Search
Close this search box.

مطرانية الفيومطالعتنا الصفحة الرسمية لمطرانية الأقباط الأرثوذكس بالفيوم على بيانها الصادر برعاية ال، والذي يعلن فيه عن إزالة التمثال الذي أقيم مؤخرًا للأنبا أنطونيوس بديره العامر. شكر البيان كل من يهتم بتكريم القديسين دون الإخلال بتعاليم الكتاب المقدس وبعقيدة وطقوس وقوانين الكنيسة الأرثوذكسية، ثم استشهد بأية يهودية من العهد القديم: لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وذكرها مجزأة دون إكمال: وﻻ صورة ما [1].

يأتي بيان الهدم لتمثال الأنبا أنطونيوس، بعد شهرين فقط من إعلان د. جرجس الجاولي، والذي نشرت قناة العربية [2]، تقريرًا مصورًا عنه:

يأتي تمثال الأنبا أنطونيوس تاليًا على تمثال العذراء بدرنكة، والذي أقامه نيافة الأنبا يوأنس، ، استنساخًا لتمثال سيدة لبنان [العذراء حريصا] الذي أقامه البطريرك الماروني مار الياس الحويك عام ١٩٠٤ تخليدا لذكرى مرور ٥٠ عاما على إعلان البابا ، بابا ال، لعقيدة الحبل بلا دنس الكاثوليكية. وربما يكون من المفيد هنا معرفة أن الأنبا يوأنس [وبالميلاد هاني عوني] والدته كاثوليكية المذهب، وظلت كاثوليكية بعد رسامته إلى أن توفاها الله وتم الصلاة على جثمانها في كنيستها الكاثوليكية في ملوي، المنيا. وأظن أن استحداث فكرة التماثيل ب الأرثوذكسية، أو هدمها، ﻻ ينم عن اهتمام بالفنون بقدر ما هو “طلقة كاشفة” عن أفكار الكنيسة المتناقضة والمختبئة تحت سجادة الصلاة، والتي ﻻ يمتلك أحد جرأة مناقشتها بشكل واضح.

لأسباب تاريخية معقدة، تحول المصريون من صنّاع أعظم تماثيل العالم، إلى حثالة رجعيّة معادية للفنون، وبكل أسف فهذا الارتجاع الفني له مرجعية دينية واضحة. وسنكتفي في هذا المقال بالمرور السريع غير المدقق على أهم النقاط الدينية التي ساهمت في تحول العالم وقت أن جمدنا نحن عن الحراك.

الفكرة الدينية لمنع فنون النحت والرسم بدأت مع اليهودية في الوصايا العشر: ﻻ تصنع لك تمثالًا منحوتًا وﻻ صورة ما لأن الإله ليس مطروحًا على إنه “ﻻ إله إﻻ يهوه” كما المكافئ الإسلامي مثلا، بل تقدم ال يهوة على أنّه الإله الحقيقي وسط آلهه متعددة مزيفة، يتم الترميز لها في المنحوتات والصور عمومًا، وبالتالي جزء من الاعتقاد اليهوي في الوحدانية هو جحد الآلهة المزيفة المصاغة بشكل فني [3].

مدينة الأصنامالفكرة تطورت في قصة إبراهيم، أبو الأنبياء، إلى سلوك عدائي في تحطيم الأصنام مصاغ على إنه عمل جيد وصالح وتقوى دينية. لذا ﻻ تستغرب سلوك بعض المصريين المعاصرين الذين كانوا يريدون هدم تماثيل أثرية في الأقصر، أو حتى تغطية تمثال السيدة “أم كلثوم” بالنقاب في الدقهلية.

ويمكننا القول بشكل عام أن الإسلام أكمل الوتيرة اليهوية لنشأته وسط “كفار قريش”، والذين كانوا نموذجًا قويًا وتأسيسيًا في فكرة “عبادة الأصنام”، والتي بالتأكيد يجحدها الإسلام بشكل أعلى. فوحدانية الله في الإسلام هي وحدانية مويستية ومختلفة عن وحدانية يهوه المونولاترية، والتعبير “ﻻ إله إلا الله” تعني مفيش إله تاني أصلا ﻻ مزيف وﻻ غيره. [التوحيد المونوثيستي يسمى في الأدبيات الاسلامية: “التوحيد الخالص”، وهو وإن كان الأنقى إيمانيًا، إﻻ إنه الأكثر إقصائية أيضًا]، لذلك، يمكننا الفهم المعاصر لماذا استنكر أهالي الأقصر تعيين د. أسعد الخياط، عضو ، محافظًا على مدينة الأقصر إبان فترة حكم .

