Search
Close this search box.
المقال رقم 10 من 17 في سلسلة القديس بولس الرسول

يفتتح الكاتب اقترابه من صفات القديس بولس بتقرير أن الصفة الأبرز عنده هي “صفة التغيير والقدرة على تخطى الماضي للإمساك بالأفضل”، وهي تضفي على صاحبها قدرة على التطور وعدم الالتفات للصراعات الصغيرة والذاتية، التي تستهلك جهد وذهن المرء، وتشتتهما بغير طائل، لذا كانت عينا القديس بولس وعقله وقلبه يبحثون عن إدراك ماهية الرب يسوع واستعلانه والالتصاق به.

“أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ”.

(رسالة بولس إلى فيلبي 3: 13، 14)

ولا يمكن الاقتراب من صفات ال دون أن نتوقف مليًا عند حدث ظهور الرب يسوع له “بوجهه المضيء جدًا بلمعان أكثر من الشمس”، هل يمكن أن تمر هذه المقابلة مرور الكرام، وهل يمكن أن تبرح ذهن وعقل ووجدان ق. بولس؟ وحسب الكاتب “استقرت أشعة بهاء مجد المسيح الحي واستقرت في أعماق نفسه، وحفرت في روحه مجد الوجه الأقدس الذي ظل يشع عليه بنور استعلان إنجيله. لقد بدأت تسري في كيانه الروحي عناصر استعلان المسيح، وتتسجل في وعيه صفحة وراء صفحة. وهو ما سجله ق. بولس:

“وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ.”

(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 18:3) 

لعل التأثير الأكبر هو “نمو الروح نحو الجمال والكمال حسب صورة المسيح في مقابل تقهقر الجسد بأخلاقه وميوله وشهواته، وانسحابه تدريجيًا أمام متطلبات الروح.

“وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا.”

رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 4: 16)

“لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ”

(رسالة بولس الرسول إلى كولوسي 3: 9، 10)

هكذا يحدد القديس بولس رؤيته للانتقال من اهتمامات الجسد إلى اهتمامات الروح.

وقد انعكست هذه الرؤية على حياة القديس بولس نفسه، وبدأ يرى الأمور بعيون واعية، انفتحت على الحياة الجديدة بعد أن استنارت برؤية المسيح وجهًا لوجه، فكانت استنارته قبس من ذاك النور الأعظم، ربما كما صار لموسى عندما لمح طيف الله.

“وَكَانَ لَمَّا نَزَلَ مُوسَى مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِ مُوسَى، عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ الْجَبَلِ، أَنَّ مُوسَى لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ جِلْدَ وَجْهِهِ صَارَ يَلْمَعُ فِي كَلاَمِهِ مَعَهُ. فَنَظَرَ هَارُونُ وَجَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى وَإِذَا جِلْدُ وَجْهِهِ يَلْمَعُ، فَخَافُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ”.

(سفر الخروج 34: 29، 30)

استطاع القديس بولس أن يحل معضلة الصراع بين الجسد والروح، ويفكك المتناقضات “لحساب حياة بولس الروحية”، ويستعرض الكاتب أبرز هذه المتناقضات وكيف واجهها القديس بولس، فقد تحولت معاناته من المرض، التي تضرع فيها إلى الرب أن تفارقه، فكان الرد الإلهي “تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمَل”، وبعلق الكاتب:

“لم ييأس بولس ولم يستكن لضربة ، ولم يفرزها كأنها غرامة بلا مقابل، بل سلط عليها نعمة المسيح، فرآها جزءًا لا يتجزأ من خلاصه، وضمانًا لمزيد من الارتفاع والتعمق، فهتف بروح الانتصار وهو تحت المرض “فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ.” (2كو9:12و10)

(الأب ، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)

ليس هذا فقط بل حسب الكاتب:

“يضيف آلامه لحساب الكنيسة… فآلام القديسين التي عانوها على التقوى تشددنا”، إذ “يرتفع بمفهوم التعاذيب والآلام التي عاناها في جسده ليضعها بجوار تعاذيب صليب المسيح، ويضمها إليها بجرأة يُحسد عليها، “الَّذِي الآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ، الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ” (كولوسي24:1)

(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)

وينبهنا الكاتب إلى:

“أن منهج بولس الأساسي هو في (التعويض)، فهو يرى أن كل تعذيب نجوزه، حتى إلى حد الموت، هو هو بعينه قد وُهبَ لنا لينشئ فينا حياة “حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا. لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا الْمَائِتِ.” (2كو10:4و11).

(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)

يواصل الكاتب رصد المتناقضات التي تحولت إلى قيم إيجابية في حياة القديس بولس، فالاتضاع يقابله الشموخ، والرقة يقابلها الحدَّة، والحزن يقابله الفرح، والخوف والضيق واليأس يقابله الرجاء والعزاء والفرح.

