
- لماذا التاريخ ولدينا النبوات؟
- ما قيمة آباء الكنيسة في البحث التاريخي؟
- ☑ الصلب ومعيار الحرج
- مناقشة يوسيفوس فلاڤيوس
- بابليوس كورنليوس تاسيتوس
بالنسبة للمؤرخ الذي يدرس يسوع، لا تُعد التفاصيل المحرجة عن يسوع فقط مثارًا للاهتمام، بل نافذة بالغة القيمة على ذكريات محتملة ليسوع. في الواقع، تلك التفاصيل هي أمثلة لمعيار معروف لتحديد ما إذا كانت القصّة محل الدراسة هي منتج الذاكرة أم الخيال. دارسي يسوع التّاريخي يدعونه “معيار الحَرَج”. المنطق خلف هذا المعيار هو كالتالي: إن احتوت القصّة على تفاصيل عن يسوع أو عائلته أو تلاميذه، وكانت تشكّل حرجًا للكنيسة المبكّرة، فعلى الأرجح تلك القصة ليست من اختلاق الكنيسة المبكّرة.[1](أنثوني لي دون، يسوع التاريخي: ما نعرفه وكيف عرفناه)
نتعرف اليوم على مثال لمعيار مهم جدًا اسمه معيار الحرج
كما نحته أنتوني لي دون، ويعني ببساطة: عندما تنقل لنا المصادر القديمة خبرًا فيه حرج بالنسبة لها، من خلال تفاصيل يمكن أن تُصوِّر يسوع أو عائلته أو تلاميذه بشكل غير لائق، فليس من المُرجح أن تكون مثل هذه التفاصيل مُختلقة. التفاصيل التي تسبب حرجًا عادة ما يتم التخلّص منها وليس اختلاقها.
حسنًا، ما هي الأمثلة الموجودة في مصادرنا القديمة لأشياء فيها حرج ليسوع وعائلته وأتباعه؟ يمكن أن نبدأ بمثال مباشر وواضح: معمودية يسوع على يد يوحنا المعمدان! لنرَ كيف تعاملت الأناجيل الأربعة مع موضوع المعمودية، وأرجو انتباهك بشدة لأننا سندخل قليلًا في المشكلة الإزائية التي تحدثنا عنها سابقًا.
أوضحنا من قبل إنه من المستقر في الدراسات الأكاديمية أن إنجيل مرقس كُتب أولًا، وذلك بناءً على تفاصيل كثيرة معقدة تظهر بمقارنته بإنجيلي متى ولوقا. ما يهم أن إنجيل مرقس هو الأقدم [2]، ليس هذا فحسب، بل إن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقس بمعزل عن بعضهما البعض. بمعنى أن متى كانت لديه نسخة من إنجيل مرقس وبنى عليها إنجيله، ولوقا كانت لديه نسخة من إنجيل مرقس وبنى عليها إنجيله. ولكن متى لم يتدخل في صياغة لوقا لإنجيله، ولا لوقا تدخل في صياغة متى لإنجيله. كل واحد منهما كان يكتب بشكل منفصل [3].
لنقرأ معمودية يسوع على يد يوحنا المعمدان في إنجيل مرقس، ثم في إنجيلي متى ولوقا، وبعد ذلك في إنجيل يوحنا [4].
حَرَج معمودية يسوع من المعمدان
سنجد أن بداية إنجيل مرقس هي نبوءات عن مجيء الله أو مُمثّل الله [5]، وأن ملاكًا سيتقدمه ويمهد طريقه [6]. بعد ذلك، يبدأ الإنجيل بوصف يوحنا المعمدان [7] وأنه كان يعمد للتوبة وغفران الخطايا [8]. بالطبع، هنا تكمن مشكلة: لماذا اعتمد يسوع معمودية يوحنا للتوبة وغفران الخطايا؟ لا يوجد أي مبرر لذلك، والإنجيلي مرقس نفسه لم يقدم أي تفسير لهذه المعمودية.
