
- خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (١) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (٢) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (٣) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (٤) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (٥) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (٦) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (٧) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثالث (١) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثالث (٢) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثالث (٣) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثالث (٤) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثالث (٥) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع (١) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع (٢) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع (٣) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع (٤) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع (٥) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع (٦) - ☑ خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع [٧] - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح السابع عشر (١) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح السابع عشر (٢) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح السابع عشر (٣) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح السابع عشر (٤)
ختام إصحاح السامرية (٧)
أَمَا تَقُولُونَ: إِنَّهُ يَكُونُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَأْتِي الْحَصَادُ؟ هَا أَنَا أَقُولُ لَكُمُ: ارْفَعُوا أَعْيُنَكُمْ وَانْظُرُوا الْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ابْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ.
وَالْحَاصِدُ يَأْخُذُ أُجْرَةً وَيَجْمَعُ ثَمَرًا لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، لِكَيْ يَفْرَحَ الزَّارِعُ وَالْحَاصِدُ مَعًا.
لأَنَّهُ فِي هذَا يَصْدُقُ الْقَوْلُ: إِنَّ وَاحِدًا يَزْرَعُ وَآخَرَ يَحْصُدُ.
أَنَا أَرْسَلْتُكُمْ لِتَحْصُدُوا مَا لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ. آخَرُونَ تَعِبُوا وَأَنْتُمْ قَدْ دَخَلْتُمْ عَلَى تَعَبِهِمْ».(إنجيل يوحنا 4: 35-38)
ينبه الرب يسوع المسيح له المجد وعي وانتباه خدامه إلى أن أصول الخدمة المسيحية هي إلهية، نازلة من السماء تفوق قوانين الأرض المقصِّرة. وقد لفت الرب نظر تلاميذه إلى ذلك بالمقارنة التي عقدها بين حصاد الأرض في الحقول الذي يحتاج أربعة أشهر ليتم، وبين خلاص السامرية والسامرة، هو حصاد السماء وقد تحقق في الحال أمامهم: ”ها أنا أقول لكم : أرفعوا أعينكم وانظروا الحقول إنها قد أبيضت للحصاد“.
فبينما تبدو المستحيلات في دنيانا عاقلة ومنطقية أن الحصاد لا يتم إلا بعد أربعة أشهر، فإن لله تدخلات عجيبة ومدهشة ومبهرة. لذلك يحرص الرب ألّا يغيب منهجه في خلاص الإنسان عن وعي البشر، ويكرره على مسامعنا في العهد القديم والعهد الجديد. فيقول الوحي في سفر التثنية٣٠:
إِنَّ هذِهِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ لَيْسَتْ عَسِرَةً عَلَيْكَ وَلاَ بَعِيدَةً مِنْكَ. لَيْسَتْ هِيَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى تَقُولَ: مَنْ يَصْعَدُ لأَجْلِنَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَأْخُذُهَا لَنَا وَيُسْمِعُنَا إِيَّاهَا لِنَعْمَلَ بِهَا؟ وَلاَ هِيَ فِي عَبْرِ الْبَحْرِ حَتَّى تَقُولَ: مَنْ يَعْبُرُ لأَجْلِنَا الْبَحْرَ وَيَأْخُذُهَا لَنَا وَيُسْمِعُنَا إِيَّاهَا لِنَعْمَلَ بِهَا؟ بَلِ الْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ جِدًّا، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ لِتَعْمَلَ بِهَا. اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ، بِمَا أَنِّي أَوْصَيْتُكَ الْيَوْمَ أَنْ تُحِبَّ الرَّبَّ إِلهَكَ…
(سفر التثنية 30: 11-16)
ثم يقدم لنا الوحي المقدس تفسير منهج هذا الخلاص وكيف تحقق في تجسد المسيح:
«لاَ تَقُلْ فِي قَلْبِكَ: مَنْ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ؟» أَيْ لِيُحْدِرَ الْمَسِيحَ، «أَوْ: مَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ؟» أَيْ لِيُصْعِدَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ
لكِنْ مَاذَا يَقُولُ؟ «اَلْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ» أَيْ كَلِمَةُ الإِيمَانِ الَّتِي نَكْرِزُ بِهَا: لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ.
لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ. لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ: «كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى».
لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ، لأَنَّ رَبًّا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ، غَنِيًّا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ. لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ».(رسالة بولس إلى رومية 10: 6-13)
إن وحي الكتاب المقدس يشير إلى المضادة العظمي بين بساطة الخلاص بأن يؤمن الإنسان بالمسيح ”الله الذي ظهر في الجسد“، وبين تعطيل خلاص الإنسان بمحاولة إخضاع التجسد الإلهي لفحص العقل المحدود. فبينما الله يريد أن يرتفع بنا إليه -إلى غير المحدود الذي لا يتعارض مع العقل بل يتخطاه- نجد الإنساني تمترس في محدوديته، وفي أصرار ضد مصلحته بالانطلاق بواسطة إلهه إلى غير المحدود، فيرفض ما يفوق عقله بالرغم من عدم تعارضه.
ولقد أمتد الرب ليطبق ما أعلنه عن منهجه الإعجازي في خلاصه للإنسان وصرح لتلاميذه أنه -له المجد- يحققه على أيديهم عندما يكرزون بخلاصه كما فعل مع السامرية: “والحاصد يأخذ أجرة ويجمع ثمراً للحياة الأبدية، لكي يفرح الزارع والحاصد معاً. لأنه في هذا يصدق القول: إن واحداً يزرع وآخر يحصد. أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه. آخرون تعبوا وأنتم قد دخلتم على تعبهم”.
فعمل الخدمة المسيحية والكرازة باسم المسيح هو عمل إلهي بالدرجة الأولى ”أبي يعمل حتي الآن وأنا أعمل“. والرب ينعم لنا بالاشتراك معه في العمل كخدام، بينما يظل ”الغارس ليس شيئاً ولا الساقي بل الله الذي ينمي“.
إن تجديد القلوب الحجرية وخلق قلوب لحمية تؤمن بالمسيح إنما هو عمل الخالق سبحانه وليس عمل إنسان. نحن فقط شهود لهذا الخلق والتجديد الذي أكمله الرب في سيرتنا الذاتية ونكرز به للآخرين. تماماً مثل السامرية التي تجلَّت فيها الكرازة بالكلمة وبشهادة السيرة:
فَتَرَكَتِ الْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا وَمَضَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَتْ لِلنَّاسِ: «هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟» فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا إِلَيْهِ.
(إنجيل يوحنا 4: 28-30)
فَآمَنَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ كَثِيرُونَ مِنَ السَّامِرِيِّينَ بِسَبَبِ كَلاَمِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَشْهَدُ أَنَّهُ: «قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ». فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ السَّامِرِيُّونَ سَأَلُوهُ أَنْ يَمْكُثَ عِنْدَهُمْ، فَمَكَثَ هُنَاكَ يَوْمَيْنِ. فَآمَنَ بِهِ أَكْثَرُ جِدًّا بِسَبَبِ كَلاَمِهِ. وَقَالُوا لِلْمَرْأَةِ: «إِنَّنَا لَسْنَا بَعْدُ بِسَبَبِ كَلاَمِكِ نُؤْمِنُ، لأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا وَنَعْلَمُ أَنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ».
(إنجيل يوحنا 4: 39-42)
من أقوال الأب متى المسكين:
”الطريق الموصِّل إلى الاتحاد بالله ليس طريقاً مُفرداً، أي ينتهي عند الله وحسب. بل يعود وينحدر إلى القريب وإلى الغريب وإلى العدو وإلى كل الخليقة. الذي يتَّحد بالله يلزم في الحال أن ينظر كيف يتَّحد بالكلِّ ولا يهدأ حتى يكمل هذا الاتحاد“.
(الأب متى المسكين)
وفي وصف هذا الأب المبارك لروح الله القدوس عندما يعمل في قلب إنسان وكيف يحركه نحو خدمة خلاص الآخرين، قال:
”إن الروح القدس هو روح الآخرين“.
