المقال رقم 11 من 14 في سلسلة مشاهدات إكليروسية
تأسيسًا على ما لحق بالأديرة من تطور، وقد استعرضنا طيف منه فيما سبق، فإنه من الطبيعي أن ينعكس هذا التطور على مخرجاتها، وأنساق المعيشة داخلها، وغير بعيد تدور ماكينات المطابع لتغذي العقل القبطي بسيل من كتيبات تغازل الحلم الملكوتي وربطه بالوهج الرهباني، وفي تواز تشهد الكتيبات والرهبنة إقبالًا غير مسبوق، ربما لأن الأولى تحيل القارئ إلى نماذج مخملية يستعيض بها عن عدم التحقق الآني في حياته، فيما تعوضه الثانية عن قصور الخدمة في كنيسته المحلية ورتابتها، وفقًا لما ترسخ في ذهنه من صور مثالية وطوباوية عما يقع خلف الأسوار.

كانت الرهبنة وقتها تجذب إليها الشباب الواعد من خريجي الجامعات، كل يبحث عن تحقق في دائرة ما، وبقدر كادت تفرغ المجتمع من كوادر قبطية كان يمكنها أن تحفظ له توازنه وإندماجه، وكانت رسامات الأساقفة تفرغ الأديرة ممن كانوا مؤهلين ليرسخوا نسق التلمذة، كلمة السر في قوة الأديرة والرهبنة والكنيسة، بدا الأمر شبيهًا بمن يصطاد “زريعة السمك” فيدمر تنمية الثروة السمكية.

لم تكن هناك قواعد عامة ومجردة تحكم الاختيارات، وكاد دير بعينه، في حبرية ال، أن يستأثر بالاختيار من بين رهبانه، وقد اتخذه البابا البطريرك آنذاك محلًا لخلواته، ولا نستطيع أن نقطع بأن بعضًا ممن تسللوا إلى الرهبنة وهم محملين باختلالات مجتمعية ونفسية كانوا بعيدًا عن تلك الرسامات، ويدق الأمر مع إغلاق مدرسة الرهبان بحلوان وتحول مقرها إلى مقر إقامة في حبرية البابا . فلا تلمذة ولا إعداد ولا تأهيل، فقط أن يكونوا محل رضا وارتياح رئيس الدير وقداسة البابا، وهو أمر يمكن صناعته.

وما زالت الذاكرة تحتفظ بثلاث وقائع تتعلق باختيارات تلك المدّة، الممتدة من سبعينيات القرن المنصرم، حتى مطلع العقد الثاني من القرن الحالي.

• الأولى جاءت في سياق نذر الصدام بين ال وقداسة البابا، في واحدة من خطابات الرئيس الغاضبة، قوله بلهجة حادة موجهًا رسالة للبابا البطريرك بشأن رساماته لشباب صغير السن في رتبة الأسقفية: أنا قولت له بيّض لحاهم يا شنودة!!

• والثانية في لقاء لي تم في بيتي مع واحد من أبرز الأساقفة العموميين، الذي امتد لنحو ثلاث ساعات، وكان محوره الحديث عن إشكاليات إدارة الكنيسة، ورؤية الين في تفكيكها ومعالجتها، وأذكر أنه كان مستمعًا جيدًا ومنفتحًا في الحوار ومتفهمًا لأطروحاتي، وفى نهايته قلت له؛ نيافتك أسقف ومن ثم عضو في أعلى سلطة في الكنيسة، فلماذا لا تناقش قداسة البابا في هذه الإشكاليات، وأنتما متساويان في الدرجة الكهنوتية فنظر إلىَّ مندهشًا؛ وقال: أنا أناقش قداسة البابا!!، دا أنا كنت بلبس “شورت” وكان قداسته أسقفًا له ثقله. ولم أعلق. واحترمت فيه صراحته، وأدركت كيف يرسم قداسة البابا خريطة المجمع.

• أما الثالثة فهي حوار مقتضب مع شيخ المطارنة الأنبا ميخائيل مطران أسيوط، جاءت في أثناء تواجدي في مدينة أسيوط، في مهمة عمل، سألته: لماذا تقاطع جلسات المجمع، وأنت من أنت، وتملك طرح الكثير من الحلول لما نشهده من أزمات وتراجعات، ومعارك بعضها معلن وكثيرها خلف الجدران والأبواب المغلقة؟ فقال في هدوء: أنت ترضى للشيبة دي أن تُهان؟ وأمسك بلحيته في أسى، فقلت: بالطبع لا يا أبي، ولكن من يملك أن يتعرض لك؟ قال: سأذهب وأحضر اجتماعات المجمع، وسيستقبلني البابا بحفاوة، ربما مبالغ فيها، وأثناء الاجتماعات سيقف أحد الأعضاء حديثي السن والرسامة، ويكيل لي ما يعنّ له من كلام غير منضبط، وبعد ما يكبّ عياره، سيلتفت إليه البابا ويعنفه، ويطلب إليه التوقف، ويكيل لي المديح ويتحدث عن تاريخي المديد ومكانتي عنده وعند الكنيسة، وأجدني غير قادر على الرد، وغير قادر على القبول بهذا. وللمرة الثانية، لا أعلق.