في إنجيل متى، الذي استخدم إنجيل مرقس، أراد الإنجيلي متى تقديم حل هذه المشكلة؛ فلم يقل إن معمودية يوحنا كانت لمغفرة الخطايا، بل قال فقط إن الناس عندما كانوا يعتمدون كانوا يعترفون بخطاياهم [9]، لكنه لم يسمّها معمودية مغفرة الخطايا [10]. وأضاف أيضًا حوارًا بين يسوع ويوحنا المعمدان [11]، يعترض فيه يوحنا المعمدان على حضوره للعماد: أنا محتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إليَّ!
[12]. فمتى، الذي أدرك الإشكال في سردية مرقس، جعل يوحنا نفسه يوضح أن المسيح ليس محتاجًا للمعمودية من الأساس.
أما إنجيل لوقا، فقد حاول أن يحلّها بطريقة مختلفة. أولًا، جعل لوقا مقابلة يوحنا بيسوع مبكرة جدًا، منذ كان يوحنا في بطن أمه [13]، وليس هذا فحسب، بل تهلل بمقابلة يسوع [14]. وبالتالي، فإن اللقاء بين الاثنين قد تم، وتم في وقت مبكر جدًا قبل كل الأحداث التي جاءت بعد ذلك. ثم بعد ذلك، في الإصحاح الثالث، يتحدث لوقا عن يوحنا وعن معموديته بوصفها: معمودية التوبة لمغفرة الخطايا
[15]. لكن قبل أن يسرد شيئًا عن معمودية يسوع، يحكى قصة القبض على يوحنا واحتجازه على يد هيرودس بسبب هيروديا [16]، والتي نعلم أنها انتهت بإعدام يوحنا المعمدان وقطع رأسه. وهنا مباشرة، يتكلم عن معمودية يسوع في نصف سطر: ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضا.
[17].
بطريقة أخرى، يذكر إنجيل لوقا أن يسوع اعتمد
لكنه لم يذكر من عمّده، وبالتالي فمعمودية يسوع ليس من الواضح أنها معمودية يوحنا، ومن ثمّ ليس من الواضح أنها لمغفرة الخطايا. من الوارد أن ترفض وتقول: لا، بل هي معمودية يوحنا ﻻ سواها، ومسألة أنه قال اعتمد
ولم يذكر من الذي عمّده، أو مسألة أنه ذكر سجن يوحنا قبل معمودية يسوع، هي مجرد ترتيب للسردية فقط، وليس لها هدف أبعد.
وحتى أوضح لك أن هذا ليس فهمي الشخصي، دعنا نستعرض ما قاله آيان هوارد مارشال، والذي يقتبس كلام هانز كونزيلمان في كتاب لوقا: المؤرخ واللاهوتي
، يعرض مارشال حجة كونزيلمان، فيقول إن دور يوحنا المعمدان في إنجيل لوقا ينتهي قبل معمودية يسوع. وبذلك، فبدلًا من أن يكون إيليا هو الذي يأتي ليعد الطريق قبل المسيح، يصبح يوحنا من الأنبياء السابقين. ويضيف مارشال أن لوقا يخفف الرابط بين يسوع ويوحنا المعمدان بتفاصيل حبس يوحنا في لوقا 3: 19-20، والذي رتبه بحيث يكون قبل معمودية يسوع [18].
لنأت لرابع البشارات، إنجيل يوحنا، ونرى كيف تصرف في نفس المسألة: نجد أن يوحنا المعمدان عرف يسوع أوّل ما نظر له وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلًا إليه، فقال: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم!
[19]، وشهد له بعدها مباشرة [20]:
وشهد يوحنا قائلا: «إني قد رأيت الروح نازلا مثل حمامة من السماء فاستقر عليه. وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء، ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلا ومستقرا عليه، فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس. وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله».(إنجيل يوحنا، ١: ٣٢-٣٤)
والمثير هنا أن إنجيل يوحنا لم يقل إن يوحنا المعمدان عمَّد يسوع من الأساس، وكل ما قاله إنه سيعرف المسيّا المُنتظر من نزول الروح عليه، وأن هذا حدث فعلًا مع يسوع، لكنه لم يذكر إن هذا حدث خلال معمودية!
