Search
Close this search box.
المقال رقم 5 من 14 في سلسلة مشاهدات إكليروسية
ما زلت استدعي عديدًا من المشاهدات التي تختزنها الذاكرة، علها تقدم لنا -كنيسة وأقباطًا- تفسيرًا لما نحن عليه في لحظتنا المعيشة، فكما أن المادة لا تفنى ولا تُستحدث ولا تأتى من عدم، كذلك الأحداث والوقائع أيضًا، فالذي نعيشه، حلوه ومره، هو حصاد لما زُرع، بعضه تحت أعيننا وعاصرناه، وبعضه عبر قرون مضت سجلته لنا أقلام المؤرخين، وكثيره ونحن نيام.

في ظني أن ثمة تحولات كبرى وحادة في تاريخنا الممتد كانت وراء حالة الانقطاع المعرفي مع المنتج اللاهوتي في زمن ما قبل هذه التحولات، فيما كانت الكنائس التقليدية التي لم تقع تحت سيطرة الاجتياح العربي ثم العثماني فيما بعد، تواصل المراكمة على التراث اللاهوتي عندها، بينما نحن نحاول نقل ذلك التراث إلى اللغة الجديدة التي احتاجت منا إلى وقت لاستيعابها والتفكير بها، كانت أولاها حين هجرنا عمدًا اللغة اليونانية عقب صدامات ، (451م) التي تخفت وراء الصراعات الاصطلاحية فيما كان وقودها الصراع حول قيادة الكنيسة ورئاستها، بين وثقله السياسي، وكرسي الإسكندرية وثقله الثقافي وقتها، وانتهى بنا الحال إلى إعلاء القومى والذاتي على اللاهوتي، ونفضل مسمى عن مسمى ، وينتقل مقر البطريرك القبطي من الإسكندرية إلى حيث يكون الحاكم، يتنقل في القاهرة من مصر القديمة إلى حارة زويلة ثم حارة الروم ثم فٌم الخليج ليستقر في الأزبكية ثم ينتقل إلى العباسية، ثم أخيرًا يتم التحضير لنقله إلى العاصمة الإدارية الجديدة.

في غضون القرن العاشر الميلادي وما تلاه يأتي التحول الثاني، حين هجرنا اللغة القبطية قسرًا، إلى اللغة العربية، ويقرر البابا البطريرك (1131 ـ 1145م)، ربما مضطرًا، تَرْجَمَة الصلوات ال والطقوس إلى اللغة العربية، وكان من نتيجة هذه التحولات أن انقطع خط التواصل مع الأصول الآبائية إلا قليلًا، فضلا عن قصور تلك اللغات عن استيعاب دقائق اللاهوت كما كان الحال مع اللغة اليونانية.

وترصد موسوعة وصف مصر، التي كتبها مجموعة من العلماء الفرنسيين المصاحبين للحملة الفرنسية، حال الأقباط وقت الحملة فتراهم جماعة من الهراطقة، ولا يختلفون كثيرًا عن بقية المصريين في أحوالهم المعيشية المتراجعة، وإن تميزوا في علوم الحساب وتقسيم وتحديد المساحات الزراعية والعقارية. (للمزيد طالع موسوعة وصف مصر؛ كتاب “المصريون المحدثون”).

الحملة الفرنسية، بعيدًا عن كونها اعتداء سافر على مصر، كانت في جانب منها بمثابة حجر ثقيل ألقي في بحر السكون أو قل الخمول المصري، الذي استغرقنا بفعل الاحتلال العثماني لثلاثة قرون، ويأتي “” ليعبر بالمصريين إلى ضفاف الدولة المدنية بمعايير زمانه.

في أعطاف الحملة الفرنسية جاءت الحملات التبشيرية بأدواتها المتقدمة؛ الكتاب والجماعات الرهبانية الخادمة في دوائر التعليم والصحة والعمل الاجتماعي، الدومنيكان و والفرنسيسكان، فلم تقِل صدمة الأقباط الحضارية عن صدمة عموم المصريين.

