Search
Close this search box.
المقال رقم 4 من 6 في سلسلة تحرير اﻹيمان من سلطة الدين
كتب الأستاذ "عاطف العطّار" منشورين على الفيسبوك، جعلاني أفكر كثيرًا. يتساءل فيهما عن جدوى الاحتفال أو الانشغال بموضوع موت شاب فلسطينيّ من ٢٠٠٠ سنة وما جدواه اليوم في ظلّ قتل وسجن واختفاء الكثير من الأبرياء والذين يصمت عنهم عالمنا الخانع القانع وينساهم.

«كنت فاكر أنه مع الوقت والقراءة والخبرة بالحياة ممكن فهم ظواهر اجتماعية وثقافية بشكل أسهل. لكن يبدوا أن العلاقة هنا مش بسيطة ولا طردية. مش قادر فعلا أفهم سبب النقاشات والتساؤلات المكثفة اليومين دول عن طبيعة موت شاب فلسطيني يهودي من الناصرة من حوالي ٢٠٠٠ سنة. خلال الألفين سنة قتل الموضوع بحثًا ونقاش وجدلًا. في ناس بتشوفه شخصية أسطورية وناس تشوفه أيقونة دينية، نبي، إله، إبن إله بمعنى مباشر أو مجازي. كل ده مافهوش مشكلة الحقيقة، كل إنسان حر في إدراكه وفهمه. لكن ليه لغاية النهارده وخصوصًا في مجتمعاتنا مازالت أسئلة من النوع ده تبدو وكأنها مصيرية ويتوقف عليها حياتنا أو موتنا. في منطقة ووسط ثقافي مر ومازال بيمر بأحداث عاصفة، ثورات وانقلابات وحركات فكرية ونهضوية وأنظمة سلطوية، فقر وقهر ومرض وجهل وأخيرًا وباء عالمي. لكن مازال من المهم الآن وهنا أن نحسم ونحدد الطريقة التي توفي بها هذا الرجل، هل مات أم لا، هل صلب أم قتل بشكل أخر. طيب لو الموضوع فارق وجوهري عند جماعة المؤمنين به، السؤال لماذا هو أيضًا فارق وجوهري عند أصحاب العقائد الأخرى. هتفرق إيه لو كان قتل أو شنق أو صلب أو مات في حادث سقوط طائرة أو دراجة نارية أو غرق، أو هو نفسه أو”شبه لهم”؟ فعلًا مش قادر أفهم معنى السؤال ولماذا هو ملح الآن بهذا الشكل؟»

«قربنا ننسى البحث عن حقيقة وملابسات موت خميس والبقري وشهدي عطية و، وما بينهم، من سقطوا في الثورة المصرية وفي مذبحة رابعة وفي عربية ترحيلات أبو زعبل، شيماء الصباغ وريجيني، من ماتوا في السجون وأقسام الشرطة ومقرات أمن الدولة. بس طبعًا مصممين نحسم ملابسات وحقيقة موت يسوع المسيح عيسى إبن مريم من ألفين سنة»

الحقيقة كلام الأستاذ “عاطف العطاّر” جعلني أفكر كثيرًا في حدث “مقتل الشاب الفلسطيني” المدعو يسوع من الناصرة. وكيف أن المسيحية الشعبية أو المسيحيّة البرجوازيّة اللي دجّنتها السلطات المستبدة تحوّلت إلى مجرد فولوكلور شعبي، مجرّد أفيون للناس كي تنسى واقعها و”تتلهي” بأمور سماويّة ليس لها علاقة برسالة الشاب الفلسطيني “المغتال” خارج أسوار أورشليم حوالي سنة ٣٣ ميلاديّة.

