
- لماذا التاريخ ولدينا النبوات؟
- ما قيمة آباء الكنيسة في البحث التاريخي؟
- الصلب ومعيار الحرج
- مناقشة يوسيفوس فلاڤيوس
- ☑ بابليوس كورنليوس تاسيتوس
لا تُصوّر جماعة ما مُخلّصها كمجرم مات ميتة مهينة على الصَّليب إلا إن كانت مضطرة لذلك. هذه الحقيقة لم تكن أبدًا محل شكّ في العالم القديم. يسرد تاسيتوس صَلب يسوع في مذكرته القصيرة عن المسيحيين ويجعل بيلاطس مسئولًا [1]. بالنسبة له؛ يُعتبر المسيحيون ملومين لأنَّهم يتبعون مجرمًا قُتل على أيدي الرومان.[2](جيرارد ثيسن، العهد الجديد: التاريخ، الأدب، والدين)
بابليوس كورنليوس تاسيتوس، المؤرِّخ والسياسي الروماني الذي عاش ما بين عام 56 ميلاديًا وعام 120 ميلاديًا، هو واحد من المصادر المهمة التي تحدَّثت عن موت يسوع.
قيمة تاسيتوس تكمن في أنه كان واحدًا من أهم مؤرِّخي الإمبراطورية الرومانية، وكتب كتابين هما Histories أو التواريخ
وAnnals أو الحوليات
، وهذا الكتاب يؤرِّخ لتاريخ روما ما بين عام 14 ميلاديًا وعام 66 ميلاديًا. ولكن للأسف، الجزء الذي يناقش الفترة ما بين عام 29 ميلاديًا وعام 32 ميلاديًا مفقود، وبالتالي لا نعرف ما إذا كانت هناك معالجة طويلة بعض الشيء عن حياة يسوع وبداية المسيحية أم لا، فلا يوجد سوى اقتباس قصير فقط.
في هذا الجزء، يتكلم عن المسيحيين في سياق الحديث عن حريق روما في عهد نيرون. السياق يقارن بين السنوات الخمس الأولى الهادئة في حكم نيرون والسنوات التي تلتها، والتي شهدت عنفًا شديدًا. وعلى عكس النسخة المُطولة من شهادة يوسيفوس فلاڤيوس، تصور نسخة تاسيتوس المسيحيين بشكل محايد، ولا تتضمن أي علامات لإضافات مسيحية، ولذلك، هي أصيلة ومن تأليف تاسيتوس نفسه.
يقول چون پول ميير في كتابه يهودي مُهمّش: إعادة النظر في يسوع التاريخي
:
بالرغم من بعض المحاولات الواهية لإثبات أن القطعة هي إضافة مسيحية لكلام تاسيتوس، إلا أن القطعة أصلية بشكل واضح. والعرض المحايد يتجلى في كراهيته للمسيحيين، ومع أنه برأهم من تهمة الحرق، إلا أنه اتهمهم بأن لديهم[3]كراهية ضد البشرية.(چون پول ميير، يهودي مُهمّش: إعادة النظر في يسوع التاريخي)
أما تاسيتوس، فينتقد في الفقرة نفسها العنف الذي مارسه نيرون، ويقول:
حتى المجرمين الذين يستحقون أقصى العقاب وأن يكونوا عبرة، صاروا مدعاة للشفقة، فلم يكن ذلك للصالح العام، بل لإشباع قسوة رجل واحد يتم سحقهم.[4](بابليوس كورنليوس تاسيتوس، الحوليات ١٥: ٤٤: ٥)
قبلها يتحدث تاسيتوس عن المسيحيين، وعما يعرفه عن الشخص المنتسبين إليه في تسميتهم “مسيحيين”، فيسمي يسوع؛ Christus [كريستوس
]، ويقول نصًا:
كريستوس، الذي منه اشتُق الاسم [أي اسم: المسيحيين]، تعرَّض للعقوبة في فترة حكم طيباريوس على يد procurator [أحد ولاته]؛ بيلاطس البنطي. وتحيّنت خُرافة شديدة الأذى للحظة، وانتشرت، لا في اليهودية التي هي مكان الشر الأول فحسب، بل حتى في روما التي تجد فيها كل الأشياء الكريهة والبشعة من كل أنحاء العالم مركزًا، وتنتشر.[5](بابليوس كورنليوس تاسيتوس، الحوليات ١٥: ٤٤: ٣)
يقول جيرارد ثيسن إن هناك خطأ غريبًا من تاسيتوس، وهو أنه قال إن منصب بيلاطس كان procurator، في حين أن منصبه في الحقيقة كان praefectus. وفي كتابهما يسوع التاريخي: دليل شامل
يقول جيرارد ثيسن وأنيتا ميرز أن تاسيتوس بنى سرده على مصدر تاريخي أقدم ومفقود. من الجائز أن تاسيتوس تعرض لمشكلة المسيحيين في فترة حكمه بآسيا الصغرى، وعرف عنهم من خلال التحقيق والمحاكمات، وتوصل إلى نتيجة أن المسيحيين كانوا مذنبين، وأنهم في سبيل الصالح العام يجب أن يعاقبوا أشد العقاب [6].
