Search
Close this search box.
المقال رقم 1 من 7 في سلسلة إطلاق سراح كلمة الله
قال يسوع للشاب "كيف تقرأ؟" ومازال يقول لك يا من تقرأ كلمة الله "كيف تقرأ؟" وكيف تتحرَّر من القراءة الحرْفية؟ هذه المحاولة لقراءة حيَّة لكلمة الله بواسطة بعض النصوص والأمثلة.

شونم: كانت لسبط يشوع (1)، حل الفلسطينيون بها قبل معركة جلبوع العظيمة، وكان أليشع النبي يمر على شونم كثيرًا لأنها على طريقه من الكرمل إلى مدن الجليل ومدارس الأنبياء في الجلجال وبيت إيل وغيرها، وكانت تلك الحِقْبَة معروفة بانتشار الانحلال العام والفساد لكن وُجِدت قِلة مقدسة للرب مثل هذه المرأة التي يصفها الكتاب المقدس بأنها “عظيمة”. (2) عاصرت أليشع وجاء ذِكرها في سفر ملوك الثاني، الإصحاحين 4؛ 8،

عندما أقرأ قصتها أتخيل ملامحها وحركتها ونظرة عينيها، كل ما أعرفه عنها أنها من شونم، لكنى لا أعرف اسمها. هذه السيدة تراودني في مواقف كثيرة في الحياة اليومية (العمل، البيت، الشارع… الخ) عندما أرى احتياجات لا حصر لها، وهنا تقفز هذه السيدة إلى مخيِّلتي وأجد نفسي أقول: ماذا كانت ستفعل الشونمية في هذه المواقف؟!

هي في رأيي سيدة مبادِرة، وقد تكون المبادَرة مُقلقة، أو قد نكون لم نعتد ممارستها في مجتمعنا وثقافتنا، لكن الشونمية التي لا أعرف اسمها تشجعني أن أكون مثلها. كان أليشع يتردَّد على شونم، وهي كانت تدعوه ليأكل، وفي يوم ما فكَّرت أن احتياجات النبي أكثر مما تقدمه. تكلمت مع زوجها مقترحةً عمل عليَّة بها سرير وكرسي وقنديل يرتاح فيها أليشع حين يجئ (3)

الشونمية تقيِّم ما يدور حولها وتحدِّد الاحتياج، وأتوقَّع أن هذا الأسلوب كان منهاجًا في حياتها وليس فقط مجرد موقف عابر مع أليشع، وهذه الشخصيات تخرج خارج نفسها وتبحث عما يمكن أن تقوم به، ليس باعتبار أنها تحمل حِملا، ولكنها تستمتع بالعطاء والمبادرة. لا أبالغ في وصف الشونمية فهي لها موقف آخر يساند رأيي فيها ويثبت أنها صاحبة موقف وسنأتي إليه فيما بعد.

فكَّر أليشع هكذا:

وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ جَاءَ إِلَى هُنَاكَ وَمَالَ إِلَى الْعُلِّيَّةِ وَاضْطَجَعَ فِيهَا. فَقَالَ لِجِيحْزِي غُلاَمِهِ: «ادْعُ هذِهِ الشُّونَمِيَّةَ». فَدَعَاهَا، فَوَقَفَتْ أَمَامَهُ. فَقَالَ لَهُ: «قُلْ لَهَا: هُوَذَا قَدِ انْزَعَجْتِ بِسَبَبِنَا كُلَّ هذَا الانْزِعَاجِ، فَمَاذَا يُصْنَعُ لَكِ؟ هَلْ لَكِ مَا يُتَكَلَّمُ بِهِ إِلَى الْمَلِكِ أَوْ إِلَى رَئِيسِ الْجَيْشِ؟» فَقَالَتْ: «إِنَّمَا أَنَا سَاكِنَةٌ فِي وَسْطِ شَعْبِي».

(سفر ملوك الثاني 4: 11-13)

نركز على إجابتها في نهاية الشاهد فقد قالت:  “أنا بين أهلي فلا أحتاج شيئًا”. فهل كانت فعلًا لا تحتاج شيئًا؟ أم أنها كانت في أشد الاحتياج لما يمكن لأي امرأة أن تحتاج، خاصة في ذلك العصر؟ كنت أتوقَّع أن تمسك بتلابيب النبي وتطلب معجزة، بل كنت أتوقَّع والحال هكذا أن تكون امرأة متقوقعِة حول نفسها تجلس في الزاوية تنعى ظروفها،

يبدو أن الشونمية استوعبت -بالفطرة- مغزى الأمومة وعطائها وأبعادها، فالأمومة أوسع وأشمل من أن تنحصر في طفل أو أطفال ولدتهم الأم، بالفطرة عاشت الشونمية، عطاء الأمومة لكل من في حاجة إلى العطاء والرعاية والمحبة، ألهذا لم تقع هذه السيدة ضحية رثاء الذات؟ أليست الدائرة الواسعة التي أشبعت فيها أمومتها كان لها مردودها عليها هي شخصيًا في عدم شعورها بالنقص والعار كما هو السائد لدى السيدات في عصرها حين لا يلدن أولادًا؟

لكن أليشع استشار خادمه جيحزي: ماذا يعمل لها؟.. أجابه: لا ولد لها، وزوجها شيخ، فقال أدعها. فدعاها، فوقفت بالباب فقال لها أليشع في هذا اليوم من السنة المقبلة، يكون بين ذراعيك ابنًا لك.