(الأب متى المسكين)
إن التغيير الذي حدث في حياة المرأة السامرية بمقابلة شخص المسيح أنشأ فيها شهادة وكرازة. وأنصح هنا بقراءة سفر أعمال الرسل الإصحاح الرابع كتطبيق لما نشرحه وكيف جاوب التلاميذ تهديد رؤساء اليهود قائلين ”إننا نحن لا يمكننا ألّا نتكلم بما رأينا وسمعنا“. فلقد تحررت المرأة من ماضيها المُخزي ولم تعد مهزومة من سيرتها. كانت قبلاً تخرج وقت الغروب تفاديا من عيون الناس وألسنتهم، والآن ترجع وتبشر قريتها علانية أن الرب حررها من ماضيها ”إنسان قال لي كل ما فعلت“.
فمن خلال هذا التجديد في نظرة المرأة السامرية لماضيها، يقدم لنا الوحي المقدس المنهج المسيحي لموقفنا من خطايانا:
لقد ترك شعب بني إسرائيل الرب مخلصهم الذي كان يقودهم في التيه وعبدوا عجلاً ذهبياً فاستحضروا موت الخطية عليهم بطريقة ملموسة في شكل حيات مميتة. ثم أمر الرب موسي النبي أن يرفع حية نحاسية على عمود (الحية نحاسية، فاقدة لأي سم وتهديد بالموت) لكي ينظر إليها كل مَن لدغته الحيات الحارقة فيُشفَي ولا يموت. كانت هذه إشارة قوية إلى المسيح الذي صعد على عود الصليب من أجلنا وحمل خطايانا وسمَّرها وقتلها على خشبة الصليب وشهَّر بالشيطان/ الحية القديمة.
والمرأة السامرية بعد لقائها بالمسيح خلعت ماضيها المُخزي وسمرَّته وشهَّرت بموته علانية فلم يعد له سلطاناً عليها، وصارت نصرتها بمسيحها على موت الخطية موضوع كرازتها ”أنظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت“. ونحن أيضاً لا نتذكر خطايانا وننحصر في شعور بالذنب بل نتذكر خلاص الرب لنا وكيف قتل موت الخطية الذي تملَّك علينا.
إن منهج الروحانية الأرثوذكسية يحذرنا من الوقوع في الإحساس بالذنب بتذُّكر الخطية. بل أن نرفع أعيننا نحو صليب المسيح الحي ونرى الرب عليه وقد سمَّر ضعفنا وماضينا وموت الخطية على خشبة الصليب وأعطانا الحياة.
إن خلاص السامرية ثم السامرة هو شهادة بأن التوبة في المسيحية هي فرح وانتصار وقوة، وليست حزن واكتئاب وضعف لأنها علاقة خاصة وفريدة تبدأ وتستمر بلقاء الإنسان بشخص المسيح الإله:
وقالوا للمرأة: «إننا لسنا بَعد بسبب كلامك نؤمن، لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم».
ونختم تلك الخواطر في إصحاح السامرية بأن نكرِّر أن شهادة أهل السامرة توضح أن الكرازة المسيحية هي أساساً عمل المسيح حيث لا يعتمد خادم الرب على آخر غير شخص المسيح سواء كان قديسون من الكتاب المقدس أو تاريخ الكنيسة أو اعتماد خادم الرب على كاريزما شخصية له.
وفي هذا الشأن قال الرب صراحةً “الحق الحق أقول لكم: إني أنا باب الخراف. جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص، ولكن الخراف لم تسمع لهم. أنا هو الباب. إن دخل بي أحد يخلص”.
وتوضيحاً نقول أن أنبياء العهد القديم لم يكونوا سراقاً ولصوصاً ولم يسرقوا مجد المسيح لذواتهم. ولكن إرسالية الرب لهم جميعاً كانت بمنزلة إرهاصات لخلاصه الحقيقي. ولكن الرب حذَّر أن مَن يعتمد علي آخر غير المسيح أو يعتبر أن آخر غير المسيح أساسي في الخلاص بجانب عمل المسيح فإن الرب يعتبر هذا بمثابة سرقة الله تحت اسم هؤلاء العظماء ويجعل منهم سراق ولصوص لخلاص المسيح.