ما الذي جعل من القديس بولس مواطنًا عالميًا، أو حسب تعبير الكاتب الأدق “مواطن العالم كله”؟ هي الطاقة التي اجتاحت وملأت كيانه، الوجدان والعقل، التي ولَّدتها تلك المقابلة المتفردة والمحورية في حياة بولس، حتى إنه لم يعد قادرُا أن يعطي عينه نومًا ولا لأجفانه نعاسًا، حتى بتعبيره “اتمم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع، لأشهد ببشارة نعمة الله”.

ويورد الكاتب منهج بولس الرسول وإقراره به

“فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ ­ مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ ِللهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ ­ لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا. وَهذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ، لأَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ”.

(رسالة بولس الرسول الأولى إلى كورنثوس 9: 19- 23)

ولم يعتمد القديس بولس على معارفه الفلسفية ولم يقحمها في رسائله، بل ترك قلمه لتوجيه الروح، ليصل إلى أبسط قارئ، وأعمق عقل، ويوجز الكاتب هذا في كلمات قليلة:

“رسائل بولس الرسول لا تمثل في واقعها فكر بولس الفلسفي، بل هي وحي الروح وتَدَافُّع من النعمة، استوعبها القديس بولس فملكت عليه ملكاته وصاغت لغته وأدبياته، فاحتفظت بلماسته ويهوديته وتراث أجداده. ولكنها في خلاصتها، هي عطية الله للكنيسة، كنيسة الدهور لكل العالم، ليس لها وطن تستقر فيه، لأن مصدرها ومقرها السماء، لهذا بقيت رسائل بولس الرسول فعَّالة تجدد وجه الأرض”.

(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)

يقترب الكاتب من منطقة شائكة نتجنب الكلام فيها، وهي “المنهج السياسي عند بولس الرسول”، وهي مساحة محل جدل عند قراء بولس الرسول، لكن الكاتب يرصدها ولا يُقِّيمها، فيرى أن القديس بولس قد تغير في النظر إلى:

“الإمبراطور والحكومة الرومانية المسيطرة على البلاد التي كانت في اعتبار يهود فلسطين كعدو، وكانوا يصلُون إلى الله ضدها ويعبّئون المشاعر ضدها لمقاومتها بكافة الوسائل، إن بالعصيان أو بالحرب، وإذ ببولس الرسول، الذى صار حرًا من الجميع، مستوطنًا السماء، ومتغربًا على أرض الإنسان، لا يعود يرى الملك المستعمر إلا مختارًا من الله، ومعينًا من قِبلِه، يتحتم الخضوع له والصلاة من أجله”، ويرى الكاتب “أن هذه النظرة التي ظلت حتى اليوم في كل ممالك الأرض حصن أمان للمسيحي أن يحيا في سلام مع الجميع”.

(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)

ينتقل بنا الكاتب إلى انفتاح بولس الرسول على الأمم، شعوب العالم غير اليهود، بالمخالفة لما استقر عنده كفريسي منحاز ليهوديته قبلًا، وقد استطاع ق. بولس حسب الكاتب بهذا الانفتاح الذي قدم لهم المسيح:

“أن ينقل ملكية الله لشعب إسرائيل دون سواه إلى ملكيته للأمم أيضًا بدون تمييز”، “إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ. أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا ـ (رسالة بولس إلى رومية 28:3و29). ويعلق “هذه المقولة لو سمعها منه يهودى ارثوذكسى لقتله”

(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)

ويرى ق. بولس أن الضمير الإنساني في مجمله هو صدى لصوت الله وليس أقل من مفردات ، فاستحق أن نعتبره “مواطن كل العالم”.

يختتم الكاتب هذا الفصل بالبحث في إجابة سؤال:

“ماذا بقي من يهودية بولس؟”، وفيها كان الناموس مدرسته التى تأدب فيها لحساب المسيح، وعلى غير المتوقع فإننا نجده، وبعد أن عرف المسيح، يراهن على كل أمجاده الشخصية كفريسي مرموق، في سبيل الإيمان بالمسيح والتقرب إليه والبقاء في نوره العجيب… وأخيرًا نقول أن بولس الرسول لم يرتد عن اليهودية ـ كما رآه أهل دينه القديم ـ حتى يُطَالب منا بجحد يهوديته وبتجاهلها والإقلاع عن ذكرها، بل أن بولس الرسول امتد بيهوديته ليطهّرها في نور استعلان المسيح بغسل الدَّم، ألم يقل المسيح “ما جئت لأنقض بل لأكمِّل” (متى 17:5).

(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)

ينتقل بنا الكاتب إلى أدوات الفكر اللاهوتي عند القديس بولس” ونفسح له المقال القادم.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: القديس بولس الرسول[الجزء السابق] 🠼 مسيحية بولس الرسول (٢)[الجزء التالي] 🠼 الفكر اللاهوتي للقديس بولس
كاتب ومفكر قبطي في التيار العلماني المصري [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: : صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