لندع جانبا تطور اليهودية والإسلام في العموميات، ونركز بشكل مكثّف على أنفسنا كمؤمنين مسيحيين.

المسيحية مرت بمسار مختلف في مسألة الفنون، والأهم هنا على الإطلاق هو لوقا البشير، يليه الرسول بولس، ويكتمل الثالوث بمرقيون السنيوبي صاحب أول تجميع لكتاب مقدس مسيحي [4].

لوقا البشير كان “رسام”. والأمر هنا ﻻ يتوقف عند حب أو هواية طفولية تهالكت مع دراسة الطب أو اندثرت مع اهتمامه بالكرازة والتبشير.. ﻻ.. بل رسم البشير لوقا أيقونات مسيحية في العصر المبكّر، ربما يكون أغلبها مفقود، لكنه على الأقل أسس لفن الأيقونة في الكنيسة الأولى عبر رسمه لأيقونة السيدة العذراء مريم. والأيقونات هي فن كنسي مسيحي قائم على رسم البورتريه للشخصيات المقدسة. وبطريقة أخرى، هو فن معارض للتصور اليهوي: وﻻ صورة ما.

بالتوازي مع لوقا البشير، كان يساهم في تحويل المسيحية من مجرد “طائفة يهودية” إلى ديانة مستقلة بذاتها. (مأسسة للإيمان المسيحي على هيئة كنائس ذات تراتبية ونظام سلطة مستقل عن اليهودية)، وشهد هذا العصر محاربة لكثير من الأفكار اليهودية تحت مسمى مكافحة التهود، وقد ساهم ذلك بشكل كبير في أن المسيحيين الأولين كانوا أحرار من الثقافة اليهودية بما فيها من وراثة قبلية لدين / ناموس / شريعة أسباط أسرة يعقوب، والتي ظلت تُمارس بشكل طبقي منعزل اجتماعيًا في اليهودية الأرثوذكسية. فالمسيحية دين أممي مسكوني وليس ديانة أسرة كما اليهودية، وكلها عوامل ساهمت في الانفتاح على ثقافات وفنون العالم بأسره.

أما الشخص الثالث، ماركيون []، والذي جمع أول كتاب مقدس للمسيحيين ضم فيه الشخصيتين السابقتين، لوقا وبولس فقط، ولم يضم البقية. ماركيون كان يرى فوارقَا واضحة بين “يهوه” وبين الإله الذي صاغه يسوع المسيح. لذا كان الكتاب المقدس الأول ﻻ يحتوي أيا من الكتابات اليهودية [العهد القديم] حيث يراه ماركيون عهدا قد انتهى، وكان يرى بولس هو الذي فهم أكثر من غيره فتضمن الكتاب المقدس رسائل بولس مع إنجيل واحد فقط: إنجيل لوقا، فنان الأيقونة الأممية [5].

هذا الثلاثي سيتألق نجمه في الغرب، أما الشرق فأخذ مسارًا مختلفًا أكثر تدينًا وأكثر عزلة و. فالغرب ورث الثقافة ال، وهم البارعين في النحت والرسم للأجساد العارية بشكل ماهر تشريحيا. لذلك، عندما دخلت المسيحية كدين جديد به أيقونات ورسم، فُتِح المجال لإبراز الجمال بشكل ديني مسيحي.

ﻻ تصنع لك تمثالا للأنبا أنطونيوس، لكن للعذراء ماشي 3أوربا المسيحية مغرقة في التماثيل والتصوير حتى للميتافيزيقا والكائنات الروحية غير المادية مثل تماثيل الملائكة أو صور الشياطين، ويظهر هذا بشكل واضح في فنون المعمار للبازليك [الكاتدرائيات] بشكل فيه نحت على كشفات الأعمدة، أو رسم الجداريات والأسقف الداخلية للكنائس. على ، كان دافنشي قد صمم تصورًا فنيًّا رسم فيه وجه الله ذاته على سقف التي تعكس خلق الإنسان الأول، وهي سابقة لم يجرؤ عليها إنسان آخر.

