Search
Close this search box.
المقال رقم 1 من 14 في سلسلة مشاهدات إكليروسية

كان بيتنا الكبير يشهد العديد من زيارات الآباء الكهنة، أصدقاء والدي، ربما لأنهم يأتنسون برأيه الذي يحمل خبرة السنين وحنكة التاجر وتقوى القبطي العاشق لكلمة الله.

لم يجبرني يومًا على الذهاب للكنيسة لكنني كنت مبهورًا به، رغم قسمات وجهه الصارمة، كنت أتتبع خطواته وانتظامه يوم الأحد في الذهاب إلى الكنيسة واختياره الصف الأخير للصلاة، كنا وقتها في منتصف خمسينيات القرن العشرين وكنت اقترب من العاشرة من عمري، ورغم أن كنيسة الحي باسم مار جرجس إلا أنها عرفت شعبيًا بكنيسة سرجيوس، خطيب ثورة ١٩١٩، وقتها كان قد أُبعد لأسباب لا أعرفها، لم يذهب بعيدًا بل اختار أن يعيش بالقرب منها، في حي جزيرة بدران، لكن اسمه كان عصيًا على الإقصاء.

تعاقب على خدمة الكنيسة عشرات الكهنة الأتقياء، تابعت من خلالهم التطورات التي لحقت بطبيعة خدمتهم، كان الكاهن في عقدي الخمسينيات والستينيات يحرص على ارتداء “الفراجية” وهى أشبه بعباءة الفلاح ذات أكمام متسعة، يرتديها فوق الروب الإكليريكي، صيفًا وشتاء، وتصنع في الغالب من الصوف، ولونها اسود دائمًا، فيما تتعدد ألوان الروب تحتها، ما بين البيچ والبنى والرمادي، والعمامة متعددة الخامات، فهي تصنع من الجوخ المضغوط، وبعضها من أشرطة سوداء رفيعة مشدودة على قالب مستدير، فيما تتميز عِمَامَة القمص بتوسط عِمَامَة حمراء صغيرة للعمامة السوداء، لتقترب من عِمَامَة عمدة ووجهاء القرية مع اختلاف خامات كليهما، وفى كل الأحوال كان القس والقمص حريصان على تهذيب لحاهم. لم تكن أحوالهم المادية تسمح لغالبيتهم بامتلاك سيارة خاصة، فكان من المألوف أن تراهم يجاورونك في الترام أو البيس أو تصادفهم في الأسواق العامة.

كان من المعتاد أن تسند عظة القداس لأحد أراخنة الكنيسة ممن يمتلكون موهبة الوعظ، فيما يكتفى الكاهن بمهمة الصلاة، دون أن يجد في هذا انتقاصًا منه أو تخطيًا له.

كنيستنا على بعد دقائق من الكنيسة المرقسية – مقر البابا البطريرك آنذاك – وقتها كان عدد الآباء المطارنة والأساقفة حوالى ثمانية عشر تقريبًا، وكان قدوم أحدهم للصلاة في كنيستنا أقرب إلى اعتباره يوم عيد، على المستويين الشعبي والرسمي، فما بالنا لو كانت الزيارة من البابا البطريرك، والتي رغم بساطته كانت محوطة بالمهابة والبهجة.

يرحل الرئيس ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠ ويلحقه في الرحيل البابا كيرلس ٩ مارس ١٩٧١، وينتقل مقر البابا البطريرك إلى الكاتدرائية الجديدة بالعباسية، ويجرى في نهري الدولة والكنيسة مياه كثيرة.

بشكل متدرج بدأت هيئة الكاهن تتغير، اختفت الفراجية، وصار لون الروب أسودًا، وتم تعميم أمر بحتمية ارتداء العِمَامَة حتى خلال قيادة السيارة، وفارق التهذيب اللحى، واصبح من النادر أن تسند عظة القداس لغير الكاهن حتى لو كان مفتقرًا لموهبة الوعظ، حتى زوجة الكاهن صار لقبها “تاسونى”، وارتبكت التراتبية الية بعد أن صارت رتبة القمصية بلا صلاحيات كنتيجة طبيعية للتوسع في رسامة الأساقفة العموم خاصة في إيبارشية البابا (الإسكندرية والقاهرة)، فلا الكهنة الصغار يحتكمون للأب القمص، ولا الرعية أيضًا، وصارت القمصية تمنح للكاهن كترضية على غرار مكافأة نهاية الخدمة.

