المذيعة أحد المشايخ عن حكم الدين في سماح الآباء والأمهات لأبنائهم بالمشاركة في تلك الاحتجاجات، التي اندس فيها غير المصريين، فأجابها الشيخ: إنّ تلك فتنة، وأن هؤلاء الشبان في التهلكة.

خطاب الأشهر السبعة

أخيرًا وبعد طول انتظار، ظهر مبارك على الشاشة. بدا مبارك في تلك اللحظة رجلًا بلا أي مشاعر، ربما بسبب وجهه المتصلب نتيجة المكياج الثقيل ليبدو أكثر شبابًا. بدأ مبارك خطابه بالديباجة المتكررة متحدثًا عن الأخطار والمؤامرات التي يواجهها الوطن، ثم أخذ خطابه بعدًا عاطفيًا، وشدد على أنه لم يكن ينتوي الترشح للرئاسة مرة أخرى، فقد قضى أكثر من نصف عمره في خدمة مصر وشعبها، وأنه سيعمل خلال الأشهر المتبقية من فترته الرئاسية التي ستنتهي في سبتمبر 2011، كي يتم اتخاذ التدابير والإجراءات المحققة للانتقال السلمي للسلطة بموجب صلاحياته، وأنه سيدعو البرلمان إلى مناقشة تعديل المادتين 76 و77 المتعلقتين بانتخاب رئيس الجمهورية.

إنّ الذي يتحدث إليكم اليوم يعتز بما قضاه من سنين طويلة في خدمة مصر وشعبها. إن هذا الوطن هو وطني… فيه عشت وحاربت من أجله ودافعت عن أرضه وسيادته ومصالحه، وعلى أرضه سأموت وسيحكم التاريخ عليّ وعلى غيري بما لنا أو علينا.

(حسني مبارك، خطاب ١ فبراير ٢٠١١)

كان خطاب مبارك هو خطاب مقاتل مهزوم لكنه يملك الكثير من الكبرياء، فأتى الخطاب ممتلئًا بأفعال المستقبل وليس بينها فعل واحد ينوي تحقيقه في الوقت الحالي، وبدون أي ضمانات حقيقية على تنفيذ تلك الوعود في المستقبل. لكن بمجرد أن تحدث مبارك بانكسار عن أمنيته أن يموت في هذا البلد، حتى انقلبت الطاولة رأسًا على عقب، وبدأ قلب الشعب الطيب يلين لمبارك الذي جعلهم يشعرون ولو حتى مجرد شعور أنهم قد انتصروا عليه بالفعل، وأنه هو الآن مهزوم، ويطلب منهم السماح فقط بالاستمرار أشهر بسيطة حتى يسلم السلطة للشعب.

وقد صفق أكثرية متظاهري التحرير لمبارك بمجرد انتهاء الخطاب الذي أتى بهدفه، وشق الصف ما بين مؤيد ومعارض للاستمرار، وبدأ الجدال قويًا في الميدان، وتدفقت المكالمات من الأهالي تدعو أبناءهم إلى الكف عن التظاهر والعودة للبيوت، فقد أتى الأمر بثماره. هذا الخطاب لم يحدث شرخًا بين ثوار الميدان فحسب، بل أحدث شرخًا بين الثوار وباقي المصريين الذين كانوا منذ ساعات قليلة متعاطفين معهم. الآن أصبحوا ساخطين عليهم ومُتعاطفين مع مبارك، واستغل التليفزيون المصري وبعض القنوات الفضائية حالة التعاطف التي بدأت تنمو بين الشعب، وبدأ يحشد التأييد لمبارك ويهاجم الثوار.

فظهر الفنان الكوميدي يذرف الدمع مطالبًا المصريين أن يرحموا أباهم مبارك، وظهرت وهي تحاول أن تتمالك أعصابها وتحبس دموعها من شدة التأثر بخطاب مبارك، ولم يتمالك معتز الدمرداش في برنامجه 90 دقيقة على قناة المحور مع ضيوفه: الصحفي نصر القفاص، نائب تحرير القومية، والإعلامي ، رئيس مكتب الحياة اللندنية في القاهرة، والصحفي ، رئيس تحرير جريدة الأسبوع، ود. سوزان القليني، رئيس قسم الإعلام بكلية آداب عين شمس، لم يتمالكوا أنفسهم من الحزن والتأثر بعد خطاب مبارك العاطفي، وبينما اتكأ القفاص رأسه إلى الخلف ونظر إلى السقف، جز معتز على شفتيه حزنًا وكمدًا على الأب والزعيم الذي انكسر.