ذكرى هذا الشاب الذي تم القبض عليه من حرّاس الدين، وحراس الدولة، وذكرى القبض عليه وتعذيبه، والمحاكمات الباطلة التي حوكم أمامها من قضاء غير مستقل، هي فعلا ذكري تشغل كثير من الناس منذ ألفين سنة، علي عكس المنسيين في التاريخ، الناس اﻵخرين، الذين تمت تصفيتهم أو ماتوا  بالأمراض والتعذيب في السجون. يا ترى ليه؟ وهل معنى إن المسيحية الشعبية المنتشرة وكونها تسطح القضية، يقلل من أهميّة هذه الذكرى؟

الذكري مهمة وأتمني أن تستمر للأبد، المشكلة التي أثارها الأستاذ عاطف هو أن تتحول الذكري إلى مجرّد إلهاء “شايف العصفورة دي؟” بدون ربطها بتاريخنا البشري الذي يتم دفنه وهو غارق في الظلم والقهر.

ما يلهمني في هذا الموضوع هو كتابات إثنين من اللاهوتيين الألمان: “” في فكرة الذكرى التخريبيَّة، واللاهوتي “”، فالإيمان المسيحيّ هو أيضًا ذكرى ة تنفتح على المستقبل: «الإيمان المسيحيّ سلوك، فيه يتذكَّر الإنسان الوعود والرجاء الذي تمَّ معايشتُه بفضل هذه الوعود، هو سلوك يربط نفسه فيه بالذكريات ليحيا حياته» . وبالتالي على الكنيسة أن تعتبر نفسها وتقدَّم ذاتها على أنَّها تشهد وتُبلغ العالم هذه الذكرى الخطرة بحريّة في داخل نظم مجتمعنا.. يكتمل الإيمان في ذكرى الآلام، موت وقيامة يسوع المسيح، فالتاريخ ليس تاريخ المنتصرين والناجحين فحسب، بل هو تاريخ الخاسرين أيضًا. تاريخ من نساهم العالم، أو من أرادت السلطة أن ينساهم العالم أو من يراد لهم أن يظلوا مقتولين في صمت دون شوشرة.

اللاهوتي “متس” يعارض “خصخصة الإيمان” لأنه يعتبر الروحانية هي التعبير عن الذكرى الخطرة لموت وقيامة يسوع المسيح. وإبراز أهمّية الذكرى في الخبرة البشريّة. هذه الخبرة معبّر عنها في روايات الذاكرة. الذكرى عند “متس” هي التي تمنح الإنسان هُويّته التاريخيّة. وتتكوّن هذه الهُويّة عند استنهاض  هذه الذكريات. فهويّة العبيد تكونت عن طريق انتزاعهم من جماعاتهم التاريخيّة وتشويه ذاكرتهم والعبث فيها.

الذاكرة عند “متس” تاخذ شكلين: الشكل الأوّل تذكُّر الماضي على أنّه “ياااه كانت أيام جميلة”. وهي جنّة بدون مخاطر، ومكان للهروب من إحباطات الحاضر. أصبح الوضع الراهن أمرًا لا خلاف عليه منذ عصر الأنوار، وتقدّم مجتمعاتنا في مرحلة ما بعد السرد، وقتما يصبح التاريخ لا بداية له ولا نهاية. في هذا الخطاب، يصبح الخلاص نتيجةً لتحكُّمٍ زائد يُمارَس على طبيعة التاريخ، من خلال سيطرة العلوم، وقبضة التكنولوجيّا والتحكّم السياسيّ. وهكذا يتم تفسير التاريخ على أنّه تاريخ الانتصار وتاريخ النجاح. وﻻ مكان لذكرى الخاسرين وآمالهم الضائعة أو المحبَطة. وبهذا المعنى، الذاكرة هي في قلب تكوين ضميرنا الجماعيّ، لكنّها ذاكرة انتقائيّة ﻻ تتذكّر غير انتصارَ الأقوياء؛ وتحطِّم الضحايا، وتكوّن بالتالي ضميرًا مزيفًا لماضينا، يصبحُ أفيونًا لحاضرنا. إذ عندما تعمل الذاكرة بهذه الطريقة، سيستمرّ التاريخ / الواقع كما كان في الماضي، دون أي عوائق.

