Search
Close this search box.
المقال رقم 3 من 17 في سلسلة القديس بولس الرسول
ما زلنا مع تقديم الكاتب لكتابه واقترابه من رسائل القديس بولس لتلاميذه وكنائسه، وهو هنا لا يؤدي دور الباحث الأكاديمي أو المفسر التقليدي لها، فهذا الدور أحاله لباب مستقل في كتابه هذا، أما هنا فقد استغرقته الرسائل واختطفته إلى أجواء كتابتها، ليجد نفسه يجلس بالقرب من كاتبها يتابع انفعالاته بتنوعاتها، فيصفها بأنها "تحكي لنا وتصور العلائق الحميمة التي كانت تربط هذا المبشر بكنائسه، فهي حية تنبض بالحب والحياة، وبالغضب أيضاً والوعيد والتهديد "من يضعف وأنا لا أضعف؟ من يعثر وأنا لا ألتهب".

ويستطرد الكاتب:

“وإذ نقرأ نحن هذا أيضاً في رسائله، ندخل خُلْسَة بواسطة تدليله لقديسيه ولمحبيه أو تعنيفه للذين صدهم العدو عنه بغروره، فنعيش رسائله، بل ونعيش كنائسه، بل ونعيش أنفاسه ونتحسس دقات قلبه وبديع مشاعره”؟

(، ال “حياته”، “لاهوته”، “أعماله”)

ويوجز شغفه بها في كلمات معدودات :

“الآن وبعد ألفي سنة، عندما تُقرأ رسائله في الكنيسة، يصمت السامعون لأن بولس يتكلم !!”.

(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول “حياته”، “لاهوته”، “أعماله”)

ويسهب الكاتب في تقريظ الرسائل وعمقها وخلوها من “التأملات الناعسة”، أو “الفلسفات الفارغة”، وأثرها في هداية ملايين التائبين، التي تعد “شهادة للروح القدس الذي أمسك بروح بولس وفكره وأملاها”.

ويؤكد الكاتب استحقاق هذه الرسائل أن توضع في موقع أعلى:

“فوق كل رسالة وسفر كُتب في القديم أو الحديث لأنها تحمل أعمال المبشر بكل أسرارها ومقوماتها؛ فسداة الرسالة نصائح ووصايا ولاهوت، ولحمتها عَرَق الخدمة ودموعها مع مسرات وأفراح، يتخللها ضرب العِصِيّ وجلد السياط، مع أهوال البحر ومخاطر، والزج في غياهب السجون في قيود ومقاطر، ثم تنقشع الغيوم عن نجاة وشكر، ثم مرة أخرى مزيد من الأسفار، وهكذا من مدينة إلى أخرى ومن رسالة إلى رسالة، إلى أن أكمل السعي تحت سيف ”.

(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول “حياته”، “لاهوته”، “أعماله”)

ثم يأخذنا الكاتب إلى مقارنة ترتقي لتكون مطابقة بين المعلم ـ المسيح ـ وتلميذه ـ بولس ـ فالتلميذ يقتفى آثار معلمه:

المسيح تألم بالجسد؛ وبولس الرسول كمل نقائص شدائد المسيح في جسده.

المسيح مات مرة فأمات الموت؛ وبولس الرسول بميتات كثيرة أكمل حياته في المسيح.

المسيح بالنهاية رُفع في مجد، وبولس الرسول أخيراً وُضع له إكليل البر.

(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول “حياته”، “لاهوته”، “أعماله”)

الرعية عند بولس

“رِسَالَتُنَا، مَكْتُوبَةً فِي قُلُوبِنَا… مَعْرُوفَةً وَمَقْرُوءَةً مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ، ظَاهِرِينَ أَنَّكُمْ رِسَالَةُ الْمَسِيحِ، مَخْدُومَةً مِنَّا، مَكْتُوبَةً لاَ بِحِبْرٍ بَلْ بِرُوحِ اللهِ الْحَيِّ، لاَ فِي أَلْوَاحٍ حَجَرِيَّةٍ بَلْ فِي أَلْوَاحِ قَلْبٍ لَحْمِيَّةٍ”.

(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 2،3)”

يعقد الكاتب مقارنة بديعة بين بولس الرسول وبين موسى النبي في القديم:

 * فقد خرج بولس بالأمم من عبودية الخطية وسُخرة على مستوى خروج إسرائيل بيد موسى من عبودية فرعون.