ذهبت الحملة العسكرية ولم تذهب الجماعات الرهبانية الخادمة، التي راحت تبنى سلسلة من المدارس في أحياء القاهرة الفقيرة وفى عواصم وقرى المحافظات خاصة الوجه القبلي، بجوار المستشفيات الصغيرة عبر رهبنة البنات.

ذهبت الحملة العسكرية ولم تذهب الصدمة الحضارية، لتبدأ دورات متلاحقة من الإحياء الثقافي والفكري، حركت إحداها الشباب القبطي، من جيل الربع الأول من القرن العشرين الذي سبق الإشارة إليه، الذي خاض كنسيًا معارك متلاحقة انتهت به إلى اكتشاف أن التغيير لا يمكن أن يأتي بعيدًا عن الرهبنة، فكان قرارهم طرق أبواب الأديرة، والالتحاق بالرهبنة وكان لهم ما أرادوا.

كانت الأديرة وقتها شبه مهجورة إلا من بعض الرهبان الشيوخ، وعندما نقرأ مذكرات بعض من رموز تلك المرحلة نقف على حال الأديرة والرهبان وقتها، وكم المعاناة التي يعيشونها، وكيف كانت الأديرة منعزلة عن العالم، وصعوبة الوصول إليها إلا عبر “مدقات بدائية” سواء في الصحراء الشرقية أو الغربية، فلم يكن متوفرًا سوى الطرق التي أقامها الجيش الإنجليزي لخدمة وحداته العسكرية إبان ولعل أشهرها طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي.

شهدت الكنيسة محاولات عدّة للإصلاح، لكنها لم تكتمل لعل أبرزها ما قام به البابا (1854ـ 1861م.) لم يمهله العمر استكمال مشروعه الإصلاحي، وتتردد أقاويل مؤسفة عن طريقة وفاته.

ولعل النموذج الثاني، الذي قد يصدم الهوى السائد، هو البابا (1946 ـ 1956م.) الذي اغتيل معنويًا وماديًا، وتم تشويه سيرته، بالرغم من أنه -وربما بسبب- دراساته اللاهوتية، حين كان راهبًا، بجامعات اليونان، فقد انتبه لأهمية إعداد المرشحين لخدمة الأسقفية فأعاد الحياة إلى مدرسة الرهبان بحلوان، التي تستقبل الرهبان المتوسم فيهم صَلاحِيَة الخدمة الأسقفية ليخضعوا لكورسات تعليمية مكثفة في علوم الكنيسة وعلوم الإدارة، ومنهم يتم الاختيار لرتبة الأسقف، اللافت أن كل الأجنحة الفاعلة في الكنيسة من شباب الأقباط تحالفوا ضده -رغم خلافاتهم الإيديولوجية والحركية- فبينما قامت باختطافه وإيداعه أحد أديرة الراهبات وفرضوا عليه الإقامة الجبرية بعد توقيعه وثيقة تنازل عن العرش البابوي، تقوم جماعة بشن حملات لا تتوقف لتشويه صورته على صفحات مجلة مدارس الأحد، وعندما يجلس ال على الكرسي البابوي يقوم برسامة أسقف لحلوان وتصير مدرسة الرهبان مقرًا له، وتصبح المدرسة أثرًا بعد عين!!. من الذي يمسك كل هذه الخيوط  -المتباينة ويحركها؟.. سؤال.

