Search
Close this search box.
المقال رقم 1 من 5 في سلسلة يوميات الأنبا ديميدوس الضرير

بينما كنت أتجول في احدي المكتبات، وجدت كتاب قديم ومتهالك، تفوح منه رائحة العفن، وصفحاته مهترئة… لا أدري لماذا لم تتخلص منه المكتبة، ولم أدر لماذا جذب انتباهي! أخذت أتصفح أوراقه البالية كي اقرأ عنوانه: يوميات الأنبا ديميدوس الضرير، أسقف بلاد ما وراء البحار، وتوالت المفاجآت لي.

كان الكتاب كُتب من شعب يرزح تحت سلطة أحد الأساقفة، وعلى الرغم من أن عنوانه يبدأ بكلمة “يوميات”، لكن هذه اليوميات، على عكس المألوف، لم يكتبها الأسقف الضرير ولكن كتبها شعبه، لتكون شاهدا علي المعاناة، و تسجيلًا و تأريخًا لأحداث عاشوها وعاصروها. أيضًا اكتشفت من الكتاب أن الأسقف الضرير لم يكن ضعيف البصر، ولكن أهل بلدته وصفوه بهذا الاسم، لأنه كان في نظرهم: أعمي البصيرة.

سوف أعرض عليكم في سلسلة من المقالات صفحات هذا الكتاب.. المحتوي يكفي لأعوام على أيّ حال.. مع اجتهادي في نقل اليوميات في إطار درامي لا يخلو من السخرية.

(١)

كتب أهل إحدى المدن في بلاد ما وراء البحار عن الأسقف ديميدوس الضرير، فقال:

لما تنامي عدد شعب هذا البلد، وكانوا جميعا يعانون من نقص الحب والتعليم والرعاية، وكانت بحار بلادهم المالحة والباردة تضربهم كل يوم من مستنقع الأفكار والعادات والثقافات ما تسبب في ضياع أغلب أولادهم. وفي وسط هذه المعاناة، تصادف زيارة أحد الأحبار الكبار إلى بلاد ما وراء البحار.

وحدث أن قابل الحبر الكبير أحد أفراد ذلك الشعب المسكين الحقير، والذي كان قد عزف عن الزواج وتأخر سنه، أو لم يجد من توافق عليه، لسنا نعلم، ولما لم يجد لديه الرغبة في الزواج اقترح عليه أن يترهّب مع وعد بالأسقفية، لما توسم فيه من الشباب والذكاء والطموح ومعرفة لغة أهل بلاد ما وراء البحار الأصلية، لدرجة أن الحبر الكبير وصفه أنه: يتحدث اللغة افضل من أهل البلد.

وحدث الذي حدث وصار ذالك الشاب أسقفًا، بعدما قضي فترة قصيرة كراهب  لا تزيد عن عام واحد. وتهلل شعب ما وراء البحار، وظنوا انه سيأتي بعد الغيم أمطار، وبعد أن تملّح نهر بلادهم أن سينبع نبعًا عذبًا يرويهم و يروي أولادهم: ماءًا حلوًا مثلما اعتادوا في بلادهم الأصلية، قبل أن تقذفهم الظروف إلى تلك البلاد، التي أذاقتهم من الماء مرارة.

ولكن، وبئس ما قد كان… إذ راح هذا الذي كان ينبغي أن يكون راعيا للنفوس، يشتري ويبيع ويتاجر في المال والفلوس. حيث البيزنس أهم من البنوّة، و السلطة أهم من الأبوة، وأصبحنا نري الكثير من البناء، ولكنه خال من الأبناء، ولا نعرف لمن تعود ملكية البناء، وتحولت اللغة الطلِقة والجذابة، إلى مجرد تواصل مع أهل البلاد الأصليين، وليس مع رعيته وأولادهم الناشئين، وتحولت الأمطار المرتجاه الي عواصف و أعاصير ليس منها نجاة، وزادت الهموم والأحزان، وزاد الحرمان الآن، في وجود الراعي الذي لم يكن يري الرعية، ولعل هذا سبب نعته منهم بالضرير، ومرت السنون وهذا الشعب المنكوب يتجرع من صنوف الظلم والحزن والحرمان ألوانا…

(يوميات الأنبا ديميدوس الضرير، أسقف بلاد ما وراء البحار)

وللحديث بقيّة…

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: يوميات الأنبا ديميدوس الضرير[الجزء التالي] 🠼 نريد كلام بسيط وسهل