Search
Close this search box.
تقع أحداث متنوعة في حياتنا، في كثير من الأحيان لا يكون لنا دخل بها، أو سيطرة عليها، لكنها تقع، ولكن يتبقى لنا هو كيفية التعامل والتعاطي مع ما نتعرض له من أحداث، كيف نستغلها لمصلحتنا؟ وكيف نحول السلبي إلى إيجابي؟ وهذا يتوقف على السمات الشخصية لكل إنسان وكيف يرى الحياة.

دائمًا ما أتوقف عند العام 2006، والتحاقي بمركز التكوين الصحفي في صحيفة وطني، وقتها كنت أبحث عن طريقي في عالم الصِّحافة، لكن التكوين كان فرصة أن أعيد اكتشاف ذاتي من جديد، وأن أبدأ في تكوين الإنسان الذي أريد أن أكونه، فبدأت رحلة أساسها ذاتي، المعرفة فيها ترتكز على البحث بنفسي وليس ما كنت قد أتلقنه في السابق خلال الطفولة، وهنا أتذكر خلال إحدى جلسات مجموعة “الإبداع الفني”، كانت عن “التأمل”، في نص ل من كتاب “دمعة وابتسامة” عن “الجمال”.

“قالت: هو ما كان بنفسك جاذب إليه، هو ما تراه وتود أن تعطي لا أن تأخذ، هو ما شعرت عند ملقاه بأياد مدودة من أعماقك لضمه إلى أعماقك، هو ما تحسبه الأجسام محنه والأرواح منحة”. 

(جبران خليل جبران، كتاب دمعة وابتسامة، ص45)

وقفت كثيرًا وأنا شاب بعمر الثامنة عشر، أمام عبارة “ما تحسبه الأجسام محنه والأرواح منحة“، فتعلمت يومها بعد لحظة تأمل أن المشكلات ليست الأزمة بل رؤيتي لها وتعاملي معها، وأنه إذا كانت هناك مشكلة كبيرة لن تنتهي سريعًا، فيجب التعايش معها، والنظر إليها بشكل إيجابي، فقد ما نعده محنه قد يكون منحة لحياتنا ونستطيع أن نستفيد منه، وكان هذا الدرس الأول الذي علمته لنفسي للتعامل مع المشاكل.

بيتر مجدي: من الجيد أن أكون ههنا 1بعد عدة سنوات شاهدت أول مرة فيلم  “A Beautiful Mind” إنتاج عام 2001، عن عالم الرياضيات الشهير الحاصل على نوبل عام 1994 في الاقتصاد “جون فوربس ناش”، فكان ناش يعاني هلوسات سمعية وبصرية ونسج من خياله، أشخاص غير موجودين بالحقيقة، ويبني حياته على وجودهم وحديثه معهم، وهي مشكلة يصعب حلها فإذا تناول الأدوية تؤثر على بقية الأنشطة التي يمارسها بحياته ومن بينها علاقته بزوجته وأطفاله، فيقرر أن يمتنع عن العلاج لكنه يأخذ نفس عميق ويتعايش مع المشكلة ويحولها لمنحة إلى أن يحصل على جائزة نوبل، ولم أنس مشهد إخباره الفوز بنوبل حين كان يجلس مع طالبة بالمكتبة وسألها هل من يحدثانه بشان الفوز بالجائزة هم شخصان حقيقيان وهي تسمعهما معه أم لا؟ فكان لي قمة تعامل هذا الرجل مع مشكلته بوعي وكيف أنه يسيطر عليها.

أذهب لنموذج آخر من الشخصيات ورغم مشكلاته الكثيرة التي رأيناها في عدة مواقف، فإنه كان شخصية حارة فطرته سليمة بالرغْم من أنه شخصية غير متعلمة، وأقصد هنا بطرس، الذي قال له المسيح “على هذه الصخرة ابني كنيستي”، فبعد أيام قليلة من إنكاره للمسيح وخوفه من أن يقبض عليه مع معلمه، إلا أن بطرس أثبت أنه شخصية إيجابية تستطيع أن تتجاوز هزائمها وانكساراتها وتعتذر عنها وتعود مجددًا أقوى.

وهنا أشير لموقف تصرف فيه بطرس بإيجابية، ففي واقعة التجلي الشهيرة في أثناء صلاة المسيح على الجبل وظهور موسى وإيليا له، وكان معه بطرس ويعقوب ويوحنا فقط من تلاميذه، أقف  أمام تعامل بطرس مع هذه الواقعة.

“فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقولُ لِيَسُوعَ: «يَا سَيِّدِي، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً، وَلِمُوسَى وَاحِدَةً، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً».” لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِذْ كَانُوا مُرْتَعِبِينَ.

(إنجيل مرقس 9: 5، 6) 

فبالرغم من حالة الخوف من الموقف فإن بطرس تعامل بإيجابية وقال “من الجيد أن نكون ههنا”، وبشكل فطري أراد صنع 3 مظال ليبقوا مع المسيح الممجد في هذا المكان وبعيدًا عن الألم الذي أخبرهم أنه سيواجهه عند الذَّهاب إلى أورشليم، ورغم اندفاع بطرس وإنكار المسيح فيما بعد فإنه يعود فيعتذر ويطلب المغفرة، فيستحق أن يكون “الصخرة” التي بِنَى عليه المسيح كنيسته، ثم في يوم الخمسين يقهر مخاوفه ويتكلم فيؤمن نحو 3 آلاف نفس بالمسيح.

في رأيي إن الحياة مثل النرد في لُعْبَة “الطاولة”، تُلقي بالنرد وعن طريق المصادفة أو الحظ سيأتي لك بمجموعة من الأرقام، ومهما كنت شخص محظوظ، فإن لم تحسن إدارة الأقراص ستخسر، فالأمر هنا لا يتوقف على الحظ فقط بل حسن إدارة ما نتعرض له، وقد يساعدك ذكائك وحكمتك في المرور من المواقف الصعبة بالرغم من الأرقام السيئة، وهكذا الحياة، هناك أمور خارجة عن إراداتنا ومشاكل نتعرض لها، لن يُفيد كثيرًا سؤال لماذا؟ أو التذمر أو اعتبار الأمر أنه ابتلاء أو تجرِبة من ربنا، ولكنها الحياة وهذه قواعدها ولن يستطيع العيش والنجاح إلا من يعتبر المحنه منحة، ومن يأخذ نفس عميق كـ”جون ناش” ويتعايش مع المشكلة الدائمة ويحاول النجاح في وجودها لا أن يقف عندها ويرى أن حياته توقفت تمامًا بسببها، أو من يفكر مثل بطرس بإيجابية، ويحول إخفاقاته وانكساراته إلى اعتذار وبداية من جديد.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

[ + مقالات ]

باحث وكاتب صحفي ومتابع للشأن الكنسي وشئون الأقليات