أمامي ثلاث كتب لكتَّاب معاصرين، أولهما كتاب: “مقومات الأسقف وركائزه” للأب المطران الأنبا بفنوتيوس، ، وصدر ضمن سلسلة: “أبحاث القانون الكنسي”، سبقه بكتاب: “حتمية النهوض بالعمل الكنسي”، وأتبعه بكتابين، الأول: “هل الأسقف رئيس أعمال الكهنوت أم رئيس سر الكهنوت؟”، والثاني: “رسالة توضيحية: إن البابا والأساقفة هم رؤساء أعمال الكهنوت وليسوا رؤساء سر الكهنوت”.
وكتابان للراهب القس ، الأول: “” [ثلاثة أجزاء] وصدر ضمن سلسلة: “مقدمات في طقوس الكنيسة، والثاني: “الكهنوت المقدس والرتب الكنسية” [جزءان] وصدر ضمن سلسلة: “طقوس أسرار وصلوات الكنيسة”.

اللافت أن كلاهما، المطران والراهب، يطرحان رؤى متقاربة في التعريف والتأصيل الكتابي والآبائي، بالرغم من اختلاف ظروف الكتابة، فبينما تأتى كتابات الأب الراهب في سياق التأصيل التاريخي المجرد، تأتى أطروحات الأب المطران في سياق الرد على طرح مخالف يتبناه مطران معاصر يحتل موقع الصدارة لدى البابا البطريرك، في سابقة تحسب له، خاصة أن أطروحات أبينا المطران صدرت في حبرية البابا السابق الذي كان يسبغ حمايته على الأب المطران صاحب الرأي المخالف.

فالأسقف، ابتداءً، يحمل لقبًا يختص به الرب يسوع المسيح، راعى نفوسنا وأسقفها حسب قول القديس بطرس في رسالته الأولى، وحين أطلقته الكنيسة على من اختارته لتقيمه في رتبته هذه كانت تقصد أن تشبه رعايته للشعب برعاية المسيح -طبعًا بشكل مجازي- ولم تقصد أن تقيمه متسلطًا على الكنيسة أو حاكمًا عليها كما في عالم السياسة، وتؤكد عليه أن مهمته تحتاج إلى معونة إلهية تسانده في قيادة الرعية إلى منابع الحياة في المسيح، متشبهًا بمنهج الرب يسوع المسيح الذي كان يطوف كل الجليل يُعلّم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت، ويشفى كل مرض وكل ضعف في الشعب (إنجيل متى 4 : 23).

ويرى الأب المطران في طرحه، أن الدرجة الية: “ليست درجة أرضية وظيفية ولا هي درجة سمائية بل هي درجة جهادية، بمعنى أن القائم فيها دائم الجهاد من أجل خلاص نفسه ومن أجل خلاص الشعب المؤتمن عليه”.
ويرى أن الأب الأسقف: “ليس مجرد حصوله على الرتبة يُفترض فيه اكتمال القداسة والمعرفة، فالأمر كله مازال طريقًا مفتوحًا أمامه …”، وينقل الكاتب لرجال الإكليروس تحذير سفر الأمثال: لا تكن حكيمًا في عيني نفسك (سفر الأمثال 3 : 7)، وألا تكون النفسانية قد غطت أفكاره وصار بارًا في عيني نفسه متصورًا القداسة لذاته بواسطة تعليمه للآخرين كقول الكتاب: لا تكونوا معلمين كثيرين يا إخوتي، عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا (رسالة يعقوب 3 : 1 و 2).

وفى كلمات قاطعة، يحذر الأنبا بفنوتيوس من أن يتعصب الأسقف لفئة إيمانية معينة حتى لإيمانه الأرثوذكسي، ويؤكد الفرق بين التمسك بالإيمان وبين التعصب له، ويقول:

ليس هناك قداسة أو وقار حقيقي لإنسان متعصب، يُسفّه ويقلل من قدر الطوائف الأخرى كالكاثوليك وال وغيرهم، فيجلس الأسقف في محفِل عام ويهدم مفاهيم هذه الطوائف… إن الإنسان الطائفي المتعصب لا يستطيع أن يقنع أحد بتشنجه وانتقاصه فكرة أو قهر الناس لقبول رأيه، فقط اطلب من الله أن يهب الناس فهمًا كما أُعطيت.

