Search
Close this search box.
حاولت أن استبعد سوء النوايا الذي يستبد برأسي، كذلك مشهد السوبر ماركت حين أشار أحدهم إلى علب التونة المرصوصة للعرض والبيع! حاولت طرد فكرة: "البضاعة المبيعة لا ترد ولا تُستبدل بعد الفتح" فهي لا تنطبق على الكائنات الحية! حاولت جاهدة التماس الأعذار، والتعلل بالمستوى الفكري والثقافي لشعبنا. كما حاولت وافترضت أنها مصادفة، أو خدمة نصح وإرشاد، حاولت وحاولت وحاولت، لكن في الحقيقة لم استطع!

انتشرت في الآونة الأخيرة، ربما في الكنائس القبطية الأرثوذكسية تحديدًا، خدمة شريك الحياة، أو أسرة “قانا الجليل”، أو أي مسمى يحمل نوعا من الشرعنة الكتابية ليلقى مصداقية بين الجماهير، ولكني لم أراها سوى مكتب خاطبة من القرن السابق!

لقد "إخترنا لك" شريك حياتك 1الأمر بسيط للغاية: كل ما عليك للتمتع بهذه الخدمة هو تقديم أوراقك مع صورة بطاقة الرقم القومي، وتزكية من أب اعترافك (بالطبع نحن لا نتعامل سوى مع من لديه أب اعتراف، خسئنا إن لم نفعل)، وبالطبع رسوم بسيطة نظير استمارة التقديم، وصورة شخصية.

ينطوي المشهد على عبثية هائلة قد تُبكيك من فرط الهزل، شر البلية ما يُضحك فعلًا!

تخيل معي أنك تدخل إلى مكتب خادمة أو تاسوني مُكلفة بتلقي الطلبات، تُسلم أوراقك وتدلي بدلوك في صفات واختيارات الشريك المناسب. تُحدد عمره، ومهنته، ومحل إقامته، ونسبة ثروته، ومستوى أسرته، ومواصفاته الجسمانية من لون بشرة وطول ووزن… لتبدأ الخادمة، أو التاسوني، أو الخاطبة سمها كما شئت، في “فلترة” قاعدة البيانات التي لديها، وتوصيلك بالشريك المحتمل، لتتعرفا إلى بعضكما البعض، وتعيشان في تبات ونبات، وتنجبون الصبيان والبنات، و يا بخت من وفق الرؤوس المشتتة في الحلال! الأمر ولا أسهل! لتأمر ونحن ننفذ!

تختلف تلك الخدمة جذريًا عن خدمة المقبلين على الزواج، والتي تقدم ما يشبه محاضرات التوعية بحقوق -لا سمح الله- الشريك وكيفية ديمومة استقرار الأسرة، وليذهب الاستقرار النفسي للجحيم! تتكون غالبية كورسات المقبلين على الزواج من 8 محاضرات، تنتهي بامتحان صوري لاجتياز المادة، ولا يمكن عقد القران بدون تلك الشهادة التي لا تضمن إطلاقًا الصحة العقلية للطرفين المقبلين على خطوة الزواج، ولا السعادة الأبدية لهذا الارتباط! لكنها خدمة تندرج تحت بند النصح والإرشاد. وعلى الرغم من أن الكائنات الحية العاقلة لا تتعلم الود والمحبة والعطف والشفقة والاحترام في كورس من 8 محاضرات، لكنها محاولة لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، أو ربما مراجعة النفس قبل الإقدام على خطوة لا فِرار من عواقبها. لكن ماذا عن خدمة اختيار شريك الحياة؟ لماذا اسخر منها بهذا الشكل وأقلل من مقدارها في هذا المقال؟ لأسباب عدة، دعنا نفكر فيها سويًا:

– منذ نعومة أظافرنا في فصول ، حتى نهاية المرحلة الثانوية، وسواء فتيان أو فتيات، يتم تحذيرنا من الجنس الأخر بصفته المثير الأول للشهوة والغرائز التي وبقدرة قادر تم الاعتراف بها داخل نفس الفصول مع بداية تهيئتنا للجامعة! بين ليلة وضحاها يتم الاعتراف بجنسانيتنا، وحثنا على احترام إخوتنا من الجنس الأخر مع عدم تجاوز الحدود، لأننا بالطبع “مش عايزين صداع هنا” وقصص حب فاشلة تتطلب دخول أمناء الخدمات والآباء لحلها! فكيف عزيزي / عزيزتي نثق بمن سلبنا حقنا في التعبير عن أنفسنا وإرشادنا بصدق في طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا، بل من توعدنا بالنيران المستعرة إن تجرأنا وتحركت مشاعرنا، ولامنا على أفكارنا غير المرئية حتى! هل نثق بسهولة في مثل تلك المنظومة التي تحتقر الجسد والمشاعر؟