الشكل الثاني: ذكريات خطرة تقوم باستفزازنا. ذكريات تُسلِّطُ فيها خبراتُ الماضي ضوءًا باهرًا، وتعيد ليومنا حَدْسًا جديدًا وخطرًا لحاضرنا. تسلِّطُ نورًا قاسيًا يفتح الأبصار على المشكلة التي اعتدناها منذ زمنٍ طويل، وعلى تفاهة ادِّعائنا بالواقعيّة. تفجِّر هذه الذكريات واحدةً من أكثر الاتِّساقات سيطرةً وتحمل بداخلها بذورا تخريبيّة. يتم اختبار هذه الذكريات كلقاءاتٍ خطرة واستحضار للماضي ﻻ يمكن لأحد توقّعه. مع هذه الذكريات يتم استحضار مخاوف التكرار في المستقبل. لهذا فليس من الصدفة أن النظم القمعيّة الشموليّة تعتبر تشويه الذاكرة سمةً أساسيّة لها. يبدأ تدجين الإنسان عندما نبدأ بنزع ذكرياته. هنا نجد مبدأ كلِّ استعمار.

هذه الذاكرة تصدمنا، وتُخرِجنا من حيّز المعتاد؛ يحدث هذا في اللحظة التي نعي فيها حقيقة آلام البشر. يسمي “متس” ذكرى آلام البشر اسم الذكرى الخطرة، لأنّها «تُعرقِل» تطوّر المنطق اللاّسرديّ لطريقة تسارع اﻷحداث، وتكشف رؤًية جديدة وخطرة لحاضرنا. هذا الكشف عن الأفكار الخطرة مدمِّر وخطر لأنّه ينتقد الأمور التي اعتدنا عدم نقدها. بالنسبة للمسيحيّين، ذكرى الآلام خطرة لأنّها لا تكمن في النظر إلى الماضي كما لو كنّا ننقِّب عن الآثار، ولكن في النظر نحو المستقبل “الذي نتحسس فيه الوعود التي وعدها الله” و”الرجاء الذي عايشناه نتيجةً لهذه الوعود.” ذكرى الآلام البشريّة “تكبس علي نفَسنَا” وتجعل الحاضر أقلّ ثقةً، لأنّها تحطِّم النظرة المنتشرة بين الناس للوعي بالحاضر؛ وهذا على ضوء الرجاء المُنتَظَر. تقوم هذه الذكريات بتمحيص الحاضر على ضوء المستقبل الذي وعد الله به.

هذه الومضات وجدت طريقها إلى حياتي خلال حَدثين؛ الأوّل عندما كنت أؤدّي خدمتي العسكريّة أثناء الحرب العالميّة الثانية. والحدث الثاني كارثة أوﺷﭭيتس.

(اللاهوتي اﻷلماني: يوهان بابتست متس)

يرى “متس” الإيمان المسيحيّ مرتبطًا بحدث خاصّ: الذكرى الخطرة لموت وقيامة يسوع المسيح، والتي حطّمت القوى السياسيّة والعنف المتأصِّل. وتفتح عيوننا على آلام الأبرياء. الكنيسة عند “متس” هي حاملة وشاهدة في الوقت نفسه أمام العالم لهذه الذكرى الخطرة المرتبطة بضحايا التاريخ. في هذا الإطار تسمح ال للمسيحيّين أن يوقفوا الزمن عن طريق استحضار ذكرى الألم البشريّ الذي يتحدّى الوضع الراهن، ويوسِّع آفاق تخيّلنا عن طريق توعيتنا بطريقة أعمق بوضع ضحايا العذابات. في أيامنا الحاضرة وفي التاريخ.