هذا مثال لموقف مُحرج واجه ليس فقط الكنيسة الأولى، ولكن كتّاب الأناجيل أنفسهم. فمعمودية شخص لشخص تجعل المُعتَمِد تلميذًا للمُعمِّد. إنجيل مرقس سرد الخبر بالرغم من إشكاليته، وكل واحد من الكتّاب الذين أتوا بعده حاول حلها بطريقة مختلفة: إنجيل متى جعل المعمدان يعبّر عن عدم استحقاقه، لكن يسوع يوافق “ليتمم كل بر”. وإنجيل لوقا أعاد مقابلة يسوع والمعمدان 30 عامًا إلى الوراء، وسرد سجن المعمدان قبل معمودية يسوع، وبالتالي تكون الصورة الذهنية النهائية أن يسوع قد اعتمد، لكن ليس على يد المعمدان. وإنجيل يوحنا تكلم عن معرفة المعمدان بيسوع من خلال نزول الروح القدس عليه، ولكن ليس في سياق المعمودية.
والخلاصة أنّ الموضوع كان خبرًا شائعًا، والكنيسة تعاملت معه باعتباره أمرًا واقعًا موجودًا في وثائق قديمة مثل إنجيل مرقس. وبالتالي، كانت كل الحلول أدبية وسردية تحاول تخفيف تأثيره، لكن ليس إلغاءه تمامًا بحذفه من بداية كرازة يسوع.
حَرَج الروابط الأسريّة ليسوع
موقف آخر مهم أيضًا عن تعامل عائلة يسوع معه في مرقس 3، وسنتحدث عنه باختصار. الموقف يحكي أن الكتبة خرجوا ليشتكوا على يسوع وأن أهله خرجوا ليمنعوه؛ ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه، لأنهم قالوا: «إنه مختل!»
[21].
بعد هذا الموقف مباشرة، ذهبت أمّ يسوع وأخوته، لإمساكه، فرفض أن يخرج لمقابلتهم وقال: «من أمي وإخوتي؟» ثم نظر حوله إلى الجالسين وقال: «ها أمي وإخوتي، لأن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي».
[22]
وهذا يعني ضمنيًا أنه رأى أن أمه وإخوته لا يفعلون مشيئة الله عندما خرجوا ليمنعوه من الكرازة، وقالوا عنه ما قالوا.
من الوارد أن يقول أحدهم أن إنجيل مرقس قال أقرباؤه، وهؤلاء ليسوا بالضرورة أمه وإخوته.
صحيح، ولكن إذا قرأت الإصحاح كاملًا في تسلسله، ستجد أن الذين خرجوا ليمنعوه، وصلوا عند البيت الذي كان فيه، وطلبوا مقابلته. وفي هذا الجزء نعرف أن الذين ذهبوا إليه كانوا فعليًا أمه وإخوته.
بالطبع، نص كهذا كان سيكون شديد الصعوبة بالنسبة للكنيسة الأولى، خصوصًا وأن العذراء مريم هي من هي في إنجيلي متى ويوحنا مثلًا، فما بالك بتقاليد الكنيسة؟ أضف إلى ذلك أخوه يعقوب الذي أصبح رأس كنيسة أورشليم نفسها!
بالرغم من ذلك، لم يتخلص كتبة الأناجيل من هذا الخبر.
ما قام به إنجيل لوقا، على سبيل المثال، هو محاولة حلّ هذه المشكلة، عن طريق القول إنهم لم يتمكنوا من الدخول بسبب الازدحام: وجاء إليه أمه وإخوته، ولم يقدروا أن يصلوا إليه لسبب الجمع.
[23].
