Search
Close this search box.

من أجل قيامة الأموات الذين رقدوا في الأيمان بالمسيح. يا رب نيح نفوسهم أجمعين.

(مقدمة الأبسلطس بلحن التجنيز: لحن البولس)

كنت لم أبلغ الثالثة والعشرون بعد، آنسة لطيفة تؤمن بالأحلام والمعجزات، خريجة جديدة تجمع خيوط الألوان بين يديها ولا تعبأ بمسؤوليات المنزل: هناك شخص “كبير” موجود. على أنها نفس الأيام، الصباحات الباهتة ذاتها، محاولات البحث عن عمل ثابت أثبت به المهارة مستمرة، خدمتي كالمعتاد، التواصل مع أصدقاء الكلية باهتًا ولو أنه متاح… لكن في الأفق، وربما على بعد ميتافيزيقي غير مفهوم، لاحت غمامة وحجبت بدر الليل المكتمل أمامي؛ شعور لا يفارقني بالاضطراب، لا يلبث ويعود مهما أنهيت قراءة كتبي المفضلة أو حللت استخدام الكادرات الأمثل في أفلامي المفضلة… تمامًا كالـ”دمنتور” الشبحي الذي يعرف طريق ذكرياتك السعيدة ويجهضها في الرحم.

ما خَطب العالم قد صار هكذا يبدو مسطحًا باهتًا ورَثًا كرداءٍ فَقَدَ لونَه من فرط الغسيل؟

(: قصة فقدان)

بعد ظهيرة الثاني عشر من شهر ديسمبر، بالتحديد في الواحدة وعشر دقائق عصرًا، استيقظت من رقاد النوم اللذيذ بعد ليلة عصيبة من الأرق غير المبرر على صوت مألوف، هذا صوت أبي ولكنه أكثر بهتانًا وخشونة وسرعة تشبه سرعة “غسالة ماتيكية” على برنامج الغليان! أبي يطلب من طبيب المعمل الحضور سريعًا؛ كالمعتاد يؤرقه قلبه ويشعر بتلك الوخزات الوقحة لحد الغليان في صدره. كنت قد قابلت أبي مصادفة في صالة المنزل وأنا أتابع فيلم “الآخر” لشاهين أثناء مناوبة قلقي الليلية، كاد يبدو طبيعيًا، فقط تسائل لمَ لم أنم حتى الآن. كل شيء طبيعيًا وباردًا خلال أول موجات البرد القارس والمطر المنهمر في بداية ديسمبر، ما الجديد؟ في ذلك الصباح لم نتحدث حتى، فقط طمأنته أن كل شيء على ما يرام، سيأتي الطبيب ونذهب معه للمشفى، والآن سأذهب مسرعة لغسل وجهي والتحرك معه. لم تعادل برودة مياه الصنبور القشعريرة التي تسربت لفقرات ظهري وأنا أسمع صوت أمي صارخًة باسم أبي بهستيرية لم اعتدها من قبل؛ الآن انتهى كل شيء، على الأقل آلمه الشخصي.

إن الموت فَقَط يفضح الفراغ الذي كان دائمًا موجودًا ونحن لا نلحظه.

(سي. إس. لويس: قصة فقدان)

لدقائق تسمرت في موضعي، لا أدري حقًا ماذا عليَ أن أفعل: مات أبي دون أن يودعني بأي كلمة، لم أتوقع ذلك مطلقًا. اختلفنا معًا واتفقنا كذلك، ضحكنا ودمعت عيوننا سويًا، على أننا في الأخير لم نكن دومًا على وفاق، ولكني لم أتعجل المناقشة معه؛ كان “موجود” دائمًا. جلست وأنا مدركة اختفاء أبي تحت الأغطية؛ فهو لن يعود. لم أفهم يومًا لم يُغطى وجوه الموتى؛ فهم ليسوا بأذى الأحياء! أحاول تبين ماذا ينبغي أن أفعل: أعلم أن في تلك الأحوال يبكي الناس وينوحون لفقد أحبائهم، أشعر بالذنب ربما إن استطعنا نقله للمشفى سيتمكنون من إنعاش القلب، هل ينبغي إخبار الآخرين بما حدث؟ أبي أصبح حدث؟ من أخبر؟ لا أحد هناك سوى “أنا” وارتباكي والموسيقى التصويرية لكمال الطويل وصلاح الشرنوبي في فيلم “الآخر” تصدح في الخلفية!

