Search
Close this search box.
المقال رقم 3 من 6 في سلسلة تحرير اﻹيمان من سلطة الدين
على مدى سنوات طويلة، وبإصرار بالغ، دأبت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على تصدير صورة القبطي الخانع الذليل، المُدجن المُستأنس، المؤيد للحاكم طوال الوقت، للمجتمع قبل أن يكون للمسيحين أنفسهم، حتى بات الطرفان مقتنعين بتلك الصورة، المجتمع الذي دأب على الاستهانة بحقوق المواطنة للأقباط المستأنسين، والأقباط أنفسهم، الذين باتوا مقتنعين أن واجبهم كمسيحين مؤمنين أن يُهانوا، ويُذلوا من الجميع، ويؤيدوا القوات والرئاسات على مر العصور والسنين، ولكيما يحدث هذا التحول في الموروث الثقافي والاجتماعي، استندت الكنيسة على صورة مجزأة للمسيح، عكفت على تعديلها وتكييفها، ولي عنق بعض الآيات الكتابية، وتفسيرها بطرق مغلوطة، وتصديرها بما يتناسب مع صورة "المسيح الخانع"، الذي تصر المؤسسة الكنسية على تقديمه. ولم تدرك الكنيسة –ولا يبدو أنها ستفعل– أن المسيح نفسه كان ثائرًا بحق، على نظام القيصرية الروماني العظيم، وعلى السلطة الكهنوتية المستبدة، قبل أن يكون معلمًا، وبالرغم أن المسيحية أول ما ظهرت كانت حركة بين الفقراء والمضطهدين، واشتهرت كطائفة للعبيد والمعُتقين والفقراء والمنبوذين، حركة "أممية" للشعوب التي أخضعتها وشتتت شملها الإمبراطورية الرومانية، إﻻ أن المسيحية بعد نحو ثلاثة قرون، صارت دين الدولة الرومانية الرسمي، بعد التفاف الكنيسة ورجالتها حول القياصرة.

كان المسيح متمردًا على النظام وعلى التقاليد، كان ينادي بالفضيلة وفي نفس الوقت كان صديقًا للمنبوذين وشاربي الخمر والزناة والخطاة. دافع عن الزانية أمام الجموع ولم يخجل، بل جعل مدعي التدين الزائف يخجلون، لم يدافع عن المرذولين فقط، لكنه منحهم الأمل في الخلاص. كان نجارًا فقيرًا، ولم يكن يمتلك أي شيء، كان ينتمي حرفيًا إلى طبقة ال، وهي تلك الطبقة التي لا تملك أي وسائل إنتاج، وتعيش من بيع مجهودها العضلي. وشكل يسوع نواة مقربة من التابعين ليكونوا الخلية الأولى لحركته الإصلاحية السلمية، وهم التلاميذ الإثنا عشر (الحواريين)، وليكونوا سندًا وعونًا له في نشر رسالته، وضمن هذه الحلقة كان هناك حلقة أصغر مقربة، مكونة من بطرس ويوحنا بن زبدي وأخاه يعقوب، وجميعهم من المهمشين والفقراء، منهم صيادي السمك مثل بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا، ومنهم متى، جابي الضرائب، وهي المهنة التي كانت ينظر إليها عوام اليهود بكونها خيانة وعمالة للرومان، وبشكل عام، فإن الخلفيّة الثقافيّة أو المراكز الاجتماعية للتلاميذ لم تكن مرموقة على المستوى الاجتماعي، وتنوعوا في اعتقاداتهم السياسية، فبعضهم كان يعتقد بضرورة الكفاح المسلح ضد النظام، مثل بطرس الذي استل سيفًا، وضرب به “ملخس” عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه، عندما أتوا ليعتقلوا يسوع في بستان جسثيماني.

كانت أفكاره تقض مضاجع كهنة اليهود بشعبيته الجارفة التي يصنعها هذا النجار الفقير، المجهول النسب، ويقضي على شعبيتهم التي فشلوا في الحفاظ عليهم رغم سلطتهم الدينية والدنيوية، ورغم أموالهم الوفيرة التي لم تنقذ شعبيتهم من طوفان شعبية المسيح الجارفة، تمرد على سلطة الكهنوت ونعتهم بـ(أولاد الأفاعي)، طرد المرابين من الهيكل وكشف مرتزقة الدين وعرى زيفهم، نقض شريعة موسى وشريعة حفظ السبت ووبخ المتشددين، معلنًا أن “السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ“، كان يساري الهوى مناديًا بال معلنًا أن “كُلَّ منْ لَهُ يُعْطَى فيزداد، ومنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ“، مناهضًا لجشع الأغنياء، معلنًا أن “مُرُورُ جَمَل مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ“، أسس نظام تكافل اجتماعي قوي عندما أشبع نحو خمس الآلاف فرد بالقليل من الطعام، وأخيرًا نادى بفصل الدين عن السياسة قائلًا: “أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّه“، وصنع أسطورته في وقت قياسي، نحو ثلاث سنوات فقط.