– فكرة “اخترنا لك” شريك حياتك، أو مستقبلك المهني، أو كليتك.. كلها أفكار تذكرني بـ”بينوكيو” العروس الخشبية العاجزة عن تقرير مصيرها! فأنت تجلس فارغ القلب والرأس، لا ترغب بتحمل عواقب اختيارك كليًا، فتفرح بل تهلل أن يحمل أحدهم عنك عبء المصير، ويختار لك، ويُرشح لك، ويُحذرك من هذا أو ذاك. فعلى الرغم من أنك لن تتقدم لهذه الخدمة إلا وقد جاوزت سن الرشد، إلا أنك واسمح لي باتهامك بأنك رضيع وجدانيًا! فإن كانت أدوار الراشد، واﻷب الوالد، لا تتحمل القيام بها! فكيف -حبًا بالله- تُقدم على خطوة كالزواج حينذاك؟

– لا أتخيل أن تُدار العلاقات الإنسانية: صداقة، حب، زواج.. من وراء المكاتب التي تتصاعد منها كمكمة الزمن! فضلاً على ذلك، فاختيار شريك الحياة بتلك الطريقة ما هو إلا -وليُسامحني الله- سوق نخاسة مقنن! يأتي الطرفان ليجلسا أمام بعضيهما البعض، بحضور الخادمة، ليُعاينا بضاعة البعض أولًا قبل أن يستكملا رحلة التعارف! هل هي كما رأيت صورتها؟ هل هو ممشوق القوام كما يبدو على صفحة التواصل الاجتماعي خاصته؟ إن نجحت تلك الخطوة وبدء الطرفان رحلة التعارف، فلابد أن تكون خطواتهما المقبلة معروفة لدى الخادمة. فهي تُقدم خدمة داخل إطار كنسي، وبصفتها وصي على هذه العِلاقة، يهمها الاطمئنان لسلامة النيات واحترام سمعة المكتب! ببساطة، كلاكما ليس راشدًا كفاية بل يلزمكما وصاية أبوية جديدة ورقابة لضمان السلامة والجودة! فإن كان زواج الصالونات مجردًا من أي مشاعر وتحكمه المصالح والقيل والقال، فهذا النوع المستحدث من اختيارات الزواج المدبر عشوائيًا هو أكثر تدميرًا.

– لا يزال عشرات الشباب يُعانون الإدلاء بأسرارهم الشخصية لخادم أو قس أو أي مسؤول، فالوجود في موقع المسؤولية له لذة خاصة تعطي صاحبها نشوة السيطرة والتحكم في مصير الأخر. لتتأهل لعلاقة عاطفية، فأنت تُعرض نفسك لقدر من الحميمية وكشف الأسرار الدفينة. فكيف ههنا تكشف ذاتك، روحك، وكيانك الداخلي، لموظف خدمات؟! نعم إنه لا يهتم بك لذاتك فأنت رقم من أرقام كشف الخدمة، لكنه إن رأى بعين الخبرة العشوائية أن أحد أسرارك التي ائتمنته عليها لا يمكن التعامل معها، سيرفع سرك الخاص إلى الرأس الأعلى منه! فأنت لا تشارك خياراتك وأفكارك لشريكك المستقبلي إنما لموظف سهل عليه أن يُطلق أحكامه عليك! وما أدراك ما إطلاق الأحكام داخل الوسط الكنسي!

– كيف يمكنك أن تضمن أن يكون الخادم المسؤول على القدر الكافي من النضج النفسي لنصحك وإرشادك في مسؤولية ستستمر معك لباقي العمر؟ بالتأكيد يمكنه أن يُخطئ كما تُخطئ أنت أيضًا في اختياراتك، لكنها دائمًا مسؤوليتك وحدك. وهنا نرجع مرة أخرى لنقطة البداية والرغبة في التملص من تحمل القرارات.

قد عرضت أمامك بعض نقاط الاعتراض على هذا النوع من خدمات الزواج.. لك كل الحق في القبول أو الرفض،، لك حق الامتعاض أو التفكير في الأمر،، لك مطلق الحرية أن تراها خدمة لها أبعادها والحاجة إليها، أو تراها هايبر ماركت ضخم تُعرض فيه البضائع ويُساوم المرء فيه على السعر وطريقة التغليف المناسبة.. في النهاية أنت / أنتِ أحرارا، ويا ليتنا نصدق تلك الحقيقة.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

[ + مقالات ]