شكرًا للرئيس أنه استجاب لمطالب كل الشعب المصري.. إحنا بنقدر الريس، ونحترمه، ونحترم خطابه، ونحترم استجابته للجماهير، وأنا مع أنه يبقى لغاية البتاع ده، وبقول لشبابنا إنه لازم يفض المسيرة.

طلب جماعي لكل المتظاهرين في ميدان التحرير أن يفضوا اعتصامهم الآن، فعلًا ما طرحه الرئيس في النقاط الخمس هي جدول العمل الذي طالب به المصريين… المطالب الأساسية للمصريين… النهاردة خطاب الرئيس عمل مُتغيّر… المطالب الأساسية اللي إحنا عايزينها لُبِّيَت [تم تلبيتها]، مسألة إن أنا أسقط النظام من أساسه تدخلني في الفوضى بقى.

وجود الرئيس لغاية ما يتم مُدته ضرورة دستورية حتى لا يحدث فراغ دستوري الآن… سيبنا من العواطف… الشباب ده هو اللي حقق الإنجاز، هو اللي جاب أحمد شفيق، هو اللي جاب الراجل المحترم ، اللي البعض دلوقتي بيقولله إمشي. لو تعرفوا تاريخ عمر سليمان عمل إيه للبلد دي، لو تعرفوا تاريخ أحمد شفيق، هذا الفريق… هوّه عمل إيه لمصر؟

(مصطفى بكري، برنامج ٩٠ دقيقة، ١ فبراير ٢٠١١)

لم ينس مصطفى بكري في نهاية اللقاء أن يكرر التقدم بالشكر للرئيس لأنه استجاب لمطالب كل الشعب المصري، فرد عليه معتز الدمرداش قائلًا: أنت عليك دور كبير قوي، لازم تنزل الصبح تروح تتفاوض مع هؤلاء الشباب العظيم. لاحقًا، تحدث مصطفى بكري على قناة التحرير، عن ذكرياته أيام الثورة، ساخرًا من أولئك السذج الذين صدقوا خطاب مبارك العاطفي الدراماتيكي كما وصفهم قائلًا: في مساء هذا اليوم بالليل، ١ فبراير، كان الخطاب الدراماتيكي للرئيس مبارك، اللي اتكلم فيه بقى عن أن أنا أريد أن أموت في مصر، وأنا كذا، وأديت دوري و و … ظل الناس.. الدموع تنهمر، كما رأينا على شاشات التلفاز، وكثيرون يعني بقوا يوجهوا كلام حاد جدًا للثوار والثوريين، وأُسر بأكملها ذهبت إلى ميدان التحرير في هذا اليوم لتقنع أبناءها أنّهم يرجعوا.

الجدير بالذكر أنّه بعد تنحي مبارك، وبالتحديد في مارس 2011، شطب بكري جميع أعداد جريدة الأسبوع من موقع الجريدة الإلكتروني، وأبقى فقط على الأعداد التي تلت ثورة 25 يناير كمحاولة للتخلص من إثبات صلته القوية بنظام مبارك ونجله جمال ورجاله و و و و، بالإضافة إلى أنّه أزال أيضًا اللوحة التذكارية لتأسيس جريدة الأسبوع، التي كان مُدون بها قيام صفوت الشريف بافتتاح الجريدة، ووضع بدلًا منها لوحة مكتوب عليها لفظ الجلالة، وعندما نشر صحفيو جريدة الأسبوع تفاصيل ما جرى مع لجنة التفاوض المُشكلة من نقابة الصحفيين في المواقع الإلكترونية، قام بكري باستبعاد الصحفيين أحمد أبو صالح وسيد أمين مديري تحرير الموقع الإلكتروني لجريدة الأسبوع أون لاين، ووضع بدلًا منهما اسمه، واسم شقيقه محمود بكري، كرئيسين لمجلس الإدارة والتحرير.

وصلت المداهنة بالمطرب محمد نور إلى أن أصدر أغنية ركيكة، سريعة الإعداد تدعو لتأييد الرئيس وللاعتذار لمبارك عما بدر من المتظاهرين في حقه، تحمل عنوان: حقّك علينا كلنا. والطريف أنه بعد تنحّي مبارك تحولت نفس الأغنية باللحن ذاته والكلمات ذاتها بعد إعادة تشكيل كلمة حقِك لتصبح موجهة لمصر، ولتصير الأغنية بالكامل وكأنها تهاجم نظام مبارك، وتدعو للاعتذار لمصر.