“وفي ذلك الوقت، كان يعيش يسوع، وهو رجل من رجال الدين، إذا جاز أن نسميه كذلك؛ لأنه كان يأتي بأعمال عجيبة، ويعلّم الناس، ويتلقى الحقيقة وهو مغتبط، وقد اتبعه الكثير من اليهود والرومان”

(المؤرخ اليهودي “فلافيوس ” في كتابه: “العاديّات اليهودية” الموضوع عام 93 في روما)

وفي مقدمة الطبعة الجديدة من كتاب (الصراعات الطبقية في فرنسا من 1848 إلى 1850)، الذي نشر في مارس (آذار) 1895، كتب الفيلسوف الألماني والمنظر ال (فريدريش أنجلز)، الملقب بأبو النظرية الماركسية، عن المسيح الثائر قائلًا:

“منذ قرابة 1600 سنة، عمل [يسوع] في الإمبراطورية الرومانية حزبًا ثوريًا للانقلاب شديد الخطر، فقد قوض هذا الحزب الدين وجميع أسس الدولة، وأنكر صراحة أن تكون إرادة الإمبراطور القانون الأعلى، وكان بلا وطن، كان أمميًا؛ وقد انتشر في جميع أقاليم الإمبراطورية، من بلاد الغال إلى آسيا، وتسرب إلى ما وراء حدودها، وزمنًا طويلًا جاهد خفية وعمل سرًا، ولكنه شعر خلال حقبة مديدة نسبيًا بأنه صار من القوة بحيث يستطيع العمل جهارًا وعلنًا”

(فريدريش أنجلز، مقدمة كتاب كارل ماركس: “الصراعات الطبقية في فرنسا”، مارس 1895)

أثارت شعبية يسوع الجارفة والمتزايدة كهنة اليهود وأحبارهم، حتى قرروا أن يختفي عن المشهد السياسي، لأن استمراره على قيد الحياة قد يؤدي إلى ثورة سياسية ضد الحكم الروماني، تفضي إلى تدمير الحكم الذاتي لكهنة اليهود على المجتمع اليهودي، حتى خلصوا إلى استمالة تلميذه يهوذا الإسخريوطي لخيانته مقابل المال، فقُبض على يسوع وحُوكم عسكريًا، وصدر الحكم بإعدامه، كونه مضل يسوق الناس إلى الضلال، ويغرى الناس على الشغب والهياج، عدو (الشريعة)، ومجدف يدعو نفسه ابن الله وملك إسرائيل، إضافة إلى أنه قد دخل الهيكل ومعه جمع غفير من الناس حاملين سعف النخل (مساوية لتهمة: التجمهر)، وتلك كانت التهم الخمس التي أدُين المسيح بسببها، ويمكن تلخيصهم في تهمتين أساسيتين، إحداهما دينية وهي تهمة التجديف (مقاربة لازدراء الدين)، والأخرى سياسية وهي الثورة ومعاداة القيصر والنظام، والتحريض على الفتنة.

الجزء الأكثر أهمية على الإطلاق في قصة المسيح الثائر، هو ذلك التحول غير منطقي، وغير مفهوم في سيكولوجية الجماهير والتحول المزاجي لجموع فقراء اليهود، الذين استقبلوا المسيح أستقبال الفاتحين يوم أحد الشعانين، حتى أنهم: “فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ، وكَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: أُوصَنَّا.. مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ، مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي.”

وبعد مرور أقل من خمسة أيام، وبدون أي أحداث تبرر هذا التحول، وفي ظل انعدام تام لكل وسائل الإعلام والاتصال في ذلك الوقت، نجد أن نفس الجماهير قد تحولت إلى النقيض تمامًا بحلول يوم الجمعة التالي، ولا يمكن تفسير هذا التحول سوى أن تأثير رجال الكهنة وأحبارهم كان بمثابة السحر على الجماهير، وكنتيجة مباشرة لإقحام أحبار اليهود وكهنتهم للدين وخلطه بالسياسة، انقلبت الجماهير على المسيح الذي أتى خصيصًا كي يحررهم، وطالبوا بإعدامه وصلبه، فعندما خيّر الحاكم الروماني بيلاطس الجماهير، أن يطلق لهم أحد أسيرين بمناسبة ، أما يسوع الناصري، وأما لص قاتل يدعى ، فصاحت الجموع “اصْلِبْهُ اصْلِبْهُ“.

