Search
Close this search box.
المقال رقم 7 من 17 في سلسلة القديس بولس الرسول

واقعة الظهور المباغت من الرب يسوع لبولس تؤكد أن تدبير الرب لبيعته لم ينقطع أو يتوقف بعد أن أتم للبشرية خطة خلاصها، ولم يرُد إلى رتبته الأولى وحسب بل منحه حياة أبدية، وحول العقوبة ـ الموت ـ إلى خلاصًا حسب تعبير القداس الإلهي، هي واقعة تكشف أن المسيح مازال هو الراعي الحقيقي الذي يختار خدامه، ويدعوهم.

يصحبنا الكاتب إلى تلك اللحظة وذاك المكان:

“كان يومًا مشهودًا، السماء صحو والوقت ظهيرة والشمس في قيظ الصيف في أشد لمعانها، والرحلة من أورشليم بلغت نهايتها إلا قليلًا، فقد ترك بولس ورفاقه شواطئ بحيرة طبرية بجوها اللطيف وخضرتها الداكنة، ودخلوا إلى مرتفعات الجليل الأعلى [الجولان] بطرقها الصخرية وصحرائها القاحلة. فكان الحدث الذي ارتجت له حياة بولس”.

(: ال: حياته، لاهوته، أعماله)

ويورد الكاتب نص ما سجله بولس عن هذا اللقاء، وأيضًا ما سجله باقتضاب القديس لوقا عن ذات الحدث، في سفر الأعمال، وكيف لم تحتمل عينا بولس النور المبهر:

“وإذ كنت لا أبصر من أجل بهاء ذلك النور اقتادنى بيدى الذين كانوا معى فجئت إلى دمشق” (أعمال 22)، “وكان ثلاثة أيام لا يبصر، فلم يأكل ولم يشرب” (أعمال 9).

(الأب متى المسكين: القديس بولس الرسول: حياته، لاهوته، أعماله)

يعلق الكاتب على أن الذين كانوا مع بولس:

“نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني”
“معروف أنه في انكشاف الحقائق السماوية، لا يمكن أن يرى كل واحد ما يراه الآخر أو يسمع ما يسمعه الآخر، لأن الاستعلان بالرؤية يعتمد أساسًا على مقدار وعمق وعى الإنسان الروحي، حيث لا يتساوى اثنان في المدارك الروحية، ولا يتفق اثنان على معنى واحد، لذلك نجد في وصف هذا الاختبار تعدد الشهادات من حيث الرؤيا والسمع والإدراك” (راجع أعمال 7:9 و 9:22).

(الأب متى المسكين: القديس بولس الرسول: حياته، لاهوته، أعماله)

ويلفت الكاتب النظر إلى أن الرب يسوع يظهر في نفس الوقت في رؤيا لحنانيا وهو من التلاميذ:

«قُمْ وَاذْهَبْ إِلَى الزُّقَاقِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُسْتَقِيمُ، وَاطْلُبْ فِي بَيْتِ يَهُوذَا رَجُلاً طَرْسُوسِيًّا اسْمُهُ شَاوُلُ . لأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي، وَقَدْ رَأَى فِي رُؤْيَا رَجُلاً اسْمُهُ حَنَانِيَّا دَاخِلاً وَوَاضِعًا يَدَهُ عَلَيْهِ لِكَيْ يُبْصِرَ». فَأَجَابَ حَنَانِيَّا:«يَارَبُّ، قَدْ سَمِعْتُ مِنْ كَثِيرِينَ عَنْ هذَا الرَّجُلِ، كَمْ مِنَ الشُّرُورِ فَعَلَ بِقِدِّيسِيكَ فِي أُورُشَلِيمَ. وَههُنَا لَهُ سُلْطَانٌ مِنْ قِبَلِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُوثِقَ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِكَ». فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «اذْهَبْ! لأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ. لأَنِّي سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي». فَمَضَى حَنَانِيَّا وَدَخَلَ الْبَيْتَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ، … فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ».

(سفر أعمال الرسل 9: 11-18)

توقفت كثيرًا أمام هذا الترتيب، وتوقيتاته، الله عندما يدعو من اختاره للخدمة لا يتركه وحيدًا بل يهيء كل ما ـ ومن ـ حوله، ليتمم خدمته، كإناء مختار.

ويرد الكاتب على من ذهب إلى أن بولس كان يسمع صوت الرب في داخله وحسب، أو هو تنويع على الانفعال النفساني، وبعضهم حسبه مرضًا عصبيًا، ليفرد سطوره بخبرة الناسك الباحث المختبر، لشرح درجات الاستعلان وأصوله واستعداداته، في سياحة داخل أروقة الكتاب المقدس، يجمع الاستعلانات التي تتراوح بين ما يكون أشد من البوق، وبين ما يأتي خفيفًا لينًا، ومن الاستعلانات ما يأتي والإنسان يصلي، ومنها ما يأتي في الرؤيا والإنسان شبه نائم يرى ويسمع ويتكلم، “وقد اختبر القديس بولس درجات الاستعلان جميعًا”.