أما بالنسبة للمصدر التاريخي الذي يعتبره ثيسن مفقودًا، فهو يعتقد أن هذا المصدر ليس يوسيفوس (كما قال ڤون هارناك) ولكنه قد يكون واحدًا من مصادره الإمبراطورية، مثلًا في معلوماته عن حريق روما كانت مصادره من بليني الأكبر. ومن الوارد أيضًا أن تكون مصادره من سجلات الدولة خصوصًا أن الكلام عن قمع المسيحيين مرتبط بإخماد خرافة في روما (وهو ما يعترض عليه چون پول ميير بسبب خطأ تاسيتوس في تحديد منصب بيلاطس [7]، لكن في كل الأحوال هذا ما يبدو منه أن السرد من وجهة نظر الإمبراطورية، وبالتأكيد ليس من مصدر مسيحي.
على الجانب الآخر، يقول مارتن هينجل إن معلومات تاسيتوس جاءت من المحاكمات والتحقيقات التي كان يجريها للمسيحيين في آسيا الصغرى [8]. تذكر معي الإشارات إلى الأماكن، لأننا سنتناولها مرة أخرى قريبًا.
حتى الآن، رأينا شخصًا كان في اليهودية أساسًا، وهو يوسيفوس فلاڤيوس، ونقل لنا خبر صلب المسيح من حيث بدأت كل الأمور، ثم ذهب إلى روما ونقل الخبر من هناك. بعد ذلك، لدينا مؤرخ آخر كان يعرف معتقد المسيحيين عن صلب المسيح في آسيا الصغرى. في المجمل، يعرف تاسيتوس أن كريستوس، مؤسس الجماعة، مات بالإعدام في فترة طيباريوس (أي ما بين 14 و 37م)، وتحديدًا في حكم بيلاطس (ما بين 26 و 36م). ويعرف أن حركته كانت في إقليم اليهودية، ويعرف أن أتباعه كانوا منتشرين في روما في وقت نيرون.
هناك معلومتان أُخريان مهمتان، ولابد أن تراهما في ضوء كلام تاسيتوس:
المسيحيون كانوا يُشتَمون بسبب اعتقادهم في موت يسوع، الذي تكلموا عنه باعتباره المسيح والرب. هناك مصادر كثيرة لإهانتهم وسبهم، ولكن دعنا نأخذ على سبيل المثال نقشًا يونانيًا من أواخر القرن الثاني وبداية الثالث الميلادي. [9]. هذا النقش معروف باسم Alexamenos graffito [
جرافيتي أليكسامينوس
]، ويصور حمارًا مصلوبًا ومكتوبًا بجانبه “أليكسامينوس يعبد إلهه”.
في القرن الثالث أيضًا، لدينا عمل اسمه Octavius [
أوكتاڤيوس
] للكاتب اللاتيني المسيحي ماركوس مينوسيوس فيليكس. في هذا العمل، هناك شخصية اسمها Caecilius [كايسيليوس
] تهاجم المسيحيين وتعتبرهم فقراء بائسين لأن عبادتهم تتمحور حول شخص مات بجريمة وعلى صليب. من المؤكد أن المسيحيين كانوا يُشتمون بموضوع صلب يسوع، وليس هذا فحسب، بل كانوا يُعتبرون فئة تؤمن بالخرافات والأوهام، كما وصفهم بليني الأصغر بعدما حقق معهم بأنهم مجانين [10].