هل يخمد النوح بعد زمن ليترك وراءه إحساسًا بالملل والبلادة مَشوبًا بمسحة من الغثيان؟

(سي. إس. لويس: قصة فقدان)

فجيعتي لا تقارن، ولكن يبدو أن الحياة لن تتوقف لمصيبتي! بـ”أدب القرود” ودموع “المناسبات” المعلبة سلفًا، وتوافد المعزون المتعبون! لا أحد يشعر، كلٍ يبكي على ليلاه، الكل يرتدي لباس الحكمة والورع! شعرت بلكمة شديدة كلما وجه أحدهم لي كلمات العزاء الصلفة: إنتي كبيرة دلوقتي، أمال لو كان سابك وإنتي عيلة، هو عمل اللي عليه، ربنا بياخدنا واحنا في احسن وقت، خليكي قد المسؤولية، هتعترضي على قضاء ربنا!

إنك لا تستطيع أن ترى شيئًا جيدًا حينما تكون عيناك غارقتين في الدموع.

(سي. إس. لويس: قصة فقدان)

تدفقت الدموع من عيني في انسياب غريب، كما لو كنت أبكي مُنذ سُرقت حلوتي في الطفولة إلى رقود أبي! بكيت حتى شحت الدموع في عيني وتغيرت ملامحي وتجعدت بشرتي… بكيت كما للموتى منذ القدمِ! باد أقنومي ورجائي من قِبل الرَبُ.

الرب! يا لخيبة أملي وقتئذ منه! لماذا؟ قل لي لمَ تسرقني قبل ٦ أيام من عيد مولدي؟ لماذا تتصرف بطرقًا غامضة جدًا؟ أعني غامضة بقدر عدم تصرفك على الإطلاق؟! كانت شكوكي الغاضبة عاطفية أكثر من كونها عقلية – بحسب تعبير فيليب يانسي – فخيبة الأمل تنطوي بشكل أو بأخر على علاقة منشودة لم تفلح بطريقة من الطرق!

كان علىَّ أن أتعلَّم أن كل العلاقات الإنسانية تنتهي بالألم؛ فهذا هو الثمن الذي يتقاضاه منَّا، بسبب عدم كمالنا، في مقابل امتياز الحب.

(سي. إس. لويس: قصة فقدان)

كمؤمنة مسيحية، أعلم التالي:

فإن الله خلق الإنسان خالدا، وصنعه على صورة ذاته، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم، فيذوقه الذين هم من حزبه.

(سفر الحكمة لسُليمان النبي: الإصحاح الثاني، من ٢٣ إلى ٢٥.)

أردد كذلك مع بُولُس:

لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله. إذ أخضعت الخليقة للبطل -ليس طوعا، بل من أجل الذي أخضعها- على الرجاء. لأن الخليقة نفسها أيضا ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله.

(الرسالة إلى رومية: الإصحاح الثامن، من 19 إلى 21)

نعم، بحسب الإدراك العقلي كنت أعلم أن للبشر طريق الموات، كنت أردد أن الله صالح “عادل أنت يارب وقضائك مستقيم”، ولكن غضبي لم يكن كذلك. ”ما الذي يعنيه الناس عندما يقولون: إني لا أخاف من الله لأني أعلم أنه صالح؟ ألم يذهبوا إلى طبيب الأسنان من قبل؟“. نعم غضبت منه ومن أتباعه مرددي الحكم والمواعظ.

يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أبي.

(الإنجيل من بشارة يوحنا: الإصحاح الحادي عشر- بتصرف)

أن الملحدين الحقيقيين لا يشعرون بخيبة أمل بالله. فهم لا يرجون شيء، ولا ينالون شي. غير أن أولئك الذين يسلمون حياتهم لله، مهما كان، يتوقعون شيئًا في المقابل، توقعًا فطريًا، فهل تلك التوقعات خاطئة؟

(فيليب يانسي)

وضعوا أبي في تابوته الثمين، كما لو كان سيشعر بمدى حرفة صانع التابوت! ولطيبتهم الشديدة جعلوني ألقي نظرة أخيرة عليه، لم أعرفه، كطفل مقمط بمناديل وعصائب كان أبي صامتًا!