ويستحضر الكاتب شهادات من تعاملوا مع القديس بولس في هذه الواقعة وما تلاها، حنانيا و، فالأول الذي كلفه الرب يسوع بالذهاب إلى بولس، يسجل شهادته:

«أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، قَدْ أَرْسَلَنِي الرَّبُّ يَسُوعُ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَي تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ»
“أَخَذَهُ بَرْنَابَا وَأَحْضَرَهُ إِلَى الرُّسُلِ، وَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ أَبْصَرَ الرَّبَّ فِي الطَّرِيقِ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَكَيْفَ جَاهَرَ فِي دِمَشْقَ بِاسْمِ يَسُوعَ”

(سفر أعمال الرسل 9: 17، 27)

ومع ذلك واجه القديس بولس حالة من الارتياب من الكنيسة، يرصدها الكاتب برشاقة وحرص:

“نظر ـ بولس ـ حوله فوجد الكل مرتابًا ووجلًا، ودخل فترة من أعصب فترات حياته، فمَا كان يظن أبدًا أن يأتي اليوم الذي يقف فيه موقف المنبوذ!، فلا المسيحيون جرأوا أن يقتربوا إليه، ولا اليهود رضوا أن يقترب منهم، أما المسيحيون، فمناظر وعلامات التعذيب كانت لا تزال على أجسادهم، وأخبار الذين طرحهم في السجون كلها ليست قصص الأمس البعيد، بل قصة اليوم، ولا تزال جروحهم عليهم، وأما اليهود فلما سمعوا شهادته بالمسيح فزعوا وأخذتهم الحيرة والدهشة …”

(الأب متى المسكين: القديس بولس الرسول: حياته، لاهوته، أعماله)

يرصد الكاتب تربص اليهود تجاه القديس بولس، حتى أنه انطلق إلى العربية (المنطقة المتاخمة للبحر الميت، من جهة الشرق حيث قبر موسى، وتنتهى عند خليج العقبة) لكي يتوارى عن أعين المتربصين من جانب، وبالأكثر لإعادة بناء إيمانه من جانب أهم.

ويظن الكاتب مرجحًا أن تحالفًا قام بين رؤساء الكهنة ووالي دمشق لإيذاء بولس الرسول والقبض عليه، فبينما

“تَشَاوَرَ الْيَهُودُ لِيَقْتُلُوهُ، فَعَلِمَ شَاوُلُ بِمَكِيدَتِهِمْ. وَكَانُوا يُرَاقِبُونَ الأَبْوَابَ أَيْضًا نَهَارًا وَلَيْلاً لِيَقْتُلُوهُ. فَأَخَذَهُ التَّلاَمِيذُ لَيْلاً وَأَنْزَلُوهُ مِنَ السُّورِ مُدَلِّينَ إِيَّاهُ فِي سَلّ”.

(سفر أعمال الرسل 9: 23 ـ 25)

و”فِي دِمَشْقَ، وَالِي الْحَارِثِ الْمَلِكِ كَانَ يَحْرُسُ مدِينَةَ الدِّمَشْقِيِّينَ، يُرِيدُ أَنْ يُمْسِكَنِي، فَتَدَلَّيْتُ مِنْ طَاقَةٍ فِي زَنْبِيل مِنَ السُّورِ، وَنَجَوْتُ مِنْ يَدَيْهِ”.

(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 11: 32 ـ 33)

بقى القديس بولس في منطقة العربية لنحو ثلاث سنوات،

“وكانت فترة مراجعة وتوبة ودراسة على يد الروح القدس وانفتاح وعى الإيمان على أعلى وأعمق إمكاناته”.

(الأب متى المسكين: القديس بولس الرسول: حياته، لاهوته، أعماله)

يتوقف الكاتب طويلًا أمام حوار الرب يسوع المسيح مع بولس وأثاره على فكر بولس، ويعلق:

“حينما أطل المسيح في مجده على بولس من السماء؛ أدرك بولس الوطن السمائي المعد للخليقة الجديدة للذين يموتون في المسيح ويحيون له من الْآنَ، أدرك نوع الحياة الممجدة التي سيحياها مُتَّقوُه، أدرك حتمية زوال هذا العالم الحاضر، بعد اكتمال فداء الأجساد لقبول مجد الحياة الأبدية. أدرك أن الرجاء الذي نرجوه الآن بالقيامة من الأموات يستمد اليقين من المسيح الناظر إليه من السماء”.

(الأب متى المسكين: القديس بولس الرسول: حياته، لاهوته، أعماله)

يعود الكاتب فيقتفى آثار عمل المسيح في القديس بولس، وكيف كان التغيير يتم على مراحل حسب تعبير ق. بولس

“وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ.”

(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 18:3)

وكيف ظل المسيح يبنى هذا الرسول لحساب خلاص الأمم، وكيف اكتمل منهجه الروحي الذي استلهمه من المسيح نفسه، عبر استعلانات متتالية وكثيرة، وهو ما نعرفه من دفاعه عن صدق إنجيله ودرايته بسر المسيح.

ويكشف الكاتب أن

“قيام بولس الرسول بالخدمة الرسولية بين الأمم ذوي الغلفة هكذا بأمر الرب وتدبيره وبموافقة الرسل وإعطائه يمين الشركة، انفتحت الكنيسة على العالم كله.
وهنا يليق بنا جدًا أن نتفكر مليًا، كيف أعد الله بولس الرسول ليكون فريسيًا، متعصبًا للناموس، ليقود حركة دخول الأمم الغُلف للإيمان بالمسيح دون ناموس ولا سبت ولا ختان ولا أي عادة من عادات اليهود، أخذًا على نفسه حمايتهم من سطوة الفريسيين، بما له من دراية وعلم ومقدرة للدفاع والإقناع. هذا أمر يَدهِشُ له العقل حقًا”.

(الأب متى المسكين: القديس بولس الرسول: حياته، لاهوته، أعماله)

ثم يأخذنا الكاتب إلى لجج وأمواج خدمة القديس بولس في عرض “مسيحية القديس بولس”، وهو ما سنعرضه في المقال القادم.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: القديس بولس الرسول[الجزء السابق] 🠼 شاول يضطهد الكنيسة[الجزء التالي] 🠼 مسيحية بولس (١)
كاتب ومفكر قبطي في التيار العلماني المصري [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: : صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