(الأنبا بفنوتيوس، مطران سمالوط، كتاب: مقّومات الأسقف وركائزه)

أما كتاب “الكهنوت المقدس والرتب الكنسية” فيذهب إلى ما سجلته الكنيسة في قرونها الأولى وبخاصة مجموعة كتب المراسيم الرسولية [ثماني كتب] ويشير إلى أنه قد تم الانتهاء من تأليفها مع أواخر القرن الرابع الميلادي، ويذكر أن الكتاب الثاني منها “يضم تعليمًا مستفيضًا عما يجب أن يكون عليه الأسقف في كل مناحي حياته، سواء الشخصية أو الكنسية أو الة، وقد تُرجمت السبع كتب الأولى منها إلى اللغة العربية، وانتشرت انتشارًا واسعًا في الشرق تحت اسم “ال”.

ويورد الكاتب مقتطفات منها، فيذكر حول أهم صفات الأسقف: من أجل الأساقفة، هكذا سمعنا من ربنا يسوع المسيح، أنه يجب على الراعي المقرر رسامته أسقفًا على الكنائس في كل إيبارشية أن يكون بغير لائمة ولا علة، طاهرًا من كل أنواع الشر الشائعة بين الناس. ليس بأقل من خمسين سنة من أجل بيته, وقد هرب من الانحرافات الشبابية وأقوال الوثنيين، وصار طاهرًا من الإهانات التي يأتي بها قوم من الإخوة الكذبة على كثيرين.

ويستطرد: ويجب عليه أن يكون وديعًا متواضعًا هادئًا، صانع سلام، ذا سريرة جيدة، طاهرًا من كل ظلم وشر، وكل اغتصاب، متيقظًا متأنيًا غير قلق، وغير سكير، وغير مخاصم، غير محب للفضة، وليس غرسًا جديدًا لئلا يتعظم قلبه، فيسقط في فخاخ .

ويذكر في فقرة أخرى نقلاً عن نفس المصدر: لا يحب النصيب الأكبر، ولا يخطف، ولا يكابر، ولا يكون كثير النميمة، ولا يشهد بالزور، ولا يحب المقاومة، ولا يدخل في أعمال هذا العالم، ولا يكفل أحد، ولا يحب الرئاسة، ولا يكون ذا قلبين، ولا ذا لسانين، ولا يحب سماع الأباطيل والنميمة ولا الدينونة، ولا يشتاق إلى أعياد الأمم.

وتحت عنوان: “في التعليم المنوط بالأسقف” يكتب نقلًا عن كتاب المراسيم الرسولية: ليكن الأسقف ممتلئًا من كل تعليم وكاتبًا. وليكن على كل حال ماهرًا في الكلمة، وفي سن صالح  … وليكن صابر القلب في وعظه، يعلم كل حين، ويدرس ويجتهد في الكتب الربانية، ويستمر في القراءة، ليفسر الكتب بتأنٍ، ويفسر الإنجيل باتفاق مع الأنبياء والناموس والأنبياء متفقًا مع الإنجيلليأمر الأسقف العلمانيين باجتهاد، مقنعًا إياهم ليقتدوا بسلوكه، وليكن صديقًا لكل أحد، صديقًا ذا مروءة، وكل شيء حسن في الناس فليقتنه الأسقف لنفسه.

وتحت عنوان: “معيشة الأسقف وتصرفه في أموال الكنيسة” نقرأ: ينال الأسقف طعامه وشرابه بالقدر الذي يكفيه لكى يقدر أن يستيقظ لتعليم الجهال، ولا يكن مغاليًا في غذائه أو مميزًا نفسه، وعيشته لا تكون بلذة ولا يأكل المختار من الطعامولا يكن بذخًا ولا أعجميًا، يزين لباسه، بل يستعمل ما يناله لقيام الجسد فقط”.

ويورد الكاتب هامشًا يقول فيه: عند ابن كبر نقرأ ما يلي: ينال [الأسقف] من الطعام والكسوة بقدر الكفاية، كما يليق بالحاجة والعفاف، ولا يزين لباسه، بل يتخذ ما يصلح لستر جسده لا غير. وأسقف يلبس برفيرًا أو حريرًا، أو يزين مائدته بأطعمة مختلفة، وفقراء مدينته جياع أو عراة، ليس هو أسقفًا.

عزيزي القارئ أقاوم إغراء استكمال النقل، فضلًا عن إغراء التعقيب، فيتحول المقال إلى كتاب، وربما أكثر، لذا أتمنى أن تجد تلك المصادر مكانًا على مكاتب آبائي الأساقفة، وتجد عندهم من الوقت ما يسمح بقراءتها. فيما نستكمل نحن قراءتنا لمزيد من المشاهد الإكليروسية.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ مشاهدات إكليروسية[الجزء السابق] 🠼 [١٠] اختلالات الأديرة[الجزء التالي] 🠼 [١٢] إعادة تركيب قطع البازل
كمال زاخر
كاتب ومفكر قبطي في التيار العلماني المصري   [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: : صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