داود العاريأيضًا ﻻ أحد ينسى دور التماثيل في عصر النهضة الذي مهد لثورات على الكنيسة بعدها، وبالأخص الدور الذي لعبه تمثال داود العاري بنسختيه سواء لدوناتيلو أو لمايكلأنجلو، وكيف نجح الفنانون في عصر النهضة -رغم معارضة الكنيسة- في الإصرار على توصيل فكرة “بشرية النبي” لعوام الشعب عبر إظهار أعضاؤه التناسلية أو مؤخرته عارية. والفنانون في عصر النهضة هنا قد قادوا الناس للتفكير في عكس ما تروج له السلطة الكهنوتية عن عصمة الأنبياء أو أنهم بشر خوارق [6].

نقطة مفصلية أخيرة في تطور الغرب في مسألة فن النحت والتصوير: ظهور ال.

في فترة حماية الكنيسة الأوربية (الكاثوليك ﻻحقا) لمسألة الفنون، تصيد لهم الأوربيون البروتستانت كل هذا وبشكل ديني متشدد. الوضع النهائي الذي استقر عليه الأمر أن الكنائس الكاثوليكية استطاعت احترام كل من فنون النحت والرسم والمعمار في الكاتدرائيات، وتجاوزت مخاوف التقديس أو التعبد للتماثيل بفضل الثقافة الأوربية التي تشاهد وتحترم الفنون عمومًا. بينما ظلت الكنائس البروتستانتية عالقة عند مسألة الرفض لكل ما سبق بتأويلات دينية متشددة. الوضع التاريخي بين الكنيستين قد قاد لحرب أهلية دينية عرفت باسم: حرب الأيقونات الثالثة [7]

أين الأقباط الأرثوذكس في هذه العركات التاريخية الحاسمة؟

محضروش أي حاجة.. المسار عند الأقباط الأرثوذكس متوقف عند قبول الأيقونات دون التماثيل استنادًا على مضض إلى ما شرعنه لوقا في العصر المسيحي الأوّل. وليس أي أيقونات وإنما التراثية المستلمة (رجوعًا وتأسيسًا إلى ما سنه لوقا البشير بشكل تقليدي نقلي) مع الرفض المستتر والناعم لأي إبداع أو تغيير.. ﻻ نحت وﻻ رسم وﻻ أي فنون [8].

لذلك، رأينا وسمعنا اعتراضات وانتقادات وآراء في مسألة تمثال العذراء بدرنكة، قوبلت بالتجاهل والاستمرار من أسيوط، كما رأينا وسمعنا اعتراضات وانتقادات وآراء (أقل بكثير) في مسألة تمثال الأنبا أنطونيوس بديره العامر، ومع ذلك قوبلت بالاستجابة وهدم التمثال بشكل محبط للفنان الذي تطوع بالعمل عليه لعامين كاملين. ولو حاولت بلورة الانتقادات أو حتى الاستجابات في قواعد محددة فلن تستطيع. ربما ﻻ يوجد عند الأقباط الأرثوذكس “نظام مختلف عليه”، وإنما هي بالأكثر: “فوضى متفق عليها”.