الإيمان المسيحيّ ﻻبد أن يتخذ أبعادًا إسكاتولوجية ورؤيويَّة، «على الإيمان أن يرتجّى مستقبلًا خاصًّا للإنسان، ومستقبلًا خاصًّا بوضع المسحوقين واليائسين والمظلومين في العالم». والروحانيّة التي تضع في محور تفكيرها الذكرى الخطرة للألم، سيترتّب عليها نتائج جذريّة على المستوى الشخصيّ والسياسيّ. وستتشكّل ممارسة الذاكرة عندما يتعهّد المسيحيين بالتضامن مع ضحايا العنف من أجل التغلّب على الآلام الناتجة عن معارضة القهر والظلم والعنف على ضوء وعود الله.

الدعوة إلى التضامن التي يوجِّهها “مِتس” لا يمكن خلطها مع التعاطف المحض، ولا مع التضامن المزيَّف المؤسَّس على “العهد بين طرفين متساويَين”. التضامن المسيحيّ الحقيقيّ هو شامل. «يمتدُّ إلى من كانوا مُسَيطرًا عليهم ومنسيين. فالتصنيف اللاَّهوتيّ للتضامن يكشف في الواقع عن جانبه التصوّفيّ والشامل في قلب ذاكرة التضامن مع الأموات». وعلى المستوى الشخصيّ، يتطلّب هذا التضامن الجذريّ انفتاحًا يقوم بالاهتداء الشخصيّ والذي يخلق الإرادة في تقاسم المعاناة والألم مع الآخرين. سيوعى المسيحيّون ليس فقط ما يجب عليهم فعله أو عدم فعله مع الآخرين، ولكن سيتسع وعيهم بما يسمح لهم بالوصول إلى الآخرين. وعندما يأخذون بعين الاعتبار الذكرى المسيحيّة للألم، يصبح واضحا أنّ كلّ أشكال السيطرة الاجتماعيّة والقوى السياسيّة، عليها أن تبرِّر ذاتها أمام الآلام الحاضرة. وعلى القوى الاجتماعيّة والسياسيّة أن تعي بمدى المعاناة التي تحدث والتي أصبحت مكشوفة ومفضوحة.

يرى “مِتس” أنّ الروحانيّة تخلق تضامنًا عميقًا من الجميع مع ضحايا المعاناة والظلم والعنف، وتوسِّع من آفاقنا الشخصيّة والسياسيّة، وتنشِّط تصوّراتنا بالرجاء الإسكاتولوجي المتمثِّل في أنّ العدالة يمكن أن تتحقّق كما عبّرت عنها وعود الله والتي تحقّقَت في القيامة.

توضيح من الناشر: الصورة المستخدمة مع المقال اسمها Give us Barabbas (أطلق لنا باراباس) وهي تعكس توجها معارضًا لقومجة المسيح كفلسطيني عربي. الصورة تسجل لحظة الهتاف الشعبوي بإطلاق "باراباس" المعتقل السياسي في سجون الرومان، وعدم إطلاق المسيح صائحين "أصلبه أصلبه" - "دمه علينا وعلى أوﻻدنا". اختيار هذه الصورة في مقال عنوانه "الفلسطيني يسوع" هو إدراك -ومعارضة- من طاقم التحرير والنشر بالموقع لخطورة إضفاء التوجهات القومية على الرموز الدينية… هكذا صورة في هكذا سياق قد ﻻ يصطدم ظاهريا بعنوان "الفلسطيني يسوع"، لكنه يقول بين اﻷسطر "لو كان المسيح فلسطينيًا بحسب مكان الوﻻدة، فهكذا سيصير قتلة المسيح وحاملين دمه أيضًا فلسطينيون عربًا." (Theosis Across Borders)

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: تحرير اﻹيمان من سلطة الدين[الجزء السابق] 🠼 المسيح ثائرًا[الجزء التالي] 🠼 المسيح مصلوباً
راهب في معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب نقدي: ، هل من روحانية سياسية؟
تعريب كتاب جوستافو جوتييرث: ، التاريخ والسياسة والخلاص
تعريب كتاب ألبرت نوﻻن الدومنيكاني: يسوع قبل المسيحية
تعريب أدبي لمجموعة أشعار إرنستو كاردينال: مزامير سياسية
تعريب كتاب ال: ومواهب الروح القدس