كانت بداية رسامة أسقف عام في حبرية ال، ١٩٦٢، باقتراح مقنن من القمص ، وكان اقتراح الأسماء من الدكتور .

والأسقف العام هو أسقف بدون إيبارشية، ويسند إليه مهام عامة في معاونة البابا البطريرك، ويحسب بذلك معاونًا له، ولذلك لا يتطلب اختياره ورسامته موافقة ، وجاء الاقتراح في البداية كمخرج من موقف آباء المجمع الشيوخ الرافض لرسامة الرهبان المنتمين ل أساقفة على إيبارشيات، توجسًا وتخوفًا منهم بعد معركتهم التي امتدت لثلاث سنوات (١٩٥٦ – ١٩٥٩) في الترشح والاستبعاد لكرسي البابوية، والتي حسمتها اللائحة الجديدة التي صدرت عام ١٩٥٧ وبسببها استبعدت كل أسماء الرهبان الشباب، لعدم استيفائهم شروطها المعدلة، السن ومدة الرهبنة.

كان الأسقف العام استثناء، فالقاعدة أن يكون الأسقف ناظرًا على رعية ومقامًا على إيبارشية، وكان الأمر محددًا، في رسامات البابا كيرلس للأساقفة العموم، فرسم اثنين من طاقم سكرتاريته أسقفين عامين، إذ أقام أحدهم اسقفاُ للتعليم (الأنبا شنودة)، والثاني للخدمات الاجتماعية، (الأنبا صموئيل)، وعندما رأى رسامة اسقف عام ثالث أقامه على البحث العلمي، (الأنبا غريغوريوس) ليحجم تمدد اسقف التعليم، بمشورة القمص صليب سوريال أيضًا.

وفى بدايات رسامات ال التزم بان يكون للأسقف العام مهام محددة، إذ رسم أسقفًا للشباب، لكنه في تطور لاحق رسم رهط من الأساقفة العموم بعير مهام محددة، وهو ما سار عليه البابا ، الذي أضاف إسناد إدارة الإيبارشية الشاغرة أو التي يرحل اسقفها، إلى أحد الأساقفة العموم وقيل في تفسير ذلك أنه لا يحق للبابا نقل أسقف الإيبارشية من إيبارشيته، فيما يحق له نقل الأسقف العام الموكل إليه مهمة الإشراف على إيبارشية. ما لم يتم تجليسه عليها.

اللافت في سياق أخر الإشادة ببتولية بعض الكهنة المتزوجون، في تكريس لأفضلية البتولية على الزواج، بينما تبقى البتولية اختيارًا والزواج سرًا مقدسًا!! والأنكى، انتشار اتفاق المتزوجون حديثًا على قضاء الأسبوع الأول من حياتهم الجديدة في الدير، هو في أحد أديرة الرجال وهى في أحد أديرة البنات، ثم يسألونك على فشل أبناء وبنات الكنيسة في حياتهم الزوجية وتفشى حالات الطلاق بين الشباب خاصة الخدام والخادمات.

كان هناك إصرارًا غريبًا على رهبنة المجال الاجتماعي القبطي بتسلل مظاهر الرهبنة إلى تفاصيل يومنا، في غير إدراك أننا نزرع نبات في غير ارضه ومناخه، فعقمت الأرض وجفت حتى بذور النبات… وتصحرت الكنيسة.

ومازال للمشاهدات بقية.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: مشاهدات إكليروسية[الجزء التالي] 🠼 مشاهدات إكليروسية [٢]
كاتب ومفكر قبطي في التيار العلماني المصري [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: : صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