ليس الشتم والاتهام بالتخريف والوهم فحسب، بل كان يُنظر إليهم على أنهم أعداء للإمبراطورية، وأنهم أحدثوا شغبًا مثل معلمهم، وأنهم قُتلوا في عهد نيرون بسبب نفس الكراهية التي مات بسببها معلمهم. إذن، الأمر ليس مجرد أناس مقتنعين بخرافة تافهة، بل بسبب هذا الاعتقاد، أصبحوا أعداء للدولة، وقُتل منهم الكثير. وعلى هذا، لو كانت هناك أي إمكانية لاستخدام أيّ سردية ترفع عنهم مشكلة الصليب، لكان من المنطقي أن يقولوها ويُصلحوا أوضاعهم مع الحكام.
المسيحيون على الجانب الآخر، لم يكن ردهم هو الإنكار أو محاولة تخفيف اللوم عنهم. ولو كانوا يعرفون أطروحة باسيليدس الغنوصي عن أن الذي صُلب هو سمعان القيرواني، لكان من مصلحة المسيحيين أن يدافعوا عن أنفسهم بها. ولكنهم تحملوا الإهانة باعتبارها حقيقة، وحتى في دفاعاتهم كانت الحجة أنه ليس فقط مات، ولكنه “قام كما في الكتب”. وفي بعض المدافعين الذين استخدموا الكتابات الوثنية ليقولوا للرومان إنهم كمسيحيين لا يؤمنون بشيء أغرب من الذي يؤمن به الرومان عن أنصاف الآلهة، مثل القديس يوستينوس الشهيد [11].
يقول يوستين ما معناه: “إننا عندما نقول إن كلمة الله وُلد من غير جنس، وإنه صُلب ومات وقام وصعد، فنحن لا نقول شيئًا مختلفًا عما تؤمنون به عن آباء چوبيتر
“. ويبدأ بسرد التشابهات بين كلام المسيحيين عن يسوع وبين كلام الرومان عن أسكليپيوس
ومعجزاته وموته عندما ضربه البرق وصعوده إلى السماء، وباخوس
الذي تقطَّع تمامًا وصعد إلى السماء، وكذلك هركليز
الذي حرق نفسه ليهرب من أتعابه. وبعد ذلك يتكلم عن بيرسيوس
الذي قام من الموت (بتعبير يوستين، وممكن أن يقول البعض إنها ليست قيامة، ولكنا خروج للميت من هاديس
، لكن لندع هذا لمقال آخر) وصعد إلى السماء على حصانه بيجاسوس
(فكرة الصعود إلى السماء بدابة كانت منتشرة في العالم القديم). وبعد ذلك يكلمهم عن اعتقاداتهم في الأباطرة، وكيف كانوا يتألهون (ينالون تأليهًا أو يصبحون آلهة) بعد موتهم، ويحكي عن الشهود الذين يشهدون لرؤيتهم قيصر
بعد موته وصعوده إلى السماء. نعم، فهذه أيضًا تيمة مشهورة في العالم القديم، رؤية الشخص حيًّا بعد موته وظهوره لمجموعة من الشهود [12].
وهكذا، هناك أمثلة كثيرة من القرون الأولى، كان المسيحيون يُشتَمون بالصليب (وإلى الآن!).
وبما أنهم تحملوا الحَرَج، ليس فقط حَرج السُباب، ولكن حَرَج أن يلجأن للاعتراف بتشابه قصتهم مع القصص التي يؤمن بها الوثنيون، كما فعل يوسيتنوس، بدلًا من أن يزيّفوا القصة ويتخلصوا من عبء الصليب، فهذا يعني أن الحدث كان حقيقيًا وثابتًا عندهم بدرجةٍ تجعل تحمل السباب أخف وطأة من تغيير سرديتهم عن طريقة موت قائدهم. وهذا ما يسميه مؤرخو المسيحية المبكرة معيار الحَرَج
.