ثُمَّ قَالَ: «فَمَاذَا يُصْنَعُ لَهَا؟» فَقَالَ جِيحْزِي: «إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا ابْنٌ، وَرَجُلُهَا قَدْ شَاخَ». فَقَالَ: «ادْعُهَا». فَدَعَاهَا، فَوَقَفَتْ فِي الْبَابِ. فَقَالَ: «فِي هذَا الْمِيعَادِ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ تَحْتَضِنِينَ ابْنًا». فَقَالَتْ: «لاَ يَا سَيِّدِي رَجُلَ اللهِ. لاَ تَكْذِبْ عَلَى جَارِيَتِكَ».

(سفر ملوك الثاني 4: 14 -16)

وفعلا تم ما قاله النبي وجاء الولد، لكنه مرِض ومات، فأصعدته إلى عليَّة أليشع رجل الله ومدَّدته على سريره. وأغلقت عليه وخرجت. (4) بمنتهى الهدوء ورباطة الجأش خرجت بعد أن أغلقت الباب على الولد. وكما يقول المعلِّقون على تفسير هذا الموقف أنها وضعت في تفكيرها إقامة الصبي وليس موته، لأنها لو توقَّعت الموت لبدأت تنوح وتدعو لأهل بيتها لإعداد ترتيب الجِنازة.

ذهبت المرأة إلى أليشع، وهو بدوره طلب من جيحزي، الذَّهاب معها، ربما لأنه شاب وفى استطاعته الإسراع في السير أكثر منه، لكن المرأة أصرَّت أن يذهب أليشع معها. الملاحظ أن أليشع مدَّد نفسه على الصبي-الجسد الميت-وهذا طبقًا للشريعة ينجِّس أليشع لكنه وأمام الصبي المَيْت لم يتراجع.

والآن إلى الموقف الآخر للشونمية حين حدث جفاف في شونم بعد انقطاع المطر وشح الحصول على الغلة اللازمة للطعام.

وَكَلَّمَ أَلِيشَعُ الْمَرْأَةَ الَّتِي أَحْيَا ابْنَهَا قَائِلًا: «قُومِي وَانْطَلِقِي أَنْتِ وَبَيْتُكِ وَتَغَرَّبِي حَيْثُمَا تَتَغَرَّبِي، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَعَا بِجُوعٍ فَيَأْتِي أَيْضًا عَلَى الأَرْضِ سَبْعَ سِنِينٍ».

(سفر ملوك الثاني 8: 1)

أليشع يوجِّه لها النصيحة فقد ذهب إليها ليكلِّمها فهي امرأة ذات حيثية ويُعتَمد عليها.

فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ وَفَعَلَتْ حَسَبَ كَلاَمِ رَجُلِ اللهِ، وَانْطَلَقَتْ هِيَ وَبَيْتُهَا وَتَغَرَّبَتْ فِي أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ سَبْعَ سِنِينٍ.

(سفر ملوك الثاني 8: 2)

لكن عند عودتها لبلدها شونم لم تجد بيتها وحقلها، لكنها لم تجلس عاجزةً، ولم تلجأ للتشكِّي واجترار المرارة، ولأنها سيدة مبادِرة نجد:

وَفِي نِهَايَةِ السِّنِينِ السَّبْعِ رَجَعَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، وَخَرَجَتْ لِتَصْرُخَ إِلَى الْمَلِكِ لأَجْلِ بَيْتِهَا وَحَقْلِهَا. وَكَلَّمَ الْمَلِكُ جِيحْزِيَ غُلاَمَ رَجُلِ اللهِ قَائِلًا: «قُصَّ عَلَيَّ جَمِيعَ الْعَظَائِمِ الَّتِي فَعَلَهَا أَلِيشَعُ». وَفِيمَا هُوَ يَقُصُّ عَلَى الْمَلِكِ كَيْفَ أَنَّهُ أَحْيَا الْمَيْتَ، إِذَا بِالْمَرْأَةِ الَّتِي أَحْيَا ابْنَهَا تَصْرُخُ إِلَى الْمَلِكِ لأَجْلِ بَيْتِهَا وَحَقْلِهَا. فَقَالَ جِيحْزِي: «يَا سَيِّدِي الْمَلِكَ، هذِهِ هِيَ الْمَرْأَةُ وَهذَا هُوَ ابْنُهَا الَّذِي أَحْيَاهُ أَلِيشَعُ». فَسَأَلَ الْمَلِكُ الْمَرْأَةَ فَقَصَّتْ عَلَيْهِ ذلِكَ، فَأَعْطَاهَا الْمَلِكُ خَصِيًّا قَائِلًا: «أَرْجِعْ كُلَّ مَا لَهَا وَجَمِيعَ غَلاَّتِ الْحَقْلِ مِنْ حِينِ تَرَكَتِ الأَرْضَ إِلَى الآنَ».

(سفر ملوك الثاني 8: 3-6)

نعم، المرأة مبادِرة ونعم الله وَسْط شعبه، عمانوئيل الله معنا، حيث تسير الأمور للخير بمعيِّته معنا، فالله ونحن عاملان معًا لحياة مثمِرة مباركة.

أرى أن هذه السيدة تستحق أن تكون مثالا للمبادرة والتفكير خارج الصندوق، على أن هذا الأسلوب من التفكير ليس معناه العشوائية وانتظار الاستثناءات والأمور التي بلا ترتيب، بل يحتاج إلى نضج ومعرفة وفطنة وبصيرة وأظن أن تفاصيل النص توضِّح أن تلك السيدة كانت تلك الشخصية الناضجة قوية الشخصية.


هوامش ومصادر:
(1) سفر يشوع 18:19
(2) موقع أنبا تكلا
(3) سفر ملوك الثاني 4: 8-10
(4) سفر ملوك الثاني 4: 20-21

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: إطلاق سراح كلمة الله[الجزء التالي] 🠼 الرَحْمَة والراحِم والمَرحومون
[ + مقالات ]