هوامش ومصادر:
  1. راجع سفر الخروج ٢٠ : ٤، وسفر تثنية الاشتراع ٥ : ٨ [🡁]
  2. قناة العربية، تقرير بعنوان: بطول 9 أمتار ووزن 2 طن.. أستاذ فنون جميلة في المنيا ينحت تمثالًا للأنبا أنطونيوس [🡁]
  3. في الفترة المُبكرة من تاريخ الشعب العبراني لم يكن الاعتقاد بوجود “إله واحد” بنفس المعنى الذي يبدو عليه اﻵن، الدين العبراني لم يكن Monotheistic [توحيد أحادي خالص]، لأن الصورة التي يقدمها سفر الملوك أو الكتب المُبكرة هو انه أحد أنواع الـMonolatrism [الإيمان بوجود العديد من الآلهة، مع العبادة الثابتة لإله واحد فقط]، بمعنى أن التوراة ذاتها تدعم الاعتقاد بوجود عدة آلهة، لكن الإله الوحيد الجدير بالعبادة هو يهوَه، بل أن هذا التصوّر لم يكن منتشرًا سوى عند النخبة المثقفة والكهنة والأنبياء، لكن أغلب عوام اليهود كانوا يعبدون عدة آلهة إلى فترة السبي تقريبًا، ولم يحدث أن اليهود عبدوا إلهًا واحدًا بالشكل التوحيدي المونوثيستي سوى في فترات قليلة. [🡁]
  4. يعد مرقيون السينوبي مهرطقًا ًا عند كل المسيحيين، لكن هو هنا لاستعراض تأثيره التاريخي المؤثر. [🡁]
  5. ديل بي مارتن وكرستينا عزيز، مقال: كيف أصبحت أناجيل العهد الجديد “قانونية”؟ [🡁]
  6. باسم الجنوبي، مقال: عن “سلاحف النينجا” التي صنعت “عصر النهضة” [🡁]
  7. حرب الأيقونات البيزنطية: Εικονομαχία‏، هو مصطلح يشير إلى فترتين من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية، عارضت فيهما السلطات الدينية الإمبراطورية الدنيوية عبر استخدام الصور أو الأيقونات الدينية. وقعت «حرب الأيقونات الأولى» بين عامي 726 و787 تقريبًا. أما «حرب الأيقونات الثانية»، فوقعت بين عامي 814 و842 تقريبًا. بدأت حرب الأيقونات جراء حظر فرضه الإمبراطور ليو الثالث على الأيقونات الدينية، واستمر الحظر في عهد خلفائه. صاحب تلك الحرب تدمير الأيقونات المسيحية على نطاق واسع واضطهاد مناصري تبجيل أو تعظيم الأيقونات. بقي البابا على موقفه الداعم لاستخدام الأيقونات خلال تلك الفترة، وأدت كلّ تلك الأحداث إلى توسيع الشقاق المتنامي بين التقاليد البيزنطية والكارولنجية في الكنيسة التي كانت متحدة حتى تلك الفترة. سهّلت تلك الأحداث أيضًا عملية تناقص أو زوال الهيمنة السياسية البيزنطية على أجزاء من إيطاليا. تنامى الدافع وراء تحطيم الأيقونات إثر تفسير لاهوتي للوصايا العشر، ومنع صنع أو عبادة الصور المنقوشة، جرى النقاش اللاهوتي خلال فترتي حرب الأيقونات جراء تغييرات في طرق العبادة الأرثوذكسية، ونتجت تلك التغيرات خلال القرن السابع عن ثورات سياسية واجتماعية كبرى في الإمبراطورية البيزنطية. ركزت التفسيرات التاريخية على أهمية منع الإسلام عبادة الأصنام (أو الصور) وتأثير ذلك على الفكر البيزنطي. وفقًا لأرنولد جاي: شجعت الانتصارات العسكرية الإسلامية خلال القرنين السابع والثامن مسيحيي بيزنطة على اقتباس موقف الإسلام الرافض للأيقونات الشعائرية أو التعبدية وتدميرها. أُكد أيضًا على دور النساء والرهبان في دعمهم لتبجيل الأيقونات. طُرحت النقاشات والحجج القائمة على المرتبة الاجتماعية، مثل القول أن تحطيم الأيقونات خلق انقسامات سياسية واقتصادية في المجتمع البيزنطي: وأن تلك الممارسة دعمتها الشعوب الشرقية من الإمبراطورية، وهي الأفقر وغير الإغريقية والتي تحمّلت مهمة التصدي لغارات العرب بشكل دائم. في المقابل، عارض الإغريق الأغنياء في القسطنطينية –بالإضافة إلى شعوب البلقان والمقاطعات الإيطالية– بشدة تحطيم الأيقونات. [🡁]
  8. باسم الجنوبي، مقال: مورنينج من ده يا ولاد الكئيبة! [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