فالمسيح كان يتكلم مع اليهود الذين تعطل إيمانهم به بسبب إصرارهم على التهوُّد مسبقاً كشرط أساسي في قَبُول أي أنسان لخلاص المسيح. وهكذا جعلوا من موسى وكأنه سارق ولص لخلاص المسيح وعقبة في طريق الخلاص بالرب.
إن أي خادم يعتبر شخصه وذاته وقدراته ضرورة خلاص بجانب المسيح في الكرازة للآخرين فإنه بذلك يكون سارقاً ولصاً لأنه يسرق مجد الرب. فالإنسان الذي مات بالخطية لا يتغير ويقوم من الموت بوعظ ومجهود بشر ولكن عندما تسري حياة المسيح الإله في تلك العظام الميتة فيقوم.
وفي كلمة عن (د. نصحي عبد الشهيد والكاريزما) للأستاذ جورج فرج الباحث بالمركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية في رثاء طيب الذكر مؤسس المركز د. نصحي عبد الشهيد، يقول:
[الكاريزما كلمة يونانية χάρισμα وتعني هبة وقد استخدمها القديس بولس الرسول للحديث عن مواهب الروح القدس. غير أن الكلمة صارت تُستَخدم في مجال السياسة للحديث عن الشخصيات التي تتمتع بالجاذبية التي تشد الجماهير والمعجبين. وهي أساس تكوين الأتباع المخلِصين المستعدين على فعل أي شيء وكل شيء من أجل تحقيق أهداف القائد المُلهم.
لم يكن للدكتور نصحي عبد الشهيد أي شيء من هذه الكاريزما العالمية، فلم يتمتع بأي نوع منها. فلم يكن القائد المحنك الذي يبهرك بإدارته للأمور وتسيرها، ولم يكن بالخطيب المفوّه الذي يشد انتباه الجماهير ويجعلهم يزحفون خلفه في أي مكان تطأه قدمه. لم يكن د. نصحي -برغم علمه الغزير- بالشخص الذي يبهرك بمعلوماته، وطريقة سرد الحجج والردود السديدة، بل بالرغم من أنه كثيرًا ما يكون الوحيد في جميع الحضور صاحب الإجابة السديدة إلا أن كلماته تأتي في منتهي البساطة. ما كان د. نصحي بالرجل خفيف الظل، الذي يجذبك بفكاهته أو سرعة بديهته. وأيضًا لم يكن برجل الخِدْمَات الذي يجبرك أن تظل مديونًا له بالجميل.
لم يتمتع بأي صفة من هذه الصفات، فالناس تعبد الشخص الكاريزما، وتجد له أتباع ومريدين، من خفيف الظل، أو الخطيب المفوه، أو القائد المحنك، أو العلامة والفيلسوف. ويصبحوا جماعة أو تنظيم باسم أبناء فلان، أو تلاميذ علان، وهكذا يبدأوا في التناحر والتحزب والشقاق.
بعيدًا عن كل هذا كان د. نصحي عبد الشهيد، إنسانًا بسيطًا، هادئًا، عاملاً. يضع أمامه هدفًا لتحقيقه في هدوء. وكأن الله قد محى من شخصه كل موهبة عالمية تدعو للانبهار، حتى يدع الروح يملأه كقول الرسول، فانطبق عليه قول الرب إن “قوتي في الضعف تكم”. فكل ما قدمه د. نصحي من عمل لا يمكن عزوه إلا إلى فعل الله فيه، فينطبق عليه قول الرسول “فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في”. وكل من عرفه رأى فيه نموذج لرجل الله البسيط المتكل على الله، البشوش، الذي لا يعول هَم، المتمتع بالسلام الداخلي بعمق].
فكل خدمة تحت اسم المسيح يكون الاعتماد فيها ليس على المسيح وحده، فهي سرقة واغتصاب مجد الله. والخادم يصير متآمراً و”سارق ولص“ مهما تهللت الجموع واحتشد الناس في جموع فرحين ومؤيدين بتصفيق و زغاريد:
كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟
فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!(إنجيل متى7: 22، 23)
تم بنعمة الرب إنجيل السامرية.. والسُبح لله.
بقلم د. رءوف أدوارد