تكالب المتصلون في تلك الليلة على برامج التوك شو في البكاء واستدرار عطف المشاهدين، وظهرت رولا خرسا و على شاشة قناة الحياة مطالبين ضيوفهم في الاستوديو أن “يصفقوا” لمبارك على خطابه، وأخذ عمرو أديب يبالغ في وصف حكمة الرئيس وأمانته في حماية الوطن وكشف الفاسدين. واستمرت حالة الشحن العاطفي إلى أن تحدث المحامي الإسلامي المُعارض عصام سلطان في مداخلة هاتفية، وهاجم كل من صدق مبارك وخطابه، وشبه هذا الخطاب بخطاب مبارك في مدرسة المساعي المشكورة عام 2005، هذا الخطاب الذي أنعم فيه على المصريين بتحويل الاستفتاء الرئاسي إلى انتخابات رئاسية والنتيجة ظلت واحدة في كلتا الحالتين.

حاول عمرو أديب مقاطعة كلمات سلطان كي لا تُفسِد مداخلته التأثير الذي أحدثه خطاب مبارك على المتفرجين، الذي يحاول أديب وخرسا مستميتين تعميق أثره على المشاهدين. فقاطعته رولا بقولها إنَّ هناك مواطنًا من ضيوفها في الاستوديو من المشاركين السابقين في المظاهرات، وقد غير رأيه الآن ويريد أن يحادث سلطان، إلا أن سلطان أصر على إكمال حديثه واستدرك قائلًا: الرئيس عايز الناس تروّح بيتها وينفرد بهؤلاء الشباب حتى نهاية فترة رئاسته معاقبًا إياهم بنفس الوسائل البشعة التي اعتادت داخلية مبارك على ممارستها.

قاطعته رولا خرسا مُجددًا بقولها مرفوض..مرفوض، فسألها عصام سلطان بحزم: مرفوض كلامي، ولا ده اللي كان بيحصل خلال ثلاثين سنة؟، فعاد عمرو أديب مذكرًا عصام سلطان أنَّ مبارك قد وعد بعدم ترشيح نفسه وانتهى الأمر، فعاجله سلطان مذكرًا إياه أنَّ مبارك قد وعد مثل هذا الوعد في السابق في 2005 ولم ينفذ وعده، فلم يجد أديب ما يرد به سوى الديباجة المتكررة انتوا عايزين البلد تقع والناس تفضل في الميدان، ثم أشار إلى هذا ضيفه في الاستوديو الذي قالت عنه رولا أنَّه متظاهر سابق وقد اقتنع بكلام مبارك وأتى مسرعًا للاستوديو لتأكيد تغيير موقفه، فأجابه سلطان: انتوا جايبين الجماعة بتوع وزير البترول، (يقصد أنَّ ضيوف البرنامج هم مجرد ممثلين مأجورين لا أكثر، مثلما حدث في موقف سابق كان تم الاستعانة بموظفين في وزارة البترول لأداء مشهد مشابه)، وأكد سلطان أنَّ مبارك لن يفي بوعوده ويترك كرسي الرئاسة لغيره مع نهاية فترته الرئاسية مثلما وعد في خطابه إن تراجع الضغط عليه وتخلى المعتصمون عن مطلب التنحي الفوري قائلًا: هوه مش هيمشي.. هوه بيمهّد أنَّه يدوّر على الأولاد اللي واقفين في التحرير، ومحمود وجدي موجود في الداخلية.

لا يمكن هيجي أسوأ من اللي كنا فيه.. لا يمكن هايجي ذلّ ومهانة قد اللي كنا فيها.. كانت الناس بتتضرب في الأقسام قدام مراتاتهم وأمهاتهم بالجزم وبالبراطيش.. كانوا بيتخوزقوا.. كانوا بيطلّعوا دين أمهم.. كانوا بيعملوا فيهم كل حاجة.. إحنا كنا في عصر أسود ومهبب.. خلوني أتكلم بقى وأقول.. أنا كنت بقول للناس والله العظيم تلاتة ربنا هايحلها […] العيال [يقصد شباب الثورة] طلعوا أحسن مننا.. إحنا جبناء.. رغم إن إحنا اتكلمنا وقلنا كل حاجة!

(عمرو أديب لاحقًا، على قناة أون تي في، مع )

أيضًا في هذا اليوم، الأول من فبراير، ظهرت على لتعبر في مداخلتها عما كان يجيش بصدور الثوار بكل وضوح، وأعلن أن خطاب مبارك يزيد فترة الاحتقان والغضب، بينما أعلن أنه التفاف على مطالب الحركة الوطنية.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ تاريخ الإخوان والسلطة[الجزء السابق] 🠼 الإثنين ٣١ يناير
بيشوي القمص
[ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