مِعيار الحَرَج
بطبيعة الحال، خبر صلب يسوع هو الأكثر حساسية وحرجًا في كل هذه الأخبار. فالمسيح المنتظر الذي جمّع حوله الأتباع والتلاميذ، وقام بأعمال خارقة عظيمة جدًا، أو على أقل تقدير كان واعظًا قديرًا ومُفوّها، الذي دخل وأثار مشاكل وشغبًا في الهيكل وكان اليهود ضده، وبالتأكيد لم يكن الرومان يرونه مجرد واعظٍ تقليدي، فهل من المقبول أن يموت هذه الميتة المُنحطة، ويُصلب بين اللصوص والمجرمين، ويتعرض للجلد والإهانة على الملأ وعلى رؤوس الأشهاد في وسط أورشليم في أيام عيد؟! هل هذا الخبر من مصلحة الكنيسة الأولى أن تختلقه؟ هل يختلقون الأمر الذي يتعرضون بسببه للشتائم طوال واحد وعشرين قرنًا؟ طبعًا هذا مستبعد تمامًا.
بالنسبه للمعموديه والصلب ومعيار الحرج، بيقول John P. Meier:
معيار الحرج يحدد المواد الإنجيليّة التي يُستبعد اختلاق الكنيسة لها، لأن تلك المادّة سببت حرجًا أو صعوبة لاهوتيّة للكنيسة حتى في وقت العهد الجديد. أحد أهم تلك الأمثلة هو معمودية يسوع بيد يوحنّا المعمدان في بداية كرازته العلنيّة. أو خذ مثال من نهاية كرازته: معيار الحَرَج يدفع بقوَّة للاعتقاد في تاريخيّة الصَّلب العلني ليسوع كمجرم بيد المسؤول الروماني الرسمي. لقد كان الصَّلب أكثر صور الإعدام إخجالًا وتحقيرًا في العالم الرومانيّ، لقد ظلَّت وسيلة إعدام مُخصصة للعبيد وقاطعي الطَّريق والثوَّار والأشخاص الآخرين الذين لا يحملون الجنسية الرومانيَّة؛ إن اتّهموا بكونهم تهديدًا للنظام العام.[24](چون پول ميير، يهودي مُهمّش: إعادة النظر في يسوع التاريخي)
دعني أذكّرك بأن كل حُجّة يمكن معارضتها بمفردها.
يمكنك مثلًا أن تقول إن محمد نجيب في مذكراته يصوّر نفسه باعتباره شخصًا عديم القوة، وأن من حوله يحركون كل الظروف ضده، وأنه يحكم بإعدام اثنين من عمال شركة الغزل والنسيج وهو يشعر بأنه مكتوف الأيدي ومُجبَر. ويمكنك أن تقول مثلًا إن هذه تفاصيل تسبب حرجًا. ولكن أيضًا، هناك سبب لاختلاق تفاصيل كهذه، وهو أنّه يريد أن يرفع التهمة عن نفسه، خصوصًا وأنه كتب مذكراته بعد أن مات أغلب هذا الجيل، وكأنّه يحاول أن يغسل صورته أمام المجتمع. دائمًا ستجد تفسيرًا يفسّر الحرج.
لكن في حدث الصَّلب، الأدلة المتراكمة جنبًا إلى جنب لا يمكن التعامل معها بهذه الطريقة. لماذا قد يلجأ المسيحيون إلى هذه الحبكة الطويلة باختراع موت يسوع ثم اختراع قيامته؟ أليس من الأجدر أن يقولوا إنه لم يُصلب أصلًا؟ إنّ وجود القيامة ضروري لأن الصَّلب لا يمكن إنكاره. لقد واجهت الكنيسة الأولى حجر عثرة ضخم وعظيم جدًا، ألا وهو موت يسوع بهذه الطريقة المُنحطة. وعدم تاريخية الصَّلب يضع المعارضين لتاريخيته أمام سؤال بلا إجابة: لو كان بإمكانهم إنكار صلبه، فلماذا أقروا بالصَّلب وأتبعوه بالقيامة، بينما كان بإمكانهم حل المشكلة بالكرازة بعدم صلبه في المقام الأول؟