فأجاب بيلاطس “لَمْ أَجِدْ فِي هذَا الإِنْسَانِ عِلَّةً مِمَّا تَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ“، “وَهَا لاَ شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ صُنِعَ مِنْهُ فَأَنَا أُؤَدِّبُهُ وَأُطْلِقُهُ“، “فَصَرَخُوا بِجُمْلَتِهِمْ قَائِلِينَ: خُذْ هذَا! وَأَطْلِقْ لَنَا بَارَابَاسَ“، فَقَالَ لَهُمْ ثَالِثَةً: فَأَيَّ شَرّ عَمِلَ هذَا؟ إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهِ عِلَّةً لِلْمَوْتِ، فَأَنَا أُؤَدِّبُهُ وَأُطْلِقُهُ، فَكَانُوا يَلِجُّونَ بِأَصْوَاتٍ عَظِيمَةٍ طَالِبِينَ أَنْ يُصْلَبَ، فَقَالَ الْوَالِي: وَأَيَّ شَرّ عَمِلَ؟ فَكَانُوا يَزْدَادُونَ صُرَاخًا قَائِلِينَ: لِيُصْلَبْ، بل وهددوا ، الحاكم الروماني المحلي لمقاطعة اليهودية، إن لم يصدر أوامره بإعدام يسوع قائلين: إِنْ أَطْلَقْتَ هذَا فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكًا يُقَاوِمُ قَيْصَرَ، فتأكد بيلاطس أن سلطته لا تقارن بسلطة رجال الكهنة على الشعب، وخشى من حدوث شغب، فأَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلًا: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ! أَبْصِرُوا أَنْتُمْ، فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْب وَقَالُوا: دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا.

منذ نحو ألفي عام إلا بضع سنون، ونحو الساعة الثالثة [الساعة التاسعة بالتوقيت اليهودي] [1] بعد ظهر الجمعة الثالث من أبريل من العام 33 [على الأرجح] [2]، أعدم النظام الروماني الحاكم، الذي كان يحتل المملكة اليهودية في ذلك الوقت، بقيادة الوالي بيلاطس بنطيوس [البنطي]، الحاكم الروماني لمقاطعة اليهودية، الثائر اليهودي والمُعلم والفيلسوف يسوع المسيح الناصري، بأبشع وسائل الإعدام تعذيبًا وألمًا، وهي الصلب [بحسب الاعتقاد المسيحي]، وكانت عقوبة الإعدام بالصلب تستخدم في الإمبراطورية الرومانية على الثوار والمتمردين، كما طبُقت في السابق على أتباع الثائر سبارتاكوس، الذي قاد ثورة العبيد في الإمبراطورية الرومانية عام 73 ق.م، ولقي حتفه عام 71 ق.م، وتم إعدام نحو 6000 من رفاقه على الصلبان.

كانت المسيحية في السابق تدعي، المذهب الثوري، قبل أن يأتي ويلقبها المسيحية، وهو نفسه الذي قال في رسالته لأهل رومية (المسيحيون في روما): لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِينِ الْفَائِقَةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ، وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ، وَالْمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً، ليتحول النص من نص يساري يقف مع الفقراء والمهمشين ويعادي الأغنياء، إلى نص يميني يدعم الدولة والنظام ويعادي المعارضين والمتمردين، وتتحول المسيحية برمتها من مذهب ثوري إلى ديانة النظام والدولة والسلاطين، وهي نفس الآية التي تستخدمها الكنيسة حرفيًا اليوم في وجه الشباب المسيحي الثائر، كدليل كتابي (من الكتاب المقدس) على محاباة الحكام وإدانة المعارضة والثورة.

 


[1] كان اليهود يقسمون الليل إلى 4 ساعات كبيرة ويقسمون النهار إلى 4 ساعات كبيرة، وكل ساعة كبيرة تماثل ثلاث ساعات بتوقيتنا، وتبدأ ساعات النهار عند شروق الشمس، والساعة التاسعة بالتوقيت اليهودي، تماثل الساعة الثالثة ظهرًا.
[2] هناك رأيان في هذا الشأن، الأول أن صلب المسيح (بحسب الاعتقاد المسيحي) كان في الثالث من أبريل، استنادًا إلى فصح اليهود الذي صُلب فيه يسوع حسب الإنجيل من جهة، وحادثة إظلام السماء التي أشار إليها الإنجيل أيضًا من جهة أخرى، مع بعض الأبحاث والدراسات التي أجريت في هذا الصدد، لكن في رواية أخرى أن حادثة الصلب تمت في الخامس والعشرين من مارس (آذار)، بحسب صورة الحكم الذي أصدره بيلاطس على يسوع الناصري بالموت صلبًا.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: تحرير اﻹيمان من سلطة الدين[الجزء السابق] 🠼 المسيح مدنياً[الجزء التالي] 🠼 ذكرى القبض على الشاب الفلسطيني يسوع
[ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