مع انتصاف القرن المنصرم تبدأ دورة جديدة من زمن الأديرة والكنيسة، ففي العام (1948م.) يطرق شابان أبواب القمص مينا المتوحد بدير ال بمغاغة -كل على حدة- طلبًا للرهبنة ثم يرسلهما عام 1950 إلى ، وبعد نحو خمس سنوات (1954م) يطرق شاب ثالث أبواب نفس الدير (السريان)، ويصبح ثلاثتهم محور الحراك الكنسي بامتداد ما بقى من القرن، كان الشابان الأستاذ -ليسانس حقوق [نيافة الأنبا صموئيل أسقف الخدمات]، والدكتور -صيدلي [قدس الأب القمص متى المسكين]، أما الشاب الثالث فكان الأستاذ نظير جيد -ليسانس آداب، [قداسة ال الثالث]، اختلفوا في الأهداف وجمعهم الطريق، كان كل منهم بارعًا فيما امتلك من مواهب، لكنهم فقدوا بوصلة التواصل والتكامل، والقبول المتبادل، ولا أزعم أنني أصلح لدور القاضي أو المحلل النفسى، وأعترف أن ثلاثتهم أسهم في بنيان وجداني الفكري والعملي والروحي أيضًا، بأقدار مختلفة وفق مشوار النُّضْج الذهني والمعرفي، ضمن دائرة كبيرة ممن تتلمذت عليهم في الفضاء العام، في زمن كان الكتاب والمطبوعة بتنوعها هي خبز يومنا، قبل أن يزاحمها الإعلام المرئي وصخب الفضاء الإلكتروني وعالمه الافتراضي، الذي جاء وجيلي يلملم أوراقه توطئة لرحيل حتمي يطرق أبوابي، أقر أنه أبهرني لكنه لم يستغرقني.

لندع التقييم اللاهوتي لأهل الاختصاص، ولا أزعم أنني منهم، ولنقترب من كيفية إدارة ثلاثتهم للمشهد، فقد كان الأستاذ سعد عزيز [الأنبا صموئيل] رجل الموائمات والتحالفات، وهى قدرة صقلتها طبيعة دراساته القانونية والإدارية، ويمكن اعتباره دينامو المرحلة، وكان لهذا انعكاساته على دوره في تأسيس كنائس المهجر، وفي تحويل تجمعات الأقباط هناك إلى قيمة مضافة ومؤثرة للوطن الأم، وفي دعم رفيق مشواره الكنسي “نظير جيد” من العَلمانية إلى الرهبنة إلى الأسقفية ثم إلى كرسي البابوية، ولم يوقفه عن الحركة المكوكية بين القاهرة وبلاد المهجر إلا اغتياله في حادث المنصة ومصر تحتفل بذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة 1981.

أما الدكتور يوسف إسكندر [الأب متى المسكين] فلم يكن سعيه للرهبنة طلبًا للنسك والتقشف، بل حسب أوراقه وكلماته المسجلة كان يبحث عن مكان ومناخ يتيحان له تفرغًا يشبع نهمه في سبر أغوار الكتاب المقدس والإجابة على سيل الأسئلة الوجودية التي تحاصره، ووجد ضالته في درب الرهبنة بتطورات متلاحقة وعاصفة، كان جادًا في سعيه، وعنيفًا مع نفسه، وفى اختياره العزلة عبر الرهبنة بين بدائل عدّة استعرضها في أوراقه، ولم تفارقه خاصية السير ضد التيار، التي تحولت إلى مواجهات حادة بامتداد حياته، يبدو أن استغراقه في البحث عن أسرار “المطلق” رسخ عنده التمسك بالمثالية دون موائمات أو توازنات، ولعل هذا يفسر صرامته في إدارة شئون وكالة البطريركية بالإسكندرية، التي لم تحتمل منهجه ولم يكن من حل سوى عودته لديره، وتتكرر صرامته في تعامله مع الأجيال التالية ممن التحقوا برهبنة أبو مقار، واعتكافاته الممتدة باستراحة الدير بالساحل الشمالي، الأمر الذي دفع العديد من رهبانه على الارتحال إلى دون أن يغيروا شكلهم الرهباني المقاري، ودون أن يسعوا لرسامة أسقفية كما فعل البعض. ودون الارتداد إلى حياتهم المدنية كما فعل بعض أخر.

ماذا عن الرفيق الثالث “نظير جيد” الذي تفرد عن رفاقه بالوصول إلى موقع البابا البطريرك، وعاصر تحولات عنيفة وحادة في الفضاء المصري والإقليمي والدولي، استأذنكم أن يكون اقترابنا منه موضوع المقال القادم.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: مشاهدات إكليروسية[الجزء السابق] 🠼 مشاهدات إكليروسية [٤][الجزء التالي] 🠼 [٦] الطريق إلى الزعامة
كمال زاخر
كاتب ومفكر قبطي في التيار العلماني المصري

صدر للكاتب:
كتاب: : صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