كم وددت بصدق أن استقبل يسوع على مشارف المدينة ليقيمه، حتى ونحن في صلوات الجناز انتظرت أن يأتي أحد عوضًا عن نظرات الشفقة ممن حولي وترديد الكهنة الكلمات كما لو كان الأمر اعتيادي وهذا واجبهم! واجبات عديمة المعنى لم تطفئ نيران دمعي.

خمس حواس، وعقل يمارس التجريد بلا هوادة، وذاكرة عشوائية الانتقاء، ومجموعة من المفاهيم والافتراضات المسبقة الكثيرة جدًا حتى إني لم أستطع فحص إلا القليل منها دون أن أكون حتى واعيًا بها جميعًا. كم من مجمل الواقع، يمكن لمثل ذلك الجهاز أن يستقبل.

(سي. إس. لويس: قصة فقدان)

كان صدى تساؤل في رأسي: هل تعبث معي يا الله؟! لمَ لست هنا؟ لم لا تفعل شيئًا؟ أي شيء لعين! لا تدعهم يفطرون قلبي ويوسدوا أبي تحت الغبار، أوقف ثرثرتهم الغبية بشأن القدر والرسائل، أولئك لا يعترفون بألمي: يريدوني أن أهدأ، يرغبون أن أكف عن البكاء، يريدوني أن أتناول الحلوى وأصمت! ماذا حدث؟ فقدان عزيز جميعنا فقدوا! لسخرية القدر حتى الكاهن أراد أن يجعلني أضحك خلال مراسم تلقي العزاء من خلال دعابة سمجة… لا أحد هناك فقط في ظلال الموت كنت أنا وألمي.

إن السبب الكامن وراء كون معظم الناس يخشون الله، وفي قرارة النفس يبغضونه، هو كونهم لا يثقون بقلبه على الأرجح، ويتصورونه عقلًا فحسب مثل الساعة.

(هرمان ملفيل)

مجددًا مع السيد يانسي أتفق:

ربما لم أكن متأهبًا لتقبل وجود الفرح والحزن وباختصار: “الشغف” عند إله الكون. فإذا درست عن الله، وروضته وركزته في كلمات ومفاهيم، فقدت قوة العلاقة الحميمة التي يطلبها الله فوق كل ما عداها. إنما اشخاص الذين كانت لهم أفضل علاقة بالله [إبراهيم، موسى، داود، إشعياء، إرميا] عاملوه بحميمية مذهلة. فقد حدثوا الله كما لو كان جالسًا على كرسى بقربهم، مثلما يتكلم المرء مع مرشد أو رب عمل أو أب أو حبيب. لقد عاملوه على أنه شخص!

(فيليب يانسي)

مع الوقت، بعدما هدأت عواصف الغضب بصدري، كان لا يزال ههنا… ربما حتى منتحبًا معي! في خبرتي الخاصة، أعتقد أنه لا مبال بالتبريرات! فإن حجب وجهه، فذلك الوجه توخّط بالدموع!

خلاصة القول، لم يرجع أبي من فكّي الموت! كما لم أقدر أن أذكره في صلواتي؛ إذ كيف يُمكنُك أن تُصلي من أجل من يُعد جزءًا من قلبك؟ أخشى أحيانًا أن يختلف حضوره الحقيقي عن صورتي عنه التي تشوهت بفعل الزمن والنسيان وتسرب ذكرياتي الثمينة معه كتسرب حبات القمح من فتحات الغربال.

ما تغير هو أنا، أنا غاضبة من الموت، إلا أن رجاءا يراودني من بعيد أن ألتقي أبي في بلاد الشمال الدافئة حيث يسكن أصلان! لابد أن تترك على شاطئ البحر الزابد كل حيلك ودفاعاتك الأولية حتى تعبر إلى تلك البلاد.

علمت أنك هناك؛ مختلفًا عن الآخرين، وهذا بالطبع لحسن حظي. هناك يُمكنني البكاء والنحيب والخوف والذعر دون لوم أو إدانة. فقط أكون أنا. وهذا ما لا تسمح به الأعراف والتقاليد.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