انتشر منذ أيام مضت فيديو لسيدة ثمانينية عظيمة رفضت جائزة أو مكافئة مالية، والأهم من رفضها إنه لم يكن أبدًا بسبب الخجل أو عزة النفس، بل كان عن قناعة إنها لا تستحق هذه الهدية أو المكافأة، وترى أن الأولى بها الفقراء، وقالت إنها تُعطي ولا تأخذ، وأنها راضية وسعيدة، وترى نفسها غنية، ومعاشها جيد تصرف منه على أولادها حتى الآن.

كلام جميل وعظيم جدا لكن الأهم أن نعرف أن هذه السيدة العظيمة نموذج موجود في مصر بكثرة، وهذا ليس تقليلًا منها أبدًا لكن بشكل شخصي أعرف عددًا كبيرًا وأغلبهن سيدات لديهن نفس هذا المنهج في الحياة، وطبعا هذا أمر غير مرتبط بالدين، بمعنى أن السيدة المصرية (كثير منهن) بالنسبة لهن هذا منهج حياة، وأمر طبيعي أنها تعطي من حولها، والأهم أنها تشعر بهم، وكثيرًا جدا نجدها تهتم بمأكل وملبس جامع القمامة أو من  ينظف السلم أو الجار الفقير أو.. أو.. أو.. ونموذج السيدة الكبيرة التي تنفق من معاشها على أفراد من أسرتها، نموذج يتواجد بشدة، لكن أهميته تكمن في أنه لا يتواجد في الأجيال التالية أو الأصغر سنًا بنفس الكثافة، ومن الطبيعي كان لزاما أن يتم تناول الموضوع من وجهة النظر هذه، نموذج متميز في المجتمع يجب دعمه وتشجيع وجوده. لكن ما حدث  للأسف هو عكس سلوك هذه السيدة تماما، وما حدث أن  كل واحد تفاعل مع الفيديو بمنطق كيف أستفيد منه؟ وما يمكن أن أكسبه منه؟

بدأت الصفحات المسيحية مثلًا بصبغ الموضوع بصبغة دينية وتنشر الفيديو تحت عنوان “سيدة قبطية”، مع أن أساس الموضوع ليس له عِلاقة بديانتها ولا المذيع نفسه الذي حاول منحها  الفلوس صبغ الموضوع أو أشار لأي رؤية دينية في الموضوع، وبدأت القنوات الدينية أيضًا  تستضيفها جريًا وراء “الترند” والسيدة نفسها، حقيقًة في غنى عنه، وأنا أرى أنهم أزعجوا تلك السيدة المباركة واخترقوا حياتها وخصوصيتها، وسرقوا هدؤها وراحة بالها من أجل حفنة “لايكات” ومشاهدات -يعنى شوية فلوس-

أما عن دور أسقف القناة وجامع التبرعات لأسوأ مشروع لخدمة إخوة الرب، من الممكن أن يصل إليه فكر الإنسان بإهانة الفقراء والمتاجرة بهم في الحقيقة، وكالمعتاد موقف مخزي، وهذا لأسباب كثيرة، مثلما ذكرت أعلاه، هذه السيدة نموذج أزُعم أنه موجود منه في كل كنيسة من كنائسنا -وهنا أتحدث فقط عن الكنيسة عن دائرة اختصاص الأساقفة- ولم يحدث أن استدعاهم أحد أو كرمهم، أو سأل نفسه كيف تعيش هذه السيدة؟!

السؤال هنا، ما وجه التكريم لهذه السيدة في أن “أشحططها” واستدعيها إلى مكتبي الفخم المجهز  بفلوسها، وفلوس غيرها؟ كي أخذ صورا وفيديوهات معها، وأنشر الصور،  وفى كل اللقاء الذي لم يكن طويلًا -اصله مش ممكن يستحمل كلام الست البسيطة دي وحكايتها- اختار صورتها وهي منحنية أمامه تقبل يده تكريمًا لها،  كي تتنشر.

يا ليتهم تركوا تلك السيدة في حالها، ومن شبهها، وحاولوا أن يتعلموا من كلامها البسيط الجميل في الفيديو مع المذيع، وحاولوا إيجاد تعريف جديد (قديم أو أصلي للبركة والقداسة) المتواجدة في شوارع وحواري البلد، وبسبب وجودهم لا زال العالم يعيش اليوم.

استغلال سافر لنموذج رائع 1

لابد أن أعترف بشعوري بحزنٍ شديدٍ يتطور إلى غضبٍ، حينما يكون الشغل الشاغل هو الاستغلال على طول الخط، كان بالأولى من الأسقف أن ينزل إلى الشوارع وأن يبحث عن الكثيرين ويقبل أيديهم، ويجلس تحت أرجلهم، يمكن يفهم معنى الحياة، ومعنى الإنسانية، ومعنى العطاء من الإعواز  برضا، والأهم معنى الهدوء والراحة النفسية، التي -لا يعرف الأسقف وكثير من أمثاله طريقها-

كان بالأولى بالأسقف الذي من المفروض أن  يبحث عن المسيح بين المهمشين ومن بينهم هذه السيدة العظيمة، لا ليأخذ اللقطة، لكن على الأقل يقابله ولو مرة واحدة في حياته، كان من الممكن أن يعطي فرصة للنور الذي فيها أن يتعامل مع الظلام الذي يعيشه من مؤامرات واتفاقيات على إخوته وعلى أي شخص يأتي في طريقه، أو على الأقل يصمت مثل الآخرين، ويوفر علينا رؤية هذا الموقف المهين كالمعتاد.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

إيريني إستمالك
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