* وفيما تهذب موسى بكل حكمة المصريين؛ تربى بولس عند رجلي غمالائيل أعظم حكماء إسرائيل.

* وكما ابتدأت قصة موسى بقتل المصري؛ ابتدأت قصة بولس بقتل استفانوس.

* وكما تغرب موسى أربعين سنة في صحراء سيناء قبل أن يبدأ خدمته؛ تغرب بولس أيضاً ثلاث سنوات وفي العربية أيضاً قبل أن يبدأ مناداته بالإنجيل.

* وكما أنه بموسى ابتدأ ناموس العهد القديم؛ كذلك يرى بولس في نفسه كفاية لخدمة ناموس المسيح والعهد الجديد: 'الذي جعلنا كفاة لأن نكون خُدَّام عهد جديد' (2كو 6:3)، 'نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله' (2كو20:5).

(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول “حياته”، “لاهوته”، “أعماله”)

ويعلق الكاتب قائلاً:

“كانت عملية الخروج تملأ وجدان القديس بولس الرسول وروحه وكل تأملاته حتى لغته، وعلى هذا الأساس وقّع كل دائرة لاهوته على هذه الخلفية الحية في قلبه فكشف جوهر الرمز. فلولا بولس ولاهوته وسفر العبرانيين المنسوب إليه فكراً وروحاً، لظل العهد القديم قصة تُحكى ورمزاً يحتاج إلى مفسر”.

(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول “حياته”، “لاهوته”، “أعماله”)

“لقد أخرج القديس بولس إلى النور أعظم أسرار الله التي كانت مخفية في ضباب رؤى الأنبياء… ابتداء من خروف الفصح، وخروج شعب من العبودية، وعبوره بحر الموت على القدمين… وصخرة تتابعهم تسقيهم من بطنها وخيمة من جلود وذبائح وبخور، مرة واحدة يرفع الرسول بولس الستار لنرى في هذه الرواية المحبوكة: المسيح فصحنا مذبوحاً، وخروجنا العتيد من عبودية الشيطان وسُخرة الخطية، وانقضاء ليل الخطية وظلامها، والعماد لموت المسيح، والارتحال تحت قيادة الروح في الكنيسة سفينة النجاة ….”.

(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول “حياته”، “لاهوته”، “أعماله”)

ويؤكد الكاتب على أن بولس الرسول سلم كنيسة الأمم سر الإنجيل الذي استلمه بإعلان مباشرةً من المسح وقد عرضه على الرسل القديسين أعمدة الكنيسة فاستحسنوه وأعطوه يمين الشركة، وهكذا يؤكد الرسول بولس أنه خدم وبشر بالإنجيل الواحد، إنجيل الرسل، والرسولية عنده هي أساس الكنيسة، المسيح فيها حجر الزاوية.

وينبهنا الكاتب أن الكنيسة حتى اليوم لم تستوعب بعد المرتفعات التي حلق فيها القديس بولس وصورها واستودعها رسائله ليس لضعف فيها بل بسبب العمق الذي فيه، ومن يريد أن يتعلم على رسائل بولس عليه أن يتدرب كيف يتسلق جبال إنجيل الله ومرتفعات مواعيده ولا يكتفي بالانبطاح على سهول الأسفار “كلمونا بالناعمات” (إشعياء 30: 10)، فالذين تسلقوا مرتفعات بولس الرسول امتلؤوا بملء الله فاستؤمنوا على منابر القيادة وهزوا قلوباً وأناروا شعوباً وأيقظوا العالم من رقاد.

دعونا نقترب ـ في صفحات قادمة ـ من حياة هذا المعلم القديس الذي استلم الإنجيل من المسيح وقدمه لنا مشفوعاً بمذكرة تفسيرية توقعه على يومنا وحياتنا لحظة بلحظة وتقودنا لنعرف رب المجد وقوة قيامته وشركة آلامه.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: القديس بولس الرسول[الجزء السابق] 🠼 اقتراب محفوف بالتربص[الجزء التالي] 🠼 تشكيل شاول لقبوله الإيمان
كاتب ومفكر قبطي في التيار العلماني المصري [